التغييرات في الخطاب الإعلامي العربي

حجم الخط
0

د. علي محمد فخرو

في ندوة أدارها تلفزيون العربية، إبُان إنعقاد منتدى الإعلام العربي الأخير في مدينة دبي، نوقش موضوع ‘ العرب بين تحدًّيات التغيير السياسي والتغيير الإعلامــي’. تركًّز النقاش على مقارنة الإعلام التقليدي مع إعلام التواصل الاجتماعي من مثل الفيسبوك والتويتر، وعن أيهما أكثر فاعلية في تحريك الجماهير للانضمام للثورات الشبابية التي تجتاح الوطن العربي.

في اعتقادي أن تلك المقارنات تُبعثر جهود الإعلاميين العرب في تفاصيل التكنولوجيا الإعلامية وفي التعامل مع الوسائل على حساب الأهداف والغايات والمحتوى. فالسُّؤالان المطروحان في عنوان الندوة يتعلقان بتحديات التغيير السياسي المطلوب وبتحديات التغيير الإعلامي العربي الذي يجب أن يصاحب التغيير السياسي ويخدمه.

أما موضوع السياسة فان الذين سيتعاملون معه وسيستجيبون لتحدياته ويحرسونه هم شباب الأمة العربية الذين فجًّروا ومازالوا يفجٍّرون الثورات العربية المبهرة. هؤلاء الشباب الذين أبدعوا في المراحل الأولى للثورات لن يعدموا الوسائل والجهود والتضحيات لإيصال تلك الثورات إلى بٍّر الأمان.

ما يحتاج الإعلاميون العرب التركيز عليه في المرحلة الحالية هو التغيير المطلوب في خطابهم الإعلامي، أخباراُ وتحليلات وتجديداً فكرياً وصوراً رمزيًّة وفنوناً جادة، حتى يخدم ذلك الخطاب الإعلامي التغيُّيرات الكبرى السياسية التي نشاهدها أمامنا والتي ستحتاج للدًّعم والمساندة عبر السنين القادمة.

في اعتقادي أن الإعلام العربي مطالب بأن يجري في خطابه تغييرين مهمًّين. الأول يتعلق بدفع المجتمع العربي نحو بناء قطيعة نفسية وذهنية وسلوكية مع الاستبداد الذي هيمن على تاريخ العرب عبر القرون الطويلة الماضية. فبعض المدارس الفقهية السلطانية المتخلفة وبعض شعراء المديح والإستزلام وبعض الأمثلة الشعبية قد ساهموا في قبول فكر الاستبداد وممارساته من قبل المجتمعات العربية، وخلطوا بين الاستبداد والمنعة وبالتالي برًّروه في ذهن الإنسان العربي.

هذه الصورة البائسة يمكن للإعلام العربي، التقليدي منه والجديد، أن يلعب دوراً أساسياً في رفضها وتحطيمها في صور شتًّى. مطلوب من الإعلام التوقًّف عن استعمال كلمات وألقاب التبجيل غير المستحق لرموز المجتمع في السياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة. مطلوب عدم عرض صور الظهر المنحني أو وضع اليد على الرًكبة أو خفض البصر أمام أصحاب السلطة والجاه. مطلوب بناء النديًّة في تعامل المواطن مع رموز الوجاهة. مطلوب تنقيح المسلسلات التاريخية التي تمجٍّد أو تبرٍّر الاستبداد والكًبٍر الزًائف. القائمة طويلة جداً، ولذا سيحتاج الإعلاميون لوضع إستراتيجية متكاملة لانزال كل مظاهر الاستبداد من المكانة العالية التي احتلًّتها عبر القرون وجعلها مستهجنة ومكروهة من قبل الإنسان العربي العادي.

أما التغيير الثاني فهو إيجاد خطاب إعلامي مناهض للثورات المضادة التي بدأت بعض الجهات المحلية والعربية تؤجٍّجها في وجه الثورات العربية الناجحة. هذه الثورات المضادة ستقوى وتتلوًّن بألف لون، وبالتالي ستحتاج أن تكون مناهضتها في شكل خطاب إعلامي جريء لا يتردًد في فضح الجهات القائمة بها وفي مساعدة شباب الثورة في أن لا يقعوا في أحابيل تلك الثورات المضادة وفي ملمسها الشيطاني النًاعم المتستًّر بألف ستار.

ذلك الإعلام العربي الشًّريف الملتزم بإنجاح الثورات العربية وحمايتها سيحتاج أن يخوض مواجهة إعلامية لبعض الإعلام العربي المناهض للثورات وشبابها. ولعل من أبرز الخبث الذي تمارسه بعض الجهات الإعلامية العربية هو تنصيب نفسها كمحاكم تفتيش. لقد وصل الحال ببعضها أن تجٍّرم الناس لا على أفعال قاموا بها ولكن على قراءتها الظالمة لضمائرهم ونواياهم سيحتاج الإعلام الشًّريف أن يقف في وجه إعلام بعض السلطات المتخلفة التي نصًّبت بعضاً من موتوريها ليهاجموا الناس في دينهم وشرف ضمائرهم وطهارة نيًّاتهم.

الإعلام العربي الذي ارتكب بعضه الخطايا في الماضي، وساهم في تخدير مشاعر الناس وأحاسيس الكرامة الإنسانية عندهم في صورة بحر لجىٍّ من ملايين الكلمات والصور والأفلام والمسلسلات، مطلوب منه أن يحدث تغييراً جذرياً في خطابه ليستجيب لتحديات التغييرات السياسية المبهرة في أرض العرب. من يريد رؤية خطاب إعلامي وهو يجدًّد نفسه فليشاهد بعضاً من محطات التلفزة في مصر الثورة، وليقارن مشاهد اليوم وخطابه مع مشاهد وخطاب الأمس البائس.

منذ حوالي قرنين تساءل الشاعر الامريكي ت. إس. إليوت: ‘أين الحكمة التي أضعناها في المعرفة، وأين المعرفة التي أضعناها في المعلومات؟ ‘الإعلام العربي الجديد الملتزم سيحتاج أن يجمع بين المعلومات والمعرفة والحكمة إن أراد أن يستجيب لمتطلبات وتحدًّيات الألق الثوري العربي الجديد.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية