التغيير بين ارادة شباب الثورة ورجال المعارضة

حجم الخط
0

د. سعيد الشهابي بين الحس الفطري والتقدير السياسي ثمة بون شاسع يؤكده الوضع الراهن للثورات العربية الذي يكشف حالة التشوش الذهني الناجمة عن غياب العمق المبدئي لدى محترفي السياسة ضمن الاطر الادارية القائمة. انه حال لا يختلف كثيرا عند مقاربته مع مسألة الايمان المؤسس على الفطرة وذلك القائم على اسس التنظير والفلسفة، فالاول يقود عادة الى ايمان عميق لا تشوبه تفرعات المنطق وعلم الكلام، ولا يتداخل فيه منطق ‘المصلحة’ مع مقولة الايمان المطلق التي تقتضيها الفطرة. ثورات الربيع العربي انطلقت في اغلبها باعواد ثقاب لحظية اشتعلت في بيئة مشبعة بالوقود الناجم عن عقود من الاستبداد والظلم والاقصاء والفساد. فاستطاع السابق منها قطع اشواط بعيدة لانها فاجأت القوى المتربصة بالامة ضمن ما عرف لاحقا بقوى الثورة المضادة. اما التي تأخرت في انطلاقها فقد وقعت ضحية تآمر تلك القوى وتدخلاتها التي أجلت حسم مسارها بمحاولات الالتفاف او الاجهاض او الاحتواء او هندسة النتائج وصناعة ‘أبطال’ وهميين لقيادتها. فلم يكن شباب تونس الذي ربط حادثة الشهيد محمد بوعزيزي بواقعه السياسي الذي هيمن عليه زين العابدين بن علي وعصابته، مستعدا لتضييع وقته في الحسابات السياسية المعقدة او الدخول في مساجلات حول التوازنات السياسية الاقليمية او الدولية، بل انطلق بدوافع غريزية دفعته للتصدي للظلم والتضحية لازالة اسبابه بعيدا عما تريده الدول المتحالفة مع النظام الديكتاتوري. وانطلقت ثورة مصر على اسس شبيهة، وكذلك الثورات الاخرى اللاحقة. كانت الانطلاقات متشابهة في الظروف والاهداف والوسائل، وبعيدة في الاساس عن التلوث النفسي والفكري والقيمي الذي فرضته قوى الثورة المضادة لاحقا ولوثت به اجواء الربيع. وبدلا من دعم النمو الطبيعي لاشجار الحرية التي روتها دماء شهداء تلك الثورات، سعت لتسميمها بالاسمدة الكيماوية التي دمرت ثمارها واحالت نضارتها الى اوراق خريف تتساقط وتوحي بانتهاء حياتها الطبيعية واستبدالها باشجار بلاستيكية بلا روح او نضارة.

وبعد عام ونصف من تلك الثورات اصبح من الضروري دق الاجراس للتنبيه بالاخطار المحيطة بالثورات ليس كمشاريع للتغيير السياسي، بل كطريق لنهضة كاملة تعيد الامة الى طريق التجديد والبناء والحضارة. من الضروري ان يعي شباب الثورات اهمية استعادة المبادرة على طريق التغيير الشامل، وعدم السماح باعادة القضية الى دوائر السجال حول مقولات ‘الواقعية’ و’التوازنات الاقليمية والدولية’، او الحديث عن الامكانات المتوفرة، او احالة التغيير الى القوى الكبرى وفي مقدمتها الولايات المتحدة الامريكية على الصعيد الدولي والى السعودية او اية دولة اخرى من دول مجلس التعاون الخليجي في الدائرة الاقليمية. وثمة خشية من ان تكون الانطلاقة الفطرية النقية قد وقعت في بعض الحالات في شراك الحسابات السياسية واخضاع التغيير للمقولات المذكورة، فتستحيل الثورات الى احتجاجات لا تختلف كثيرا عن ثورات الخبز التي وقعت في الثمانينات في تونس ومصر والاردن والمغرب. كانت تلك الانتفاضات فورية نجمت عن اوضاع معيشية قاسية. وكان بالامكان ان تتحول في اجواء الصحوة الاسلامية التي ترعرعت في ظروف الثورة الاسلامية في ايران، الى ‘ربيع عربي’ مبكر، ولكن حالت قوى الثورة المضادة يومها دون ذلك. وبانتصار ثورة تونس والانتصار الذي كان وشيكا لثورة مصر، كادت رياح الثورة تشمل كافة دول العالم العربي من شرقه الى غربه، لولا تصدي قوى الثورة المضادة لما اعتبرته ‘التحدي الاكبر’ الذي يواجهها والذي طرح امامها واحدا من خيارين: ان تكون او لا تكون. ان الثورة نهضة شعبية فورية لا تخضع لقواعد الاعداد او الحساب السياسي او التخطيط الدقيق، بل يعتمد نجاحها على مدى حماس الشباب الثائر واستعداده للتضحية في مقابل عدو غاشم يشعر ان ايامه معدودة وان البطش هو الخيار الوحيد امامه. فاذا ترك الامر لشباب الثورة فان دماءه قادرة، في كل الاحوال، على هزيمة الديكتاتورية والاستبداد وما تمارسه من بطش. ولكن اذا سمح لقوى الثورة المضادة بالتدخل باي شكل فقد انتهت الثورة كمشروع تحرري جاد.

وهنا تتصارع الافكار والاولويات خصوصا لدى ‘المفكرين’ و’السياسيين’ الذين ينطلقون على اساس ‘المنطق’ و’الحسابات السياسية’ و’الاستخدام الجيد لاوراق الضغط’، وهي جميعا مصطلحات شائعة في عالم السياسة والعمل ضمن الأطر القائمة. فهؤلاء لا يستطيعون استيعاب ‘المنطق الثوري’ الذي لا يضع اعتبارا لتلك الابعاد. فمن يسمح لنفسه بمواجهة نظام عتيد يهيمن على امكانات الدولة كافة ويسخرها لحمايته وليس لحماية الدستور والشعب، لا يبدو منطقيا أوعاقلا لدى التيار السياسي الذي تعمقت لديه القناعة بان ‘يجب ان يكون الحل سياسيا’. فعناصر الثورة لا تخضع حساباتها للمنطق الرياضي، بل تطرح رؤى قد تبدو شاذة لاصحاب المنطق والحساب. فمن يسعى للتغيير عن طريق الثورة يسمح لنفسه بمواجهة الدبابة عاري الصدر، ويصمد في الشارع متحديا الجيش المدجج بالسلاح. واذا اصدر الديكتاتور قرارا بمنع التظاهرات ازداد حماسا للتظاهر، ورفض الانصياع للقرارات الرسمية. هذا منطق يختلف عن المنطق السياسي، ولكنه يبدو للكثيرين ‘مجنونا’ و’متهورا’ و’غير منطقي’. وقد توجه لاصحابه اتهامات بانهم ‘يقودون البلد الى داهية’. وهنا تتحول القضية الى صراع ارادات، فيخسر الذي تنكسر ارادته قبل الآخر. ان سقوط الشهداء والضحايا لا يكفي لكسر شوكة ‘الثوار’. فهؤلاء يرون في الدماء التي تهدر في ما يعتبرونه ‘معركة كرامة’ وقودا ضروريا للثورة، ويزدادون صمودا وصلابة كلما ازداد النظام شراسة. ينظر هؤلاء ‘الثوار’ الى الواقع السياسي بانه مستنقع يجب ازالته بكافة الوسائل لان الشعب كله ضحية جراثيمه وامراضه الفتاكة. يرى هؤلاء ان النظام الديكتاتوري يستعصي على الاصلاح، ويسوقون من التاريخ الغابر والمعاصر امثلة على صراع الارادات بين قوى التغيير واساطين السياسة وطغاة البلدان، ليستنتجوا ان الديكتاتورية لا يمكن اصلاحها، بل يجب اقتلاعها. انه منطق كثيرا ما يصطدم مع القوى السياسية التقليدية التي استطاعت التطبع ضمن اطر الانظمة السياسية معتقدة ان لديها اوراقا للضغط على النظام تجعله يقدم بعض التنازلات. الثوار يعتقدون ان اوراق الضغط السياسية كلها بيد الديكتاتور، ولا مجال للدخول في معركة يستحيل كسبها باستعمال ادوات النظام. فالبرلمان، ان وجد، قد تم تصميمه لحماية النظام القائم وليس تغييره، واجهزة الدولة تحميه تماما. فالقضاء بيد الديكتاتور، يعين قضاته ويوجههم لاصدار قراراته السياسية كاحكام قضائية ضد مناوئيه. ويعتبر هذا القضاء واحدا من ادوات قمع المعارضين لا تختلف عن السجن والتعذيب والقتل. واجهزة الشرطة والامن والاستخبارات كلها موجهة لحماية النظام الديكتاتوري الذي قد يكون لديه دستور تمت صياغته بالمقاسات المناسبة له، وليس للشعب دور في صياغة مواده. والاعلام هو الآخر وسيلة لقمع الرأي الآخر وحصر دائرته بالديكتاتور ودوائره الضيقة، فلا صوت يعلو فوق صوت الاستبداد. الثورة الناجحة هي التي تقتلع النظام الديكتاتوري كاملا ولا تحصر التغيير ببعض رموزه كالرئيس مثلا، كما حدث في تونس ومصر واليمن. كانت ثورات تلك البلدان جميعا مهيأة لتحقيق تغيير جوهري شامل، ولكن تلكؤ القوى السياسية في دعم الثورة واعلان التمرد على النظام السياسي أضعف الحراك الثوري وفتح المجال امام قوى الثورة المضادة للتدخل، اما خلال الثورة او بعد التخلص من رموز النظام السابق، كما حدث في مصر. الثورة ورموزها يملكون شجاعة التصريح بمن يعتبرونه من معوقات التغيير وداعمي النظام القائم، ورافضي التغيير الشامل. ولذلك يصرحون علنا برفضهم تدخل تلك الجهات في شؤون بلدانهم. بينما ترى القوى السياسية التقليدية ان المنطق السياسي يقتضي ‘طمأنة’ تلك القوى واسترضاءها واظهار قدر من ‘الاعتدال’ والابتعاد عما يمكن اعتباره ‘تطرفا’. تبدو هذه الاعتبارات منطقية ولكنها تساهم في اضعاف روح الرفض في نفوس شباب الثورة، وتساهم في التطبيع مع القوى الخارجية الرافضة للتغيير. وبهذا يسهل اختراق الوضع وتوجيه مسار التطورات، وتسهيل مهمة اختراق صفوف الثورة والثوار باستمالة بعضهم وتمويله لاستلام المناصب السياسية بعد تحقيق ‘الاصلاح’ المزعوم بازالة بعض رموز الحقبة الديكتاتورية. وحتى الآن ما يزال الكثيرون محجمين عن اعادة فتح ملفات الربيع العربي بشكل مكشوف وصريح لاستيضاح مواقع الخلل في المسيرة التي تخللها سفك دماء الشهداء رخيصا واعتقال الآلاف وتعذيبهم، فيما اكتفت قوى الثورة المضادة بالتفرج في احسن الاحوال والتدخل السري او العلني لحماية الانظمة الاستبدادية في اغلبها. وسعت كثيرا لاستغباء الثوار بحصر الفساد في شخوص معدودة وليس في النظام نفسه. كان الاولى بالقوى السياسية الانحياز للثورة في يومها الاول، وعدم الاكتفاء بالتفرج بانتظار ما تتمخض عنه التطورات. وكان مطلوبا كذلك ان تعلن هذه القوى جميعا اتخاذ موقف واضح وصريح من قوى الثورة المضادة لمنعها من اختراق صفوف الثورة وحركة التغيير، بدلا من السعي لـ ‘طمأنتها’ باعتدال النظام السياسي البديل. ومن المؤكد ان هذه السياسة تؤثي ثمارا على المدى القصير، ولكنها تفت في عضد الثوار من جهة، وتفتح المجال امام قوى الثورة المضادة من جهة ثانية، وتخضع القوى السياسية الصاعدة للابتزاز ولقيم الميوعة السياسية والابتذال المعنوي والمساومة القيمية التي يطرحها الغرب واذنابه المحليون من جهة ثالثة. وقد اثبتت تجربة التاريخ المعاصر عدم صواب المساومة على قيم الثورة والتغيير لان قوى الثورة المضادة لن ترضى الا بالتخلي عن مشروع التغيير الكامل ومسايرة المنظومة السياسية الغربية التي دعمت الاستبداد عقودا. فمثلا، اعتقد النظام السوداني بعد ‘ثورة’ 1989 ان استرضاء القوى الغربية سوف يحمي النظام من خطط الغرب ضده. فمارس سياسة استرضائهم، فتخلى عن جوهر مشروعه الاسلامي وقام بتسليم كارلوس لفرنسا وقدم الكثير من التنازلات للجنوبيين، فضعف تدريجيا، ولم يحظ بدعم غربي ابدا، حتى انقسم النظام السوداني على نفسه، ثم تم تقسيم السودان بعد ان اثيرت النعرات القومية والدينية داخل اقاليمه. وبعد انفصال جنوب السودان عن شماله، ليس مستبعدا انفصال غربه عن شرقه. وليبيا اصبحت مهددة بالحرب الاهلية وربما التقسيم نتيجة حرف مسار الثورة وتحويلها الى حرب مسلحة اسقطت نظام القذافي ولكنها غرست بذور الشقاق والاختلاف. ومصر هي الاخرى مهددة بالحرب الاهلية والتقسيم بعد ان فرضت قوى الثورة المضادة مرشح المجلس العسكري على الانتخابات الرئاسية. واليمن لن تهدأ اوضاعها بعد احداث تغيير هامشي على بنية نظام علي عبد الله صالح. اما نظام الحكم في البحرين فيحاول عرض القضية وكأنها صراع بين طوائف الشعب على اسس دينية، ويعرض نفسه وكيلا للمصالحة بين هذه الاطراف عبر مقولات ‘الحوار’ و’المصالحة الوطنية’. من هنا مطلوب من رجال الحكم في البلدان التي حققت قدرا من التغيير نتيجة الثورة التوفر على عدد من الامور: اولها استيعاب معنى الثورة والتغيير وان ذلك يعني قطع الطريق على اية محاولة لتكريس الاستبداد، ثانيها: وعي حقائق الواقع وان النظام الجديد سوف يعاني من صعوبات جمة، من بينها ضعف الاقتصاد الموروث من انظمة فاسدة، ثالثها: عدم البحث عن مخارج سهلة من تلك الصعوبات، بل العمل لتذليل الصعوبات ما امكن، يصاحب ذلك عمل دؤوب للتوعية الاجتماعية لإعداد الجماهير نفسيا للاوضاع الصعبة، رابعها: عدم التنازل لقوى الثورة المضادة التي تسعى للهيمنة على الثورات او تطويعها باستعمال المال النفطي الذي تملك الكثير منه. خامسها: تعميق الشعور بالأنفة والشموخ وإبعاد شبح الخوف من الجوع او الفقر وعدم الخضوع لضغوط الحاجة المادية. وهناك اخطار عديدة تواجه الانظمة التي انتجتها الثورات منها ما يلي: الاول ان تتحول الثورة الى نصف ثورة، بتغيير رأس النظام وابقاء جسده، ثم تطويع القيم والمفاهيم لتتناسب مع ما تريده قوى الثورة المضادة. الثاني خطر يضغط على بلدان مثل تونس ومصر يتمثل بما يمارسه الامريكيون بشكل خاص بهدف ترطيب مواقف الثورات تجاه الكيان الصهيوني. الثالث ان تتعمق مقولة الواقعية والبراغماتية ليصبح القبول بالاحتلال الاسرائيلي امرا واقعا، وكأنه قدر لا مناص منه، او ان يتصدى للتغيير دول لا تؤمن بالحرية والديمقراطية ولا تمارسها مع شعوبها. الرابع: ان يتم اعادة صياغة العلاقات مع قوى الثورة المضادة لتصبح الممول الاساس للانظمة السياسية الجديدة التي تعاني بلدانها من ضعف اقتصادي ضاغط. وقد لوحظ ان هذه الضغوط قد تؤثر على بعض رموز انظمة ما بعد الثورة الذين يتصرفون عادة بنوايا حسنة. فمثلا نسب الى زعيم حركة النهضة في تونس، الشيخ راشد الغنوشي قوله مؤخرا في اطار حديثه عن ثورة تونس واوضاعها السياسية والاقتصادية، قوله ‘وجدنا تشجيعا من عدد من الدول من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية ومن دول الخليج وكذلك من ليبيا والجزائر، ووجدنا تشجيعا كبيرا من دولة قطر التي نعتبرها شريكا في الثورة من خلال إسهامها الإعلامي عبر الجزيرة وتشجيعها حتى قبل نجاحها فنحن ممنونون لقطر ولأميرها ولتشجيعها الاستثمار في تونس’. وقد اثارت هذه التصريحات حفيظة بعض الاسلاميين الذين رأوا فيها تراخيا في الموقف وقفزا على بعض حقائق الواقع، ورغبة في تثبيت تصورات مثيرة للجدل بدون وجود ضرورة لذلك. فتلك الدول كانت حليفة للنظام السابق حتى اللحظة الاخيرة، ولن تصبح داعمة للديمقراطية يوما، بل ستظل معادية لمشاريع التغيير الديمقراطي، وستبذل جهودها لتمييع انظمة الحكم الجديدة لتسلبها النقاء الثوري وتضمها الى معسكر المتآمرين على الامة وحريتها وحقوقها سواء على اراضي بلدانها ام في الصراع مع المحتلين. مطلوب من رموز انظمة الحكم الجديدة المنتخبة استيعاب الطرح الثوري وانه لا يقبل انصاف الحلول ولا يقبل بالتعايش مع المتآمرين ضد الامة وشعوبها، والمستعدين للقضاء على مشاعر التحرر لديها. الشعب العربي يريد اسقاط النظام، ليس بالاسم فحسب، بل في الواقع بشكل شامل برغم انف رموز قوى الثورة المضادة. مطلوب يقظة ضمير شاملة لتوقف التداعي وتمنع التشوش وتحافظ على نقاء القيم والمفاهيم والمواقف، وهذه مهة طبقة العلماء والمثقفين والدعاة والنشطاء.’ كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية