التفاصيل في نشرة لاحقة

حجم الخط
0

إسماعيل الرفاعيكان يوماً عادياً تماماً.. بعد سيجارة الصباح الأولى، تنفّست المرأة الغائبة في مسامّي.. حزمت عاصفتها عن وسادتي، وأطلّت عليّ من المرآة.. وعدتني أن تبيت ليلتها في حلمي المقبل، وأن تزورني في مطلع النص هذا.. أمهلتني برهة لسيجارة أخرى، وأوغلت في الروح كي تطمئن على سراج أوقدته في رماد القلب.كان يوماً عادياً تماماً.. الثامنة بتوقيت مكة المكرمة، الخامسة بتوقيت غرينتش، أهلاً بكم مشاهدينا الكرام من قناة الجزيرة في قطر، وإليكم أبرز العناوين: 43 قتيلاً برصاص الأمن السوري، مظاهرات ليلية في عدة مدن سورية تطالب بإعدام الرئيس ورحيل نظام الأسد، والوزارية العربية تبدي امتعاضها من استمرار قتل المدنيين.رصاص قناصة في خبر عاجل.. طفل تناثرت دفاتره في موت عاجل.. أرض الشمال ابتلعت ساكنيها.. أرض الجنوب في عصيان مدني.. دمشق في مسيرة مؤيدة.. حلب ترقص.. انفجارات تهزّ شارع التكايا في دير الزور والتفاصيل في نشرة لاحقة.. الميادين تنتفض عن بكرة أبيها، وأنا أنتفض عن بكرة خلاياي في صبيحة يومٍ عاديّ تماماً.في المرسم تتعسّر اللوحة، أكتشف الحلّ بلحظة إلهام خاطفة، أسكب لوناً رمادياً على جراح القتلى، يتعسّر رحيلهم، يد تشّق الكفن، تنزع قشرة الألوان، ترشق دماً حارّاً، تتنفس الكائنات، المدن، الحواري، الأنهار، السواقي، تغص اللوحة بالأحياء والأموات.. يتنفس الشهداء أعمارهم، ويمسحون ندوب القناصة عن جباههم، يلوّحون لي من مسام القماش الدامي، ألمس أطراف اصابعهم الدامية، فترتعد الروح وتتداعى في لحظة خلق عادية..عادية تماماً. في المساء.. يطوّقني صغيري بوحوشه البلاستيكية الضارية، بسحاليه وتماسيحه، يروي لي حكاية حرف التاء الذي غاب عن باله في حصة الإملاء، يسرق أصيص الزهور من غرفة أخته، يمزّق دفترها ويشتكيها بدمعة كاذبة، يطعم أسماكه، ويطمئن على عصافيره.. ومن جديد يلوذ بصدر أمه.. يسألها عن الحرب في سوريا، وعن بندقية الصيد التي أخفاها مهران في خزانته.. يطوقني بذراعيه ويغفو على صدري بعد مسيرة يوم حافل بالحب والموت.. مساء يوم عادي تماماً. نعم.. كان يوماً عاديّاً تماماً.. لقطات جديدة للموت على صفحات اليوتيوب، انتصارات في ساحة الثورة الصينية ضد طاغية الصين، دبابات جديدة في مغسل ومشحم حمص الدولي للدبابات.. مداهمات في غوطة الشام.. وعود جديدة بالإصلاح، مدافع أخرى للحوار، طائرات تخترق جدار الصوت، أسرّة شاغرة، فيديوهات مسرّبة عن مقتل القذافي، طاغية آخر يسقط.. طاغية يعد بالرحيل، وطاغية يضحك على غير هدى في ختام يومٍ يضج بالقتلى.. نعم.. كل شيء عادي تماماً.. دمشق على براكينها.. درعا على حصارها، وحمص على قتلاها.. كل شيء عادي.. بيدَ أن الفرات فاض فجأة على غفلة من ضفتيه، عبر قارات الأرض، لمس أطراف روحي، وبكى بمرارة بين يدي، سال نداه من دفتر الطفل خطّ على صفحاته ذكريات طواها مراراً، وأعادها مراراً في موجة حنين جارف. نعم.. كان عادياً تماماً هذا النهار الرجيم.شاعر وروائي وفنان تشكيلي من سورية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية