التفاعلات النصية في رواية لم أر الشلالات من أعلـــــى

حجم الخط
0

نعيمة مازوني بعد ديوانـــي ‘ حرائق العشق ‘ و ‘ أمضغها علكا أسود ‘ يصدر للشاعر المغربي محمد ميلود غرافي رواية ‘ لم أر الشلالات من أعلى ‘ ، وقد تصدرها بهوامش نصية تعد مفتاحا لقراءة هذا العمل الأدبــي و كشف أسراره الدلالية والجمالية، بالإضافة إلى جاذبيتها ودورها التحفيزي في خلق علاقة اتصال حميمي للقارى بالعمل . وأول ما تطالعنا به الرواية نص المتصوف العراقي النفري : ‘ لا يسلم من ركب ‘ ، نص مختزل لفعل الركوب المتجلــي في الرواية حقيقة و مجازا. ويلي نص النفري نص ‘ عقــد زواج ‘ الذي كتبــه قاضي أحفير في العـقد الستيني ( 22 جوليه 1965 ) ويكشف عن هوية طرفيه كما يحدد بعض ملامحهما الفيزيولوجية والإجتماعية. و قد يجد القارئ بعض العسر في قراءة لغتــه، غير أن الشروح التي يقدمها الروائي ثم السارد لاحقا تبدد ما غمض منه.ورود هذين النصين في مستهل الرواية ليس اعتباطــا، إذ بقدر ما يخلقان حالة تحفز للقراءة، فإنهما الأســاس الذي ينبني عليه النص السردي المتفرع إلى نصين متجاورين : نص الأب ونص الإبن. يصوغ الأول نصـه بلغة بسيطة و تلقائيــة يستعرض من خلالهـا مراحل من حياته ممتدة من عام 1945 إلى عـام 1965، أبــــــرز ملامحها السفر داخل المنطقة الشرقية للمغرب والمناطق المتاخمة للحدود المغربية والجزائرية والسفر في درب السياسة والإعتقال خلال مرحلة حساسة من تاريخ المغرب. ومن خلال المسار الحياتي للأب و سفراته المتعددة وما واكبــها من معاناة و فقر و سجن وغربة داخل الوطن، نكتشف جوانب من شخصيات متعددة بعضها كان قريبـا و جدانيـا من السارد الأب و بعضها أبان عن خيانتــه. زمن هذه المادة الحكائية لا يتجاوز عشرين سنة، جاء في شكل نص سردي تقليدي يحكمه منطق التسلسل التاريخي وخاضع لسيرورة الزمن في تصاعده و تعاقبه الخطــي و لمنطق الإيحـاء إلى أن ما وقـع وقع فعلا خلال فتــرة الإستعمار وما بعد الإستقلال، و الشخصيات داخل هذه البنية ذات صلة وثيقة بالأنساق المرجعية، ومؤطرة سياسيا على المستوى الوطني والمحلي، مما يستدعي قراءتها داخل مرجعيتها وفي علاقتها بأسئلة المرحلة. و لأننا بصدد قراءة الرواية في تفاعلاتها النصية، فإننا مدعوون الى إبــراز تفاعل نص الأب السارد مع الهوامــــــش النصية السالفة الذكر، لنجد أن العلاقة بين نص الأب ونص النفري وثيقة، فللذات الساردة سفرات متعددة على مستوى الأمكنة، سفرات في معظمها اضطرارية محكومــة إما بظرفية إقتصادية وحاجة مادية وإما بموقف الرفض للآخر : الفرنسي و بعده من أمسك بزمام الحكم. : ‘عند الفجــر ، جاء العسكر ، طوقوا البيت واعتقلوني’ ص 92. يرد نص الإبن موازيــا لنص الأب، يتوزعان معا على صفحات الرواية في علاقــة تجاور و يمتدان داخل الجســد الروائي على شكل مقاطـع تتبع نظاما خطيا تصاعديا في سرد الأب و تخرق هذا النظــام في الوحدات السرديــــــة للإبن و التي ترتبط فيما بينها بعلاقة تفــاعل دينامي تتداخل فيه الأبعاد الزمانية والأمكنـة وملامح الشخصيات. و قبل التطرق لعملية التناص بين نصوص الإبن ونصوص الأب، نقف مليــا عند نص ورد بالصفحة 12 و الذي يفتح شهيــــــة القارئ لدخول عالـم الرواية بالحديث عن ‘ ريبيكا ‘ المرأة التي تقف على مشارف الحكي و الذاكرة’ و التـــي تخرج الســـارد من ضوضائيته حينــا و تعيده إليها أحيانا أخرى بل وتغرقه في بحر من الذكريات الحزينــة. ريبيكا هي القضية التي دافع عنها السارد و مشروعه الحياتي الذي لم يكتمل، وهي الوجع المستفز لذاكرة الحكــي، و المثري للحــــــــــس الإبداعي. قصتها هي القصة الإطار التي تحتضن كل المشاهد و الصور، القصة التي لا تخضع مادتها للتسلســل الكرونولوجي، بل تحكمها تقنية الإستباق والإسترجاع، حيث لا يمكن للقارئ الإمساك بالحكــي بيسر، مما يجعله في أقصــى درجات التوتر. وفي محاولــة لإعادة ترتيب أحداث القصة الإطار، نجد أن المادة الحكائية تبدأ من زمن لقــاء السارد بريبيكا في متجر ببـــاريس و ترتيبهما لقاء بساحة الأوبرا ثم تعرفه على عائلتـها و خاصة الأب اليـهودي و طلبه الزواج منها. ريبيبكا امرأة جريئة في طرح أسئلة محرجة على الأب وهي المثقفة المهتمــة بالسياسة والمحترمة للحريات الشخصية بكل مظاهرها ( موقفـــــها المناصر مثلا لتظاهرات المثلييــن) . ومنذ المشهد 34 يتخذ الحديث عن ريبيكا منحى آخر حيث تلوح بوادر الفراق في الأفــق حين فيصير القارئ بدوره متوتــرا وفي أوج انفعـــاله مترقبا ما سيحصل. يتفـــــق الزوجان على اللقاء بلندن بفندق متواضع، و يسهب السارد في سرد تفاصيل ما بعد اللقاء حين يستحضر لحظة الوداع بمحطة القطـار، وعبر حوار داخلـي ( مونولوج ) يثيره منظر عاشقيــــن أمامــه في مقصورة القطار، نتعرف سبب الخلاف بينه و بين ريبيكا.إن استراتيجية السرد في نص الإبن تنبني على تكسير خطية الزمن إذ تبدأ بنقطة الرحلة إلى بانغور ثم تعود إلى زمن الحكي الأول و منه إلى زمن الفراق و العودة مجددا إلى زمن زيارة الوطن … فتتوالى الإستباقــات والإسترجاعـات، وتحذف أزمنة و توسع أخرى قصيرة ( اللقاء مع الأب مثلا ) . أما المشاهد التي تحتضنها هذه القصة الإطار فإنها تنبني على تقنية الإرتداد إلى الماضي، مما يجعل الرواية رواية ذاكرة بامتياز، فالديناميــة التي تشتغل بها هذه الذاكرة مبهرة. وإذا كانت نصوص الأب تحافظ على تقليديتها في السرد، فإن نصوص الإبن تتجاوزها و تنسف قواعد بنائها الكلاسيكي ليأخذ التفاعل هنا طابعا صداميا على المستوى البنائي، غير أنه على المستوى الدلالـي يتخذ أشكالا متعددة يمكن حصرها في ما هو تماثلي، تفسيري وتحويلي. يتجسد التماثل بين نصوص الساردين من خلال تيمة المعانــاة، فسفر الإبن إلى باريس تخللته الكثير من المتاعب : السكن عند عمته بضاحية أرجنتاي و التنقل عبر القطارات وبقاؤه أحيانا دون أكل، و الأب بدوره عانــى في سفراتـــــه المتعددة من الجوع و الخوف و النوم في زوايا بائسة. ويجعل السارد الإبن من معاناته الشخصية نافذة يطل من خلالها على معاناة الآخرين ممن عاشرهم و منهم ‘ عمي الناجم ‘ الذي دخل باريس في بداية السبعينات شابا ‘و ها هو يغادرها محدودب الظهر أو يموت بها متعبا و ذابلا مثل ورقـة خريفية ‘ ص 19. و كما يعايش الإبن في باريس شخصيات قاست مرارة الفقر في صفوف الطلبة والعمال، تمتلئ ذاكرته بشخصيات من زمن مــا قبل السفر، فيرجعنا إلى البيت الطينـــي حيث ‘ في الصيف تزورنا شتى أنواع الأفاعــي و الحشرات من أسفل الباب الحديدي ‘ ص 39 وإلى حي ‘ سالم ‘ حيث الأطفال يمارسون الشغب بأشكاله الفاضحة، والجيران يتبادلون الشتائم، و الشباب المعطل يتناوب على الدخول إلى بيت ‘ الياقوت ‘. ومن الهم و الحاجة، تظهر في المشهد 30 معاناة المرض ، إذ يصاب الإبن بالمرض نفسه الذي أصيب به والده في منتصف الثمانينات ‘ الفقر أيضا له تاريخ ، هو أيضـــا يحمل إرثه ، و تطاردني نتائجه الفاسدة … داء سل في باريس أيام التسعينات، إنها حالة نادرة في وقتنا هذا، قال الطبيب مستغربا ‘ ص97 إن هذا النص يكشف بعض المجهول من حياة الأب ما بعد السجن ليجتر بذلك تبعات ماضيه السياسـي و يورث ابنه الكثير من ملامحها حتى لكأننا نعيد سيرته مع اختلاف في الأمكنة و التواريخ. و تبرز تيمة الموت لتكثف من أنغام المعاناة في الرواية إذ يموت أخ الأب ‘ التهامي ‘ عام 62 بضربة حصان تعذرت معها الإسعافات، و يموت أخ الســارد الإبن ‘سمير ‘ بالحصبة حين التمســت الأسرة الدواء عند عجــوز بدل طبيب، وقد عاشــت الأم بعد هذا الحدث تستنكر كل ما له علاقة بالطب الشعبـــــــي.و كما انخرط الأب في حزب الإتحاد الوطني للقوات الشعبية عام 63 و منه في منظمة سرية بالجزائر، يشارك الإبن في اجتماعات منظمة العمل الديموقراطي الشعبي و يقرأ جريدتها في الخفاء، و لكنه يأبى الإنخراط في الحزب ‘ لأن حمل بطاقة عليها صورتــي واسمي تحت شعار الحزب، كان يقلقنــي و يشعرني أن ثمــة حدودا بيني و بين الآخرين ‘ ص81. لقد كان حريصا على كتابة الشعر بدل اقتفاء أثر الأب و اجترار خيباتــه السياسية، فرغم التماثل بين الساردين في الإهتمـــام بالسياسة إلا أن الإختلاف يظل طاغيا بشأن الإنتماء الحزبي. و تقدم الرواية تفاعلات أخرى على المستوى التفسيري ، فقول الأب أن صديقــه وقع له خلاف مــع أهل الدوار بسبـــب غلطة ، لا يبدو واضحا للقارئ ، فيفســر الإبن هذا الغلطة بأنـــه التحرش بامرأة، ليعدد بعض غلطاتــه المتعلقة به كذات فردية أو جماعية من قبيل سفره إلى باريس، دخوله المدرسة، فراءته أشعار درويش و لوركا ، فهمه للسياسة و حلمه بالديموقراطية، و يرى أن تارخ وطنه كله غلط، غير أن أكبر غلطة هو عدم التحاقه بريبيكا والعيش معها في بانغور لأن ذلك كان سببا مهما لفقدانها. و نقف في المشهد 19 على تفسير لعنوان الروايــة، فالشلالات هي تلك التــي مر بها السارد في رحلته عبر الجبـــال إلى بانغور و التي دعته ريبيكا للوقوف على منظرها من قمة الجبل، فكان يتردد في صعودها لأنه يخشى العلو منذ الطفولـة. لم يستطع مواصلة الرحلة إلى الأعالـي كي يرى الشلالات ‘ فنزلنـا ، هذا أحسن، ربما لأن نصف الطريق مع ريبيكـــــا كاف، لا شيء يؤكد أننا التقينا كي لا نفترق أبدا ‘ ص63 . إن الرؤية لم تتحقق لأن الخــوف كان يملأ دواخــل السارد، كما أن الرحلة مع ريبيكا لم تكتمل وظل السارد في منتصف الطريق مسكـونا بآلامه. يبدو إذن أن العنوان في هذه الرواية يحتاج إلى النص كي يفسره، كما يحتاج النص إلى عنوانه كي يخلق الحافز على القراءة. وتحبل الروايـة بنصوص عديدة مارست تفاعلها مع نصوص الأب بأشكــال تعارضية نقديــة، ففي المشهد الثانــي تغرق ذاكرة السارد في بحر بلاده و هو يرقب بحر بلاد الغال، إذ تحول سفر العائلات في الأربعينات نحو الداخل إلى سفر نحو الخارج للشباب عبر المتوسط الذي يهرب أسماكه و يأكل لحوم أبنائه. لقد تغيرت التواريخ لكن حال البلد لم يتغير ‘ جاء صوت بحر آخر أكثر قوة ، بحر له طعم القيء و السكر و الموت و الدعارة ، يخ ‘ ص17 . إن الإمتعاض الذي يستشعره السارد يكشف سخطـا يعبر عنه صراحــة أو ضمنــا في العديد من مشاهد الرواية. فالزهراء التي كانت تبيــع جسدها لرجــال متزوجين يرتادون المساجد يوم الجمعة بعباءاتهم البيض تحولت في باريس إلى نادلة في البار تكسب عيشها من عرق جبينها وصارت صوتا آخر للسارد يعبر من خلاله عن الغضب والسخط والخيبة لدى جيل ما عبد الاستقلال. تقول الزهراء معلقة على النفاق الاجتماعي : ‘ كنت أعرف أن ثمــة خللا فظيعا في المجتمع، و كان ذلك يشكل لدي نوعا من الإستئناس، و يقلص شعوري بالذنب، كنت أقول في نفســي، كل فرد في هذا المجتمع عاهر على طريقته الخاصة، و ما زال يبدو لي أن الكل يخون الكل ‘ ص125. إن الإحســاس بخيبة الأمــل و بفشل المشروع الذي ناضل من أجلـه أبناء هذا الوطن يتحول إلى إدانة صريحة في الصفحة 78: ‘تركنـا له البلد بكل ما فيه، و ها هو يتعقب أثرنا في باريس، لعنتُ فرنسا والوطن معا’ تعليقا على ظهور الحاكم على شاشة التلفاز. إن سرد الأب لتجربته السياسية و لقمع النظام لأحلام جيل الستينات، تقابله بنية سردية للإبن تعلن عن إدانتها واستنكارها لاستمرار الممارسة الإستعمارية في أشكالها الجديدة، والأمــر يكاد يكون عامـــا على المستوى المغاربي وخاصة الجزائر ف ‘ نادية ‘ أو ‘ خيـــرة ‘ الجزائرية التي ولدت بباريس عاد بها أبوها إلى الجزائر ظنــا منه أن وطنه سينصفه، لكن ‘خدعه الإستقلال’، و حين بدأ الإقتتال أثناء العشرية السوداء غارت الجزائر واستقرت بباريس. وإذا كان فساد الإوضاع بالبلد باعثـا على اليأس فإن حال النخبة المثقفة باعثة على الرثــاء. وتكون نهاية الرحلة خروج الأب من السجن بعد العفو الذي شمله إبان الإنفراج السياسي عام 65، والإبن من تجربته مع ريبيكا. كلاهمــا خرج من القفص، الأول من قفص حديدي و الآخر من قفص الزوجيــة، وإذ يستقبل الأب بالزغاريــد ويبيت عند أحد المناضلين، يتوجه الإبن إلى بيت الزهراء ليجد عندها السلوى : ‘ ابْكِ ما استطعت، أعرف أن الفراق في الحب شبيه بالموت، لكن غدا ستشفى ‘ ص 125 . وفي عودة الأب إلى قريته نجد إسهابا في ذكر تفاصيل صغيرة تعكس فرحا بالحرية لكنه مشــوب بخوف وقلق من المجهول، الإبن أيضا شعر بالإنعتاق ‘ أُُحس براحــــة تغمر القلب و بنفسي طليقا و خفيفا مثل طائر خرج للتو من قفص لا فضي و لا ذهبي ‘ ص135 . وإذ يــــرتمي الأب في أحضان أمه ، يفقـــد الإبن أمه الثانية ‘ماري’ (حماته) التي بدا تعلقه الوجداني بها منذ بداية الحكــي. لقد كـــان موت ماري مؤثرا جدا على السارد : ‘ قلت للموت أمهلها بعض الوقت، دعها تكمل درسها لي في الحياة و تعلمني أكثر كيف أصير ملاكا دونما حاجة إلى طقوس وشعائر و كنائس و مساجد … أعجب كيف تمتد يد الموت إلى البراءة نفسها ‘ ص 137. وتتوحد سفرة الساردين أخيرا في الإحساس بأن الوطن هو الذي لفظهما خارج رحمــه الصقيـعي، و ما عــاد صدره يسع أناتهما؛ فيظل الأب قابعا في هامش ضيق، يجر خيبته، يستعرض في صمت ما كان و يتلظى بلهيب أوجاع لم يفصح عنها في مذكراته، فيما الإبن يواصل التجديف لوحده نحو المجهو.* كاتبة من المغرب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية