التفاعل بين الكتابة والتنظير في الحقل الشعري الحداثي
الصورة الشعرية وأسئلة الذات لعبد القادر الغزالي:الطاهر الطويلالتفاعل بين الكتابة والتنظير في الحقل الشعري الحداثييروم الناقد المغربي عبد القادر الغزالي من وراء كتابه “الصورة الشعرية وأسئلة الذات” فتح أفق حداثي شعري مغربي، رفقة وجه من الوجوه المغربية المحلقة في سماء الشعر والتي تنحت بصبر وحكمة تضاريس الجغرافية الشعرية المغربية والعربية: حسن نجمي. ويركز المؤلف علي ديوان هذا الشاعر الموسوم بـ”حياة صغيرة” وكذا كتابه “الشاعر والتجربة”، باعتبار الأول يوسع دائرة الوجوه الشعرية العربية والعالمية، فيما يؤشر الكتاب الثاني علي تداخل التنظير والكتابة وانباء القصيدة علي المعرفة بالدرجة الأولي. ويبرز المؤلف أن الفرضية الجوهرية التي ينطلق منها حسن نجمي هي الربط الجدلي بين الكتابة والصداقة باعتبارهما مكونين مترابطين.منذ الوهلة الأولي، عبد القادر الغزالي عن مسعاه المركزي من هذه المقاربة الشعرية، بالقول إنه يتمثل في حسن الإنصات إلي القصيدة، واكتشاف عوالمها وأكوانها من زاوية محددة هي زاوية الصورة وما تطرحه من أسئلة وجودية وشعرية، انسجاما مع المطلب الشعري الأساس المتمثل في تأسيس صداقات شعرية، وإعادة رسم ملامح الوجوه والشخصيات الفاعلة والمسهمة باقتدار في تحديد مسارات الحداثات الشعرية الكبري.يخصص المؤلف العديد من صفحات كتابه لتحليل ما يسمي “العتبات النصية”، باعتبارها مكونا من المكونات البانية للخطاب، مستندا علي الجهاز المفاهيمي لجيرار جنيت الذي ذهب إلي أن النص الموازي مدخل له أهميته، إذ يدفع القارئ إلي حث الخطي والسير قدما نحو اكتشاف عوالم النص الشكلية المعنوية. وهكذا، يقف صاحب الكتاب عند المحطات التالية: الغلاف (الشكل، المحتوي، التشكيل) وأوضاع وظائف العناوين والإهداء والنوضيحات والاستشهادات الاستهلالية وعلامات الترقيم والأبيات الشعرية والمقاطع الشعرية… ليستخلص أن القصيدة الشعرية المغربية الحداثية ليست كيمياء لفظيا فحسب، بل اختيارا كتابيا حرا، ومسؤولية قائمة علي أساس معرفة جديدة عميقة ولقاء وحوارا وإنصاتا لا ينقطع.ثم ينتقل لمقاربة البنية الفضائية والكتابة الشعرية، فيلاحظ ميلا لدي حسن نجمي نحو الكتابة الشعرية الشذرية بكل كثافتها واحتمالاتها، مشيرا إلي أن لهذا الميل حوافز ذاتية ثقافية ومعرفية، ودوافع موضوعية مرتبطة بالأوضاع الشعرية الوطنية والقومية، فضلا عن التثاقف الشعري العميق بين الأنا والآخر، ممثلا في الشعر الفرنسي والعالمي، والأثر العميق لرواد الحداثة وفي مقدمتهم: شارل بودلير وأرثور رامبو ورونيه شار…بعد ذلك، يقوم بتحليل التفاعل الموجود بين الكتابتين الشعرية والنظرية، حيث يخلص إلي أن تجربة حسن نجمي ـ علي هذين المستويين ـ تنبني علي تضافر الوعي واللاوعي، الشعور واللاشعور، لتشكيل العوالم المضيئة من خلال اللقطات الشعرية الخاطفة المتلاحقة التي تتوسل فيها الذات الشاعرة بتقنية كتابية فريدة يطلق عليها “تقنية البورتريه الشعري”، ولتوضيح هذه المحاولة في رسم الصورة الشخصية للأنا والآخر، يصوغ المؤلف خطاطتين تفسيريتين لقائمة الشعراء الذين تم إيرادهم في كتاب “الشاعر والتجربة” وفي ديوان “حياة صغيرة”، فيسجل حضور أسماء شخصيات في الديوان غير حاضرة في الكتاب والعكس صحيح، ويستنتج أن العلاقة بين الاشتغال النظري والاشتغال الكتابي علاقة تفاعلية حرة. كما يخلص إلي أن القصائد الشعرية هي عبارة عن “فسيفساء نصية”، إضافة إلي أن عدم الإعلان عن بعض الأسماء لا يعني مطلقا غيابا تاما، بل إن هذا الفعل الكتابي، الإرادي وغير الإرادي، يطلق العنان للمخيلة، ويبني الفسيفساء النصية وفق علاقات تفاعلية أكثر غني وإيحائية، ويدلل علي ذلك بقصيدة “قوقعة” التي لا يصرح فيها باسم الشاعر الذي يحضر نصه الغائب كإيحاء ورمز حضورا إشعاعيا وفق مبدأ التناص الفعال: الحوار والامتصاص. ويسجل الملاحظة نفسها بخصوص الحضور الكثيف للشاعرة جويس منصور في الديوان الشعري، من غير ذكر الاسم صراحة، بينما عبّر الشاعر صراحة عن إعجابه بهذه الشاعرة الثائرة في كتابه “الشاعر والتجربة” فخصّها بمقال، معلنا اسمها ودهشته بتجربتها الفريدة في الأدبين العربي والعالمي.ومن جانب آخر، يتوقف المؤلف عند حضور أدونيس في الشعرية العربية، وكذا عند موقعه في تجربة حسن نجمي، حيث يضعه هذا الأخير علي رأس الشعراء الذين تتصادي أصواتهم في الكتابة. ويقول الناقد عبد القادر الغزالي “إن الاستحضار تكريم طقوسي شعري، ونشوة باللقاء مع اسم متألق متلألئ في سماء القصيدة الصدامية، وابتهاج غامر بصحبة شعرية في الكتابة. ولعل الهم المركزي في هذا الاستحضار هو إعادة بناء السلالات الشعرية، وحسن الإنصات للأصوات العميقة والأرواح المتمردة”.كما يكشف المؤلف عن افتتان حسن نجمي بالصورة (البورتريه) الذي رسمه الشاعر الثوري لوركا للشاعر بابلو نيرودا في إطار التعريف به وتقديمه للقراء. ومردّ ذلك ـ يوضح المؤلف ـ إلي العلاقة بين الشاعرين شعريا وحياتيا، فضلا عن الصدق والأصالة والحوار والتواصل الوجداني العميق. ونتيجة لذلك، انمحت الحواجز بين الذاتين، كما تكشف عنها معرفة الذات للذات ومعرفة الآخر لها. ويلاحظ المؤلف أيضا أن حسن نجمي لا يفتأ يشدد علي ضرورة كتابة النص جسديا، قبل نقله وترجمته حروفا وألفاظا وتراكيب ونصوصا علي الورق، لذلك يذكرنا نجمي ـ في كل موطن ـ بأهمية التجربة وأصالتها لدي كل شاعر من الشعراء الذين ينصت إليهم ويحتفي بهم في القصيدة. فهو، في جميع الأحوال، يكتب عنهم وينكتب بهم.وفي خاتمة الكتاب، يكشف المؤلف أن حرصه ـ في قراءة نصوص نجمي الشعرية والنظرية ـ علي المصاحبة ولذة الإنصات لشروط الكتابة الشعرية والمغامرة النظرية استند إلي فرضية التفاعل بين الكتابة والتنظير في الحقل الشعري الحداثي، ويقول أيضا: إننا برفقة هذا الوجه الشعري المغربي (حسن نجمي) انفتحنا علي ذوات ووجوه إبداعية تؤرخ لحداثة القصيدة الشعرية، كما عبرنا مقامات كتابية مشرقية، تتبادل الإشعاع من الذات إلي الجسد، ومن الذات إلي الذات، ومن الذات إلي العالم.كاتب صحافي من المغرب[email protected] 0