التفجيرات الوحشية: من هو المستفيد من الجريمة؟
بدي ولد ابنوالتفجيرات الوحشية: من هو المستفيد من الجريمة؟ـ1 ـلنبدأ حديثنا بالإدانة الحازمة لتفجيرات الدار البيضاء والجزائر. هل هناك مبدأ أو قناعة أو قضية يمكن أن تبرّر هذه التفجيرات وكل الهجمات المماثلة؟ ليس لهذا السؤال معني لأنه ليس إلا التساؤل بصيغة أخري إنْ كان هناك ما يمكن أن يبرر الاعتداء/الظلم في واحد من أبشع مظاهره أي القتل العشوائي للأبرياء؟ لا يمكن لمن ما زال يحتفظ بأقل قدر من الفطرة الإنسانية السليمة إلا أن يستنكر ويُدين هذه التصرفات الوحشية. السؤال الفعلي المؤرق هو: ما هي الآليات الجهنمية التي بوسعها أن تنتج مثل هذه التفجيرات، وتنتج مخططيها ومنفذيها؟ يطرح ذلك عدة تساؤلات عن الحركات، الحقيقية أو الوهمية، التي تتحدث عنها وسائل الإعلام كمتهمَة رئيسة بالتورط في التفجيرات وعن البنيات الخلفية والتواطؤات المباشرة وعن الدور الغامض الذي تلعبه الأجهزة الأمنية المعنية تجاه منفذي مثل هذه البشاعات ومدبريها. كما يَطرح سؤالا أكثر تعقيدا عن ظاهرة العنف شبه المجاني المتصاعد، وعن علاقة العنف بالمجتمعات المستهدفة به. ـ 2 ـيبدو العنف التفجيري المنتشر الآن في كثير من دول العالم أقرب في ظاهره إلي المجـــانية ولكنها مجانية تستثمرها جهات كثيرة إلي أقصي الحـــدود، بل إنهــا صـــارت الوسيلة الوحـــيدة لمنح عـــدد من الأنظــمة السياسية آجالا إضافية.ثلاثة مسـتويات متداخلة في هذا الباب حَرية بالاعتبار. أولا: ضحايا العنف التفجيري هم في الأعم ضحايا بالمعني المطلق للكلمة. إنه عنف بالتساوي لا يميز في عشوائيته وعماه. وإن ميّز فعلي حساب ذوي الظروف المتواضعة ممن لا يتمتعون بحماية خاصة ولا بتعليمات خاصة ولا بمساكن خاصة ولا بعناية طبّية خاصة. ألا يمكن أن يَشمل هذا النوع من العنف العشوائي مفهوم الجريمة ضد الإنسانية ؟ ذلك أن المسؤول عن التفجير، تخطيطا أو تنفيذا، بحكم مطْلَقية صفة من يُضحي بهم، لا يستهدف بالقتل أشخاصا معينين. فكل ضحية في مثل هذه الحالة ليس إلا وسيلة بالمصادفة، وكل إنسان آخر يمثل بشخصه ضحية بالقوة .ثانيا: السؤال المحير في السطح هو: ما هي الغاية من هذا العنف الذي يبدو وكأنه يتغيي نفسه أي كأنه ليس له أي غرض آخر سوي العنف لأجل العنف؟ إنه يبدو فعلا الغاية لا الوسيلة بصفته التعبير الأكثر جهنمية عن الإرادة المحبطة. فحتي من زاوية النجاعة الماكيافيلية التي تدوس علي كل أخلاق وكل ضمير لا يمكن لهذا العنف العشوائي أن يحقق أهدافا سياسية أيا تكن. لا يمكن أن يحقق إلا جمعا وضربا مقابريا. إنه يبدو بمختلف المعايير نقيضا لكل أسلوب ينحو إلي تحقيق غايات سياسية بما هو استهداف عشوائي للكافة. ثالثا: ولكن إذا طرحنا الموضوع علي طريقة الاستدلالات الجنائية أي إذا تساءلنا من هو المستفيد من الجريمة فإن الإجابة التلقائية هي أن الأنظمة البوليسية ومظلاتها الأجنبية هي المستفيدة. فالفرصة التي تمنحها لها مثلُ هذه التفجيرات في تجميد وتخدير كل حس نقدي وكل توقد عقلي لدي الأغلبية هي فرصة لا تُعوض. وإذا كان العنف يَفقد مبرره عندما يمر أمام محكمة العقل ـ بحسب عبارة كانت ـ فإن مكانة العقل مفقودة في محاكم العنف. الخوف بكل أنواعه عدو العقل، يحيده ويعمم الغباء. وحين ينتشر الرعب الإرهابي يَسهل إذن استغفال اليقظة المواطنية للمجتمعات لتدمير هوامش الحرية ولتوظيف الغرائز البدائية التي يؤججها الرعب. ومن ثم ينضاف الحس النقدي والعقل الجماعي واليقظة المواطنية وهوامش الحرية التي تتحقق في الغالب بأثمان غالية إلي القائمة الطويلة لضحايا العنف الأعمي. ـ 3 ـ تنامي العنف العشوائي، وهو أشد ثخونة بما لا يقاس من العنف الذئبي بالمفهوم الهوبسي ، لا يكشف فقط عن تنامي الإحباط في المجتمعات التي يفشو فيها وعن الدور الذي يلعبه القمع المادي والرمزي بمصدريهما، الدولة والمجتمع، ولكنه يكشف فوق ذلك، بمقتضي تناميه، عن أن أزمة حقيقية في آليات التعبير عن موازين القوي القائمة وفي آليات التعبير عن رفضها والرغبة في تغييرها أنتجت في كثير من المجتمعات العربية والإسلامية نوعا مما يمكن أن نسميه عقلية اللامعني ، أو عقلية التصرف العبثي التي يمكن أن يكون شعارها السيزيفي: لا تُرجي نتيجة، لا يؤمّل خير. لا تمكن إذا مواجهة مصادر العنف دون إعادة نظر شاملة في التمفصلات الاجتماعية والمؤسسية التي يمكن أن تكون جزءا أساسا من مادته الخام التي توظفها من بعدُ الآليات الجهنمية التي تساءلنا عنها. كيف يتعامل كل من يمارس مستوي ما من السلطة ولو في أبسط تمظهراتها مع بقية المواطنين، وخصوصا في الحالات التي يَكون فيها في صحبة ـ أو في مواجهة ـ الموضوع المباشر لسلطته؟ كيف يتعامل في تلك الحالات مثلا الموظف الإداري والشرطي والضابط والجندي والقاضي مع مواطنيه؟ كيف تعلن سلطتُه الرمزية والمادية عن نفسيهما في تصرفاته التي لا تشكل أقوالُه إلا جانبا منها؟ ويبدو السؤال طبعا أكثر إلحاحا حين يتعلق بالفاعلين التربويين أي بالأب والأم وبالمدرّس والمشرف… إلخ. من هنا أهمية الإلحاح في المَنطوق والمُمَارس علي أن العنف يمثل نقضا مطلقا لكل ما تعنيه الكرامة الآدمية أو الكرامة الإنسانية، كرامة الإنسان الناطق. فالعنف يلغي من الاعتبار ما به يكون الإنسان إنسانا إذْ يعني من بين ما يعني النظرَ إلي الإنسان كمجرد وسيلة، كمجرد أداة. وهو إذن دوسٌ علي كرامة مخطِّطِيه ومنفذِيه قبل أن يكون دوسا علي كرامة ضحاياه. ہ كاتب موريتاني[email protected]