كانت الوصية التي أكَّد عليها الفيلسوف والروائي الفرنسي، التشيكي المولد ميلان كونديرا Milan Kundera (1929-2023) وحاول نشرها بين البشر حتى لا يعلقون في براثن اليأس التي صارت تتربَّص بالبشر في خضم عالم حديث متسارع الخطى ـ هي حتمية ألا يأخذ الإنسان العالم على محمل الجد، وفي هذا يقول: «أدركنا منذ زمن بعيد أنه لم يعد بالإمكان قلب هذا العالم، ولا تغييره للأفضل، ولا إيقاف جريانه البائس للأمام، لم يكن هناك سوى مقاومة وحيدة ممكنة، ألا نأخذه على محمل الجد». ويعد هذا أشرس أنواع المقاومة السلبية لعالم يفرض تفكيك الهوية لما يموج به من تيَّارات وأهواء متضاربة ومتداخلة الثقافات، لدرجة أصبح فيها من الصعب تمييز كل منها عن الآخر.
وتجدر معرفة أن تشكيل الهوية في إطار فردي تتأثر بعوامل متباينة، كالتربية والمنظومة الأخلاقية السائدة في إطار الأسرة والمجتمع المحيط، والمستوى التعليمي والثقافي والاجتماعي، وغيرها من العوامل التي تشكِّل المنهاج الفكري لدى الإنسان. ويلاحظ أن المستوى الفكري هو الركيزة الأساسية التي تؤثر في التفكُّر في طبيعة الأشياء، وينبثق منه الميل الفلسفي، وكذلك يؤثر المستوى الفكري في انتقاء الحكي وأسلوبه بما يتناسب مع ميوله الفكرية، لكونه أحد الظواهر الجمالية التي لا تعد أداة لتغيير الواقع، كما يؤكِّد الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر Jean-Paul Sartre (1905-1980).
الحكي الروائي تكمن أهميته في أنه الوسيلة الوحيدة التي بمقدورها الارتقاء بالمستوى الفكري والفلسفي بأسلوب غير مباشر. وكما يؤكد الفيلسوف الفرنسي، التونسي الأصل، ألبير ميمي Albert Memmi، لا يكمن جوهر الخطاب الروائي في مضمونه الفكري أو الديني أو الأخلاقي، بل في كونه خطابا نوعيا جماليا يلعب على أوتار الوجدان ومنه ينفذ إلى اللاوعي ويبدأ في تشكيله. ومن ذاك المنطلق، عند النظر إلى الهوية الجمعية لمجتمعٍ أو دولةٍ ما، فإن العوامل التي تؤثر في تشكيل الهوية الفردية يضاف إليها الموروث الثقافي والتاريخي والذاكرة الجمعية للأفراد، ومنها تتشكَّل هوية متميزة لمجتمع ما قد تتباين فيها انتماءات الأفراد، لكنها في نهاية الأمر تتلاقى في لُحمةٍ واحدة تذوب فيها الفروق الفردية. وينطلق من الهوية الجمعية الخطاب الروائي الذي يعبر عن تفاصيل الهويةٍ الجمعية؛ وفي الوقت نفسه، يشكِّل وجدان المجتمع ومنظومة فكره لأجيال قادمة. ومن المنظومة الفكرية يجد الخطاب الفلسفي مرتكزا وآلية لتشكيل الإطار الهوياتي للمجتمع. ومن ذلك يجب الأخذ في الاعتبار أن الخطاب الروائي والخطاب الفلسفي وكذلك الهوية تشكِّل منظومة متماسكة، حدوث تغيير في إحداها يؤثِّر في الإطار والجوهر الذي يرتكز عليه الاثنان الآخران.
ويجب لفت الانتباه إلى أن الخطاب الفلسفي والخطاب الروائي يهدد فاعليتهما، التفكيك الهوياتي، الذي قد يحيلهما في بعض الأحيان لأداة وظيفتها ليس الارتقاء بالمجتمع، بل وسيلة فاعلة لتدميره، وهذا غالبا ما يُشاع عن التفكير الهوياتي، لكن قد يكون أيضا العكس صحيحا. والسبب في أن التفكيك الهوياتي يشكِّل دوما مصدرا للتهديد، كونه عنصرا محفِّزا وشديد التأثُّر بما يحدث في العالم من حوله عند الانفتاح على ثقافات عالمية متباينة.
يمكن استنتاج أن التفكيك الهواياتي آثاره شديدة الخطورة؛ لأن بمقدوره النهوض بأمم أو مواراة وجودها في صفحات التاريخ الممزَّقة.
وغالبا ما يحدث التفكيك في فترات الازدهار، أو على النقيض في فترات الانحدار. وعملية التفكيك ليست حديثة، بل منظومة ناجمة من التلاقح الثقافي. فعلى سبيل المثال، الكاتب المسرحي وليم شكسبيرWilliam Shakespeare (1564-1616) ظهر في عصر النهضة في إنكلترا، ولا تزال أعماله عالقة في وجدان شعوب العالم بأسره، ومن خلالها انبثقت أسس ثقافية وأخلاقية، وبالنظر لخطابه الروائي، يمكن القول إنه أحدث تفكيكا هوياتيا أثرى ليس فقط مجتمعه، لكنه امتد للعالم بأسره. والطريف، أن العديد من حبكات شكسبير ليست وليدة وطنه الأم. فمثلا، رائعته هاملت مقتبسة من كتاب الأساطير الإسكندنافية الذي ألَّفه ساكسو جراماتيكوس Saxo Gramaticus باللغة اللاتينية عن تاريخ الدنمارك نحو عام 1200، والذي يحكي فيه تاريخ صعود وهبوط حكَّام الدنمارك العظماء. وظهرت فيه حكاية الحاكم «أملث» في الكتابين الثالث والرابع.
ولا يقف الأمر عند عصر شكسبير فقط، بل يشمل العديد من الكتَّاب والمظاهر الثقافية في جميع العصور، فالتفكيك الهواياتي يلزمه الاحتكاك الثقافي من خلال السفر ومعرفة لغة أهل البلاد. وهذا ما صنعه المستشرقون إبَّان الحملات الصليبية عندما بنوا نهضة الغرب على أنقاض النهضة العربية، أي أن التفكيك الهوياتي ليس بالضرورة منزلقا خطيرا من شأنه تدمير هوية الشعوب، بل فتح مداركها نحو التقدم ومنظومات وافدة حميدة.
أمَّا الخطاب الفلسفي في ظل التفكيك الهوياتي، فيعد أخطر العوامل في المنظومة الفكرية للمجتمع والعامل المباشر الذي يؤثر فيه سواء بالسلب أو الإيجاب. ولعل انتشار ظاهرة الهيبيز والانتحار الجماعي خلال سبعينيات القرن الماضي كانت أحد الظواهر السلبية التي أثَّرت في العالم بأكمله بالسلب، ولا يزال العالم يعاني من آثارها على الرغم من الجهود التي بُذِلَت عالميا لاجتثاثها. وقد استطاعت الغالبية العظمى من دول الشرق الأقصى الاستفادة من العولمة وما يستتبعها من تفكيك هوياتي، لكنها في الوقت نفسه استطاعت لحد بعيد الحفاظ على هويتها الوطنية، على الرغم مما بلغوه من تقدُّم مُذهل، وينطبق المنظور نفسه على الهند. وربما كانت الكثافة السكَّانية هي السبب؛ فتواصل الأجيال والزخم الفكري لا يُمَكِّن التيَّارات الوافدة من تغيير الهوية الوطنية للشعوب. أضف إلى ذلك التلاحم الثقافي والالتقاء الفكري بين مناطق عالمية غالبًا ما يجعل من التفكيك الهواياتي وسيلة للتقدُّم، وليس أداة للانحدار الثقافي والفكري. لكن المؤسف حقًّا هو وجود بعض الشعوب التي تتخلَّى طوعا عن إرثها الثقافي والفكري وهويتها، وتتوق إلى إحلالها بأخرى دخيلة. فالإحلال الجزئي للظواهر السلبية أمر محمود؛ لكن، إتمام هذا الإحلال بخطى متسارعة من شأنه إحداث فجوة هويَّاتية، وليس فقط إحداث تغيير سلبي. ومنشأ الفجوة وجود تيارين متعارضين؛ أحدهما راغب في تغيير شامل، والآخر يتمسَّك بالموروثات القديمة. ومن ثمَّ، يحدث صدع في المنظومة الفكرية، ويزيد من تشققه الخطاب الروائي الذي يظهر في ذاك الوقت متخبِّطًا، لا هوية له.
ومن ذلك، يمكن استنتاج أن التفكيك الهواياتي آثاره شديدة الخطورة؛ لأن بمقدوره النهوض بأمم أو مواراة وجودها في صفحات التاريخ الممزَّقة. ورجوعا لمقولة كونديرا، فإن ما يجب عدم أخذه على محمل الجد هو أي تيَّار حديث النشوء؛ وهذا لا يعني نبذ وتيرة التغيير والتقدُّم، بل التأني في انتقاء ما يصلح للارتقاء بالفرد والمجتمع، حتى يسهل نبذ ومقاومة أي تيَّار من شأنه إحداث صدع بالهوية الوطنية.
كاتبة مصرية