التقديرات الاسرائيلية الاستخبارية كانت بعيدة عن رصد نتائج الانتخابات الفلسطينية
السلطة والمجتمع الفلسطيني لم يتحولا حتي الآن ليكونا حماستان التقديرات الاسرائيلية الاستخبارية كانت بعيدة عن رصد نتائج الانتخابات الفلسطينية الآن، وبعد أن هدأت الزوبعة بعض الشيء، فانه يمكننا أن نتفحص بهدوء ومن غير استعجال كل الآراء التي تخص تحليل نتائج الانتخابات الفلسطينية الأخيرة وما نجم عنها. لقد فازت حماس بنحو 65 في المئة من مجموع مقاعد المجلس التشريعي الفلسطيني (74 من بين 132 مقعدا)، وفحص سريع للوائح الانتخابات يوصلنا الي عدد من الاستنتاجات: أولا، في الانتخابات للمجالس المحلية والاقليمية في 66 مجلسا تحقق نوع من التوازن بين حماس وفتح، وكان 55 في المئة من اجمالي المقاعد في هذه المجالس من نصيب فتح وباقي القوي الفلسطينية الصغيرة الاخري، وهذا يعني فوزا لفتح علي حماس. ثانيا، لقد حققت حماس في الانتخابات للمجالس المحلية في عدد من المدن الفلسطينية فوزا كبيرا لصالحها، حيث حصلت علي 66 مقعدا، وكانت النسبة تعادل 3/1 لصالح حماس ضد فتح، والسبب الوحيد لذلك كان حالة الشرذمة والانشقاق في فتح التي قابلتها وحدة وتكتل قويان في حماس. وللتدليل علي ذلك، في منطقة القدس وحدها تمكن ثلاثة من مرشحي حماس من الفوز في الانتخابات التشريعية، وفحص الاصوات يشير الي أن كل واحد منهم حصل علي نحو 15 ألف صوت، بينما الرابع كان مرشحا لفتح حصل علي 13 ألف صوت، ولم يتمكن من الفوز، ذلك لأن آلاف الاصوات من مؤيدي فتح تفرقت الي كتل صغيرة ذهبت لصالح عدد من مرشحي فتح في القدس مما أدي الي إضعاف جميع المرشحين للحركة. الاستنتاج الثالث هو أن الاماكن والمناطق المعروفة كحصون تغلب فيها السيطرة الاسلامية (ولا نقصد الحزبية)، مثل مدينة الخليل وقطاع غزة وشمالي الضفة، هذه المناطق أعطت اصواتها لحماس من منطلق ديني فقط.ماذا يعني هذا الكلام؟ يعني أن السلطة الفلسطينية والمجتمع الفلسطيني لم يتحول حتي الآن ليكون حماستان ، وأنه لا يزال يوجد مُركب اجتماعي علماني قوي في داخل مناطق السلطة الفلسطينية. بكلمات اخري لتفسير هذه الحالة نقول: توجد في هذه المناطق احتمالية كبيرة لرد فعل قوي قد يُوجه ضد حماس، وليس من الممكن الآن توقع كيفية حصول تطور من هذا القبيل، ولا متي يمكن أن يحدث مثل هذا التطور أو التحوّل. ولكن من الواضح أنه ما لم تُسرع حركة فتح بعملية حساب للنفس حقيقية، وهو الأمر الذي تحتاجه فتح بشدة، واذا ما أُعطيت لحماس حرية العمل والتحرك (علي المستويين الداخلي والدولي) فان هذه المناطق ستتحول في نهاية الأمر الي سلطة حماستان . الاستخبارات الاسرائيلية، وفي مقدمتها الاستخبارات العسكرية أمان ، ليست بحاجة الي عملية حساب للنفس، ولا اعادة تقييم، حسب رأيي، لما حدث. فقد سارع الكثيرون ليكيلوا لها الاتهامات، بل إن البعض اتهم المخابرات الاسرائيلية بالتقصير وكأنها عودة الي الاتهامات التي ثارت بعد اندلاع حرب تشرين، ذلك لانها لم تستطلع جيدا ولم تُقدر امكانية فوز حماس في هذه الانتخابات. أستطيع القول بجدية وتأكيد أن ما يُقال ليس إلا محاولة غير عادلة لاتهام المخابرات الاسرائيلية دون مبرر، بل إن بعض ما يُقال لا يعدو كونه تلفيقا مُغرِضا. وعليه، فها هي بعض الاستنتاجات والعبر الأساسية التي يجب استخلاصها من كل هذه الأحداث وهذه التحليلات:* لقد تعرض أحد كبار ضباط جهاز الاستخبارات العسكرية في هيئة الاركان الي التشهير والنقد اللاذعين، الذي سبق له وأن حدد بأن حركة فتح سوف تفوز بنسبة 7 في المئة فقط، وهذا تزييف مقصود. فما هي الحقيقة؟ نفس الضابط قال في سياق حديثه: لقد سبق لجهاز الاستخبارات أن انهار من صدمة نتائج الانتخابات التي جرت في ايران قبل اربع سنوات، والتي لم يتوقعها أحد، فهيا ننتظر 24 ساعة فقط ونعرف النتائج الحقيقية، فلماذا تريدون مني تحديد نسبة ممكنة، وعندما تأتي النتائج عكسها أظهر مثل شخص تنبل . الاستطلاعات الأخيرة تؤكد بأن حركة فتح ستفوز بفارق 7 في المئة، وأنا لا أعرف ما اذا كانت هذه الاستطلاعات صحيحة أم لا.* تحدث البعض بالادعاء أن أمان قد أعد العُدة المسبقة وقام بتجهيز الحلول الواجب اتخاذها في جميع حالات فوز أو خسارة حماس، ونسب هذا الفوز أو الخسارة في الانتخابات. وهذه الحلول للاحتمالات ما بين 10 ـ 40 في المئة قد تتمخض عنها هذه الانتخابات. وهذه الأحاديث مُفبركة ايضا ولا تمت للحقيقة بأي صلة. علي مدي شهر من موعد الانتخابات عرض جهاز الاستخبارات الاسرائيلي كثيرا من التحليلات التي شُرحت وقُدمت للمستوي السياسي ـ الأمني في الدولة. وكانت جميعها تشير وتتضمن الصورة الأساسية التالية: الاتجاه السائد والواضح هو أن حركة حماس تسير في طريقها لتصبح الجهاز والجسم الأقوي والأكثر نفوذا داخل مناطق السلطة الفلسطينية، وأن هذه الحركة تقف الآن في نقطة تؤهلها للانتصار، وأن الانتخابات القادمة ستشكل نقطة تحول في السلطة، وأن فوز حركة فتح ليس مضمونا بنفس القوة، بل إن فوز حركة حماس يمكن تفسيره وفهم مبرراته المعقولة، واذا حدث ذلك فاننا سنواجه سلطة فلسطينية ارهابية واضحة ، وأن احتمالات أن يكون فوز حماس بنسبة كبيرة (ساحقة) يعتبر احتمالا واردا وجديا.* لذلك، فان جهاز الاستخبارات العسكرية لم يضع وزنا كبيرا وبصورة معقولة لامكانية فوز حماس بهذا المستوي، فهو لم يكن يستطيع القيام بعمل من هذا النوع أو اعطاء تفسير لمثل هذا الاحتمال، وليس مطلوبا منه القيام بذلك العمل وبنوعيته. فكل ما يُراد منه القيام به هو متابعة وتصنيف التحولات التي تبرز ويصنف شكلها ويضع تقييما لها في حالات الخطر وكيفية المعالجة، لكن ليس في مقدوره معرفة متي ستنضج هذه الطبخة، وكيف ستنفجر هذه الاوضاع ومتي؟ فليس من المعقول أن يُطلب من المخابرات تحديد الوقت الذي سيقع فيه انقلاب في سوريا، علي سبيل المثال، أو كيف سيحدث هذا الانقلاب؟* المخابرات في كل العالم، وفي اسرائيل كذلك، فقدت الكثير من وزن وقيمة المعلومات التي تجمعها. ففي اسرائيل مثلا يوجد كم هائل من الصحفيين والمراسلين العسكريين المختصين بشؤون المناطق والفلسطينيين، وهم يواصلون عملهم وتواجدهم 24 ساعة في اليوم ملتصقين بكاميراتهم وآلات تسجيلهم بظهور وأكتاف المسؤولين الفلسطينيين، ويواصلون اجراء الحوارات واللقاءات معهم ونشرها واذاعتها في كل مكان ومن كل مكان، وقبل كل هؤلاء رجال الشاباك ، هناك الذين يواصلون الشم ليل نهار لكل خبر وكل حركة، فما هي تحركاتهم وما هي نبوءاتهم وتقديراتهم؟.اذا كان لا بد لجهاز الاستخبارات العسكرية ان يبدأ بعملية محاسبة النفس، فان هذا ينحصر في مجال تقديره للنسب فقط، فقد سبق لجهاز المخابرات العامة (الشاباك) أن تعلم هذا الدرس قبل وقت طويل، فهو يحتفظ بناطق واحد وله الكثير من مراسلي البلاط الذين يُزودونه بالعناوين ويشرحون كل التحولات، ويمدونه أولا بأول بكل ما يحتاجه لفهم ما يدور. يبدو أن هذا ما يحتاجه كل جهاز في عالمنا الحالي.عاموس جلبوعكاتب دائم في الصحيفة(معاريف) 6/2/2006