يراهن كتّاب القصة القصيرة على التكثيف لتقديم مشاهد سردية تعتصر لحظة الإبداع وهي تقبض على تجلي الذات في سكونها وفي حركتها، وفي تفاعلها مع الواقع، وفي تفاعلها مع قارئ ضمني يمتلك آليات تلقي هذا النوع الإبداعي، ويقوم على الرهان أيضا على الاختيار من اللغة، بما يناسب قول النقاد «البلاغة هي الإيجاز»، وأن تعبّر بقليل من اللفظ عن الكثير من المعنى، وأن يعوّل هؤلاء الكتّاب على قدرة الكلمات على الإيحاء لما توظّف في سياقات مختلفة، وضمن علاقات إسنادية جديدة ومتجددة تتجاوز المألوف والمعتاد داخل التركيب، وترسم أفقا فنيّا وجماليا للمتعة والجمال.
«الذاكرة ورمادها» مجموعة قصصية للقاص عبد القادر بن سالم من الجزائر، صادرة عن منشورات ضفاف ومنشورات الاختلاف سنة 2018. جاء عنوان المجموعة محملا بالدلالات القائمة على هذه الثنائية الذاكرة والرماد، جملة أسمية الرابط بين طرفيها واو العطف، والضمير الذي يعود على الذاكرة. إن العنوان «الذاكرة ورمادها» يؤسس لصورة فنية تنطلق من الحاضر، فتتوجه إلى الماضي عبر استحضار الذاكرة وما تحمله من سياقات للفرح وللحزن وللأمل ولليأس. ذاكرة الماضي وما فيها من عذابات وآلام، وما فيها من إشراق وخبو، وما فيها من ظلام وما فيها من نور. الذاكرة ها هنا ليست ذاكرة حنين فقط، بل هي ذاكرة متجددة مع كل عودة أو استحضار، وتذكر واسترجاع. هي ذاكرة فردية لما يكون الراوي نموذجا لشريحة من المجتمع، وهي ذاكرة جماعية، لما يكون المشترك بين الناس هما واحدا، ولما تكون الخيبات أكبر من كل توقع. الذاكرة ليست لوحدها، بل تشترك مع الرماد في الحضور والغياب وتبادل المواقع في الأهمية والاهتمام والعناية، والواو هنا، جاءت لتصعّد من درجة الإحساس بهذا المخبوء تحت ستار اللغة، ورمادها، هو لما تتلاشى الذاكرة وتضمحل، ولا يبقى إلا رمادها الدال على الاحتراق والفناء تذروه الرياح وتنسفه الأيام. إن الرماد هنا دليل عين على الأسى والأسف والتحسر عن زمن مضى لطاقة أهدرت، ولم تسترجع، أو لم تستغل في شيء لم تقدر قيمته في جميع الميادين. إن الذاكرة لما تصير رمادا، أو يصير لها رماد، فإنها في الواقع تتوجه إلى القارئ لتعقد حوارية جدلية حول قيمة الأشياء والأفعال والأمكنة والناس، وتصبح الأحلام مجرد أحلام تتحول في حالات إلى كوابيس مرعبة عن الذات البشرية، لما يغويها الطمع والفساد والاحتقار، ولما يتم الإصرار على اغتيال الآمال في مهدها وحتى قبل أن تزهر بالحب والوفاء والعرفان، ولما يصبح التنكر لهذه الذاكرة فعلا إراديا يقمع في الفرد، حبّ التطلع ولذّة الحلم ومتعة الحياة.
أغلب القصص الواردة في هذه المجموعة قصص قصيرة جدا لحاجة فنية وتعبيرية قالها المؤلف: «أعتقد من وجهة نظري أن النص القصصي الحكائي أضحى يفرض الاشتغال على نصوص برقية، غاية في اقتصاد الجمل والتفاصيل. نصوص تطورت مع رؤى النقد الجديد مستفيدة من طروحات مدارس حداثية ومتماشية مع استشرافات القراءة في زمن السرعة، وتكثيف الصورة. وقصص الذاكرة ورمادها تتماهى وهذا الطرح. اعتمدت فيها على الرمز في أكثر من قصة، تاركا للقارئ مسافة التأويل، لاسيما وأنني وظفت في ثناياها رموزا ثقافية وتراثية، تكون مفاتيح سر لكل قارئ مفتون بعوالم الانزياح»، ومن ثم فإن التكثيف هنا جاء لحاجة تعبيرية وغاية فنية ومطلبا نقديا في مجتمع استهلاكي يعتمد على السرعة واستغلال الوقت وتوظيف الحيز، واستثمار الزمن بحسب ما هو متاح فنيا وجماليا، وبحسب الذوق الفني والجمالي، القائم على التلقي المكثف المبني على الاقتصاد اللغوي، والاقتصاد في الجهد أثناء التواصل الاجتماعي والفني والجمالي.
تحفل المجموعة بذاكرة المكان، وهي ترصد الكثير من الوقائع والأحداث المرتبطة بالمكان، وهي بذلك تقدم صوراً فنية عن المكان وعلاقته بالذات المبدعة، والتي بحاجة إلى عمليات ترميم متعددة وآليات تحيين متنوعة، حتى تلم شتات الذات المتشظية والمنكسرة.
إن قضية الرمز والترميز في هذه المجموعة يطرح إشكالا أثناء عملية التلقي، التي ستكون متفاوتة في درجات بين قارئ وقارئ، بحسب معرفة القارئ بهذا الرمز أو بذاك، أو بحسب قدرته على فكّ الترميز في هذه المجموعة التي يقوم على جانب معرفي وخبراتي وإدراكي، سواء أكان الرمز محليا أو عربيا أو عالميا، أو كان تراثيا أو معاصرا، بحسب السياق الذي يرد فيه ثقافيا أو اجتماعيا أو فكريا».. أما زميلي فله رأي آخر يعرف كيف يستحضر المواقف والكلمات… وهو قادر على قراءة الأكف بشكل لافت يبحر في المجهول ولا يشيخ، ربما قرأ فوق صخر بابل البعيدة بأنها الأميرة الأسيرة… بدا لها أنه يمكن أن يذهب بعيدا في تراتيل الترميز وعفوية المصادفة، كانت الأخرى الهادئة تراقب الحوار، بدون أن تنبس ببنت شفة سألناها عن العندليب وعن فينيس، وعن إشراق يمكن أن تولد منه عشتروت مرتين. لم تخف إعجابها، وتمنت أن يتوقف، كانتا تتسابقان إلى فك ألغازه المحيرة، بدت الأولى أكثر استجابة للحوار، قرأت في عينيها هذا المرة وأنا الذي بقيت طيلة الجلسة أقل المتكلمين ما يشبه المناجاة». هكذا يتم تكثيف كل شيء في قصة «عيون ونورس وقضية»، تكثيف الحدث للقبض على لحظة الإبداع والتجلي لترتسم لدى القارئ صورة هذا المشهد، بكل هذا التوظيف من الرموز الموحية والدالة على مرجعية فكرية، تستمد من التراث أصلا لها، وترنو نحو مستقبل يحتاج إلى كثير من الاستشراف، لأحداث قد تبدو عفوية لا مقصدية فيها، ولكن ضمن سلسلة من الأحداث المترابطة التي قد تقدم تبريرا لكثير من المصادفات حول المصير الإنساني بين الخير والشر، وبين الظلم والعدالة وبين الأمل واليأس.
تحفل المجموعة بذاكرة المكان، وهي ترصد الكثير من الوقائع والأحداث المرتبطة بالمكان، وهي بذلك تقدم صوراً فنية عن المكان وعلاقته بالذات المبدعة، والتي بحاجة إلى عمليات ترميم متعددة وآليات تحيين متنوعة، حتى تلم شتات الذات المتشظية والمنكسرة. إن قصة «لوهران حكاياتها الأخيرة» وجه آخر للتكثيف وتوظيف الرمز، بكثير من الحسرة والحنين لما تتشابك الأحداث والوقائع في مكان واحد. «وإن سألوك عن سليمان قل: لطالما رفرف طائرا يمتهن الحرية في فضاء أزمنة وعطب المسافات… عيناه ترسوان تارة على بوح الموج، وأخرى على منابر المعراج.. يسافر في صمت السماوات، محلقا بخفة روح، تتجاوز النكد، وهوس الأوجاع… كان دائما يقول لصديقه مسعود، إن لوهران حكايتها الأخيرة، وحده يعرف الميثاق الذي يربطه وإياها، أزقتها الملوثة بعطر النساء، وعرق أصحاب عربات السردين، والطماطم الفاسدة، وأسرار حي البلاطو، وقارئات الكف بمحاذاة الرحبة، وبقايا همهمات من شيخ طاعن، يحرك شفتيه المتآكلتين مرددا أنغاما للشيخ حمادة… عانقته شابا ولفظها كهلا وعاد إلى أمه… عاد مصطفى سعيد إلى الجنوب مفتونا بقوس قزح، ومناجاة الهاربين من صخب المدن وعبث الأقدار».
ذاكرة المكان قيمة جمالية في هذه المجموعة القصصية تعددت طرائق التعبير عنها.
٭ كاتب جزائري