التكنولوجيا المحافظة أو كيف يضيّق «المؤثرون» هوامش الحرية

يسود اعتقاد على المستوى العالمي بأننا نعيش عصراً «تقدمياً» فرغم كل المشاكل، وعلى رأسها صعود الشعبوية والتطرف اليميني والديني، نشهد تطوراً كبيراً في حقوق النساء والمثليين والأقليات، وكل الفئات التي تم استبعادها وتهميشها، ولم تعد الأخلاقيات المعاصرة متسامحة مطلقاً مع التمييز والتنمّر والذكورية، في ما يساهم التقدم التقني، خاصة في مجال تكنولوجيا المعلومات والتواصل، في تحقيق هذه «الثورة». معارضو التقدم ينتمون على الأغلب إلى عصر مضى، ومعظمهم من الفئات المحافظة، التي تحاول، بردة فعل هيستيرية، الحفاظ على أساسيات عالمها الآفل.
يصعب إنكار أن كثيراً من الممارسات التمييزية القديمة باتت غير مقبولة في الثقافة السائدة، رغم هذا فإن هذا المنظور فاته على ما يبدو ملاحظة أهم التغيرات الاجتماعية في الأربعين عاماً الأخيرة على الأقل، فالعائلة الأبوية التقليدية، سواء البورجوازية أو العمالية، وهي الركيزة الأساسية للقيم المحافظة المعروفة، تراجعت بقوة، لأسباب لا ترتبط كثيراً بسعي الناشطين «التقدميين» بقدر علاقتها بالتغيرات الاقتصادية الكبرى، التي شهدها العالم في مجال الإنتاج وتوزيع الثروة، فقد أدى انخفاض الدخل الفعلي لأغلبية العاملين، إلى تقليل قدرتهم على الإعالة، وبالتالي لم يعد بإمكانهم الهيمنة على عوائل مستقرة؛ في حين أدت التنمية في بعض مناطق العالم الثالث، إلى بروز فئات وسطى جديدة معولمة، قادرة على استيعاب وتكرار الأيديولوجيا «التقدمية» السائدة عالمياً، دون أن يعني هذا بالضرورة أنها باتت ليبرالية حقاً.
بهذا المعنى فإن القيم التقليدية تراجعت منذ زمن طويل، ولم تعد ما يشكّل معايير المحافظة المعاصرة، فالجهة التي تدافع عن مؤسسات قائمة ومترسّخة هي فقط ما يمكن وصفه بالمحافظة، وبالتأكيد لا يملك الشعبويون واليمينيون اليوم مؤسسات مترسخة، بل هم معادون للمؤسسة والنخبة، مَن المحافظون في عصرنا إذن؟
ربما لا تكون الإجابة لغزاً لهذه الدرجة، ففي عصر تتفق فيه المؤسسات الغربية، الأكثر تأثيراً عالمياً، من المؤسسات العنفية للدول، مثل أجهزة الاستخبارات والشرطة؛ مروراً بالشركات الكبرى؛ وصولاً إلى «المنظمات غير الحكومية» الممولة من الحكومات والشركات، على التركيز على التنوّع والاستدامة ومكافحة التمييز، ويغدو فيه تبنّي الأيديولوجيا التقدمية تأشيرة دخول للعالم البورجوازي، تصبح نسخة «التقدمية» التي نعيشها أكثر أشكال المحافظة رسوخاً، وتعمل بأشكال تبدو أشد رجعية من أساليب المجتمعات الأهلية التقليدية، مثل التشهير الجماعي وعدالة الجموع والإلغاء الثقافي، لكن هذا لا يجيب عن سؤالين أساسيين: كيف يستبطن البشر هذه الأيديولوجيا في ذواتهم، لتصبح وازعاً في سلوكهم الاجتماعي؟ وكيف تغدو أكثر الأفكار والتقنيات تحرريةً وتطوراً، شديدة التزمت، ومؤيدة للأوضاع القائمة، المليئة بالتفاوت والاستغلال؟

الحشد المحافظ

أثار تطور تقنيات التواصل والمعلومات كثيراً من التفاؤل، خاصة بعد الربيع العربي، والموجة الاحتجاجية التي أطلقها عالمياً، فلأول مرة بات بإمكان الجميع التواصل والتعبير عن الذات، بعيداً عن هيمنة المؤسسات التقليدية، إلا أن التفاؤل سرعان ما تبدد، ليس فقط بسبب فشل الحركات الاحتجاجية، وعدم قدرتها على تأسيس قوى اجتماعية تقود طموح التغيير، بل أيضاً بسبب انتشار كثير من الأعراض السلبية لتعميم القدرة على التعبير: خطاب الكراهية، نظريات المؤامرة، الأخبار الكاذبة، الفوضى والانقسام الاجتماعي، التعبيرات التي تُعتبر صادمة وغير أخلاقية، إلخ.
الحل كان التركيز على «قيم المجتمع» وهو أمر متاح نسبياً في الدول العربية، وخير مثال عنه الحديث عن «قيم العائلة» في مصر؛ عملت دول أخرى، ذات نظام استبدادي أكثر متانة، مثل الصين، على تأسيس شبكات تواصلية، منفصلة عن الشبكات الغربية، وخاضعة لرقابة السلطة ومعاييرها تماماً، في الحالتين تبدو المؤسسة المحافظة واضحة تماماً: الدولة، التي تتذرّع بتصوّر مثالي عن قيم عوائل مُتخيّلة، أو مفهوم استبدادي عن مبادئ أيديولوجية، ممثلة لمصلحة المجتمع بأكمله. في الدول الغربية، التي لا تمتلك مؤسساتها الحق الدستوري بإسكات الأصوات المخالفة، يغدو الوضع أكثر تعقيداً، والرقابة من مهام حشد الأفراد المشاركين في العملية التواصلية، وليس المؤسسات الاجتماعية نفسها.

القطيعة مع هذا الشرط صعبة، والهوامش تضيق باطراد، لكن اللقاء الفعلي بين البشر، واستعادتهم للمشترك والمشاع، قد ينتج مجالاً للخروج من شرط محافظ، لا يوفر، على خلاف معظم النظم المحافظة المعروفة تاريخياً، أي حماية أو استقرار لأفراده.

يعاني الأفراد على الشبكات التواصلية من تناقض، يُشعرهم دوماً بعدم الأمان، فالبرامج والتطبيقات، التي تدعوهم بإلحاح إلى مشاركة أكثر تفاصيلهم خصوصيةً وحميميةً، تتكاثر بشدة؛ لكنهم عندما يعرضون خصوصيتهم على العموم يلاقون غالباً كثيراً من «التنمّر» والإساءة، فالمجال العمومي الافتراضي لا يصلح بالتأكيد ليكون ميداناً لرعاية الحميمية، ما يُغرق الأفراد دوماً في الاستياء والتذمّر، وتتزايد الحملات الجماعية، المتظلّمة من أي شيء وكل شيء.
الميل إلى التظلّم لا ينبع فقط من الخوف على الخصوصية المعروضة أمام جمهور افتراضي غير متعيّن، بل أيضاً من التهديد بخسارة السلعة الأساسية، التي يتداولها أغلبية الأفراد حالياً: الذات. فالمهارات العاطفية والتواصلية؛ أنماط الحياة؛ الخصوصيات الهوياتية، باتت متطلباً أساسياً لعمليات التوظيف المعاصرة، غير المستقرة بطبعها، وبالتالي فعدم القدرة على عرض الذات براحة، وتحويلها إلى صفات وخصائص قابلة للتسويق، تهديد وجودي للأفراد.
«قيم المجتمع» في السياق الغربي، ولدى المجموعات العالمثالثية الأكثر تأثراً به، لا تأتي من مجتمع متماسك، بل من أفراد معزولين وغير مستقرين، مرتاعين دوماً من إمكانية تعرّضهم للإساءة، ما يجعلهم يفرضون عدالتهم الخاصة في الفضاءات الافتراضية، ويلعبون دور المخبر، للتبليغ عن أي انحراف عن مجموعة القيم المقبولة «تقدمياً» أي المعايير التي تسمح بتسليع الذات والهوية بأمان. وهكذا تبرز عدالة الجموع بوصفها أكثر الصيغ المحافظة قسوةً في أيامنا.

المؤثرون بدل النخب

عندما يكون جمهورك حشداً من الأفراد، القادرين مثلك على الوصول إلى المنابر الأكثر انتشاراً، مثل المدونات وتطبيقات مشاركة الصور والفيديوهات، تفقد أهم المحددات، التي كانت تميّز النخب الثقافية عن الجمهور العمومي: احتكار النشر.
إلا أن كسر هذا الاحتكار لم يؤد غالباً إلى نتائج تقدمية، فقد بات منتجو الثقافة المحترفون مضطرين للخضوع لانفعالات المستهلكين، وقدرتهم الهائلة على الاستياء، ما يلزمهم أن يكونوا مراعين بشدة لـ»قيم المجتمع» أي أن يكونوا محافظين.
والمحافظة هنا لا تعني الالتزام بالأخلاقيات التقليدية، فالعري، والميل الجنسي المثلي والرقص الموصوف بالخليع، لم تعد تابوهات أخلاقية في الغرب، وحلّت محلها محظورات أكثر قسوة. يمكن مثلاً ملاحظة أن الإغراء الجنسي في ما مضى كان يحوي غالباً صوراً لفردين من جنسين مختلفين، في وضعيات حميمية، اليوم يوجد كثير من العري، لكن لإفراد وحيدين، يستعرضون مفاتنهم أمام الجموع، فالعلاقات الثنائية والجماعية الاعتيادية، لا بد أن تحوي إساءة ما لأحد أطرافها، حسب المنطق المعاصر، ما يثير حفيظة الجمهور؛ يمكنك أن تستمع إلى كثير من الشتائم والكلمات البذيئة، لكن أي تعبير مخالف للصوابية القائمة، مهما كانت نواياه، قد يُعتبر «عدواناً مصغراً».
عملت النخب الثقافية في ما مضى باستقلال نسبي عن رأي الجمهور، ما مكّن من ظهور كثير من الثقافات الفرعية والمضادة، التقدمية حقاً، اليوم لم يعد هنالك مجال لوجود نخب فعلية على مستوى الثقافة الجماهيرية، بل مؤثرون فقط Influencers، وهؤلاء لا يسعون بالتأكيد لإنتاج ما هو جديد أو مختلف، بل للاستعراض، سواء المادي، من خلال إظهار روعة حياتهم وممتلكاتهم وأجسادهم؛ أو الأخلاقي، عبر إثبات مدى صوابيتهم في التعامل مع القيم السائدة، فهذا هو السبيل الأمثل لينالوا مزيداً من المتابعات، التي يمكن تسليعها، مع ذواتهم المُستَعرَضة وخصوصيتهم المُدعاة، ومن ثم بيعها للجهات المهتمة بشراء البيانات. وحتى المؤثرون، الذين يثيرون كثيراً من الجدل بتصرفاتهم وهيئاتهم، لا يخرجون من عملية التداول المحافظ: إثارة انتباه المتابعين، ثم اعتذار أو تبرير، مع الاعتراف بحاكمية الحشد على تصرفاتهم.

ذكاء رجعي

إلا أن المحافظة لا تقتصر على حشد الأفراد مُسلّعي الذوات، توجد دراسات تؤكد أن الذكاء الصناعي نفسه محافظ، لسبب بسيط: يقوم هذا النمط من الذكاء على تحليل البيانات الموجودة سلفاً، ذات المعاني المستقرة، للتعلّم منها، دون أن يمتلك أي نوع من الرغبة، تدفعه للتمرد عليها، ولذلك فهو يتطلع دائماً إلى الحاضر والماضي، وينسج على منوالهما، ويقوم أيضاً بتنبيه رغبة حشد الأفراد، وفقاً لمرجعياته المحافظة.
مؤسسات التحكم الاجتماعي ليست خاملة في هذه العملية، فهي تشجع نمط الفردانية المُعرّفة بالأذى، عبر التمكين المؤسساتي ووسائل الإعلام، ما يتيح دوماً ما كان يسميه بعض الماركسيين الكلاسيكيين «إعادة إنتاج علاقات الإنتاج» إلا أنها لم تعد مضطرة لتوظيف جيوش من المعلمين والمرشدين والكهنة لهذا الغرض، فقد باتت تمتلك جيشاً من الأفراد، الذين يعيدون ذاتياً إنتاج قيمها.
القطيعة مع هذا الشرط صعبة، والهوامش تضيق باطراد، لكن اللقاء الفعلي بين البشر، واستعادتهم للمشترك والمشاع، قد ينتج مجالاً للخروج من شرط محافظ، لا يوفر، على خلاف معظم النظم المحافظة المعروفة تاريخياً، أي حماية أو استقرار لأفراده.

كاتب سوري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية