التكنولوجيا تقتحم سباق الرئاسة الأمريكية وتزعزع أركان الميديا القديمة

حجم الخط
0

د. عماد عبد الرازق

الأمريكيون يريدون إخضاع مرشحي الرئاسة لاختبارات ذكاءأول وأهم ما كشفت عنه المناظرة التلفزيونية التي ادارتها شبكة (سي إن إن) بين مرشحي الرئاسة الأمريكية عن الحزب الديمقراطي عبر الإنترنت بالتعاون مع موقع يو تيوب لتبادل الفيديو، كان انعدام الثقة بين المواطن والسياسيين في الولايات المتحدة. وهذا بدوره ما كان ممكنا ان يتبدي بهذا الوضوح لولا هذا التطور التكنولوجي الذي تم استثماره علي نحو غير مسبوق لكسر احتكار المعلقين المحترفين للحلبة السياسية وفتح الباب علي مصراعيه أمام مشاركة حقيقية للمواطنين في الممارسة الديمقراطية قبل الوصول الي صناديق الاقتراع. فبفضل يو تيوب تمكن المواطنون من طرح أسئلتهم بالصوت والصورة، بما تتضمنه من طابع شخصي ومباشر وأحيانا حميم وفي احيان أخري خلاق ومبتكر، إن في طريقة طرح الأسئلة ونوعيتها، أو من خلال الرسائل المضمرة التي تضمنتها الشرائط القصيرة المكثفة. أنظروا إلي أول سؤال وبالأحري مداخلة اختارها مدير المناظرة مذيع سي إن إن أندرسون كووبر لافتتاحها. جاءت من شاب يدعي كريس من بورتلاند وقد تمني فيها علي المرشحين الديمقراطيين الثمانية ان يرتفعوا الي مستوي هذا الشكل الثوري الجديد من التخاطب مع المواطنين، وأن يكونوا بدورهم ثوريين حقيقيين فقط بالإجابة علي الأسئلة بدلا من المراوغة والمماطلة أو التهرب والمماحكة كما هو دأب السياسيين، دائما وأبدا. السؤال الأول كان لا يقل دلالة وجاء علي لسان شاب آخر قال إنه وغيره من الملايين قد استمعوا الي وجهات نظر المرشحين في كل القضايا مرارا وتكرارا، وباتوا يحفظونها عن ظهر قلب، وهم يعرفون جيدا موقع كل مرشح من كل قضية. ونحن اليوم لدينا مجموعة من القادة الذين لا يؤدون عملهم علي النحو المرغوب، علي حد قوله، فما الذي يضمن أن يكون أي من المرشحين الحاليين مختلفا عنهم، فما بالنا بأن يكون أفضل أو اكثر كفاءة وفعالية؟ وكما هو معتاد كانت الإجابات تكرارا لما سمعناه من قبل فكل مرشح يزكي نفسه بطريقة أو بأخري. العرض الثاني لظاهرة ضعف ثقة المواطنين في السياسيين تجلي من خلال الطرق التي اختارها البعض لعرض الأسئلة وقد كشفت عن خفة في الطرح واستخفاف بالعملية برمتها. كان هناك العديد من المساهمين اختاروا طرح الأسئلة عبر شخصيات خيالية من أفلام ومسلسلات الكرتون، مثل الذي تقمص شخصية الرجل الجليدي (الذي يشيده الأطفال عادة من الثلج) ليطرح سؤالا جادا عن التغيرات المناخية وما إذا كان أحد سيفعل شيئا لينقذ إبنه من الذوبان في المستقبل؟ وآخر تقمص شخصية بيغ بيرد من برنامج الأطفال سيسيمي ستريت، أو الرجل العنكبوت أو محارب فايكنغ وكلها تعكس الاستخفاف المسبق وعدم تعليق آمال كبيرة علي وعود السياسيين، وأن الناس لا تأخذهم غالبا علي محمل الجد. وآخرون وضعوا الأسئلة علي لسان صغارهم مثل هذا الصبي الذي تساءل عن حقيقة تنبؤ العلماء من أنه حين يصير شابا ستختفي نصف الكائنات الحية من علي الأرض. أو الطفلة التي طرحت سؤالا عن نظام الضمان الاجتماعي وهل سيظل موجودا حين تكبر متسائلة ما الذي ينوي ان يفعله كل منكم لإصلاحه؟ ومن أطرف المداخلات تلك التي قدمها شاب غناء وهو يعزف علي غيتاره شاكيا من أنه يدفع الكثير من الضرائب علي الملبس والمأكل والدواء وحتي الغيتار. شاب يافع تساءل عن موقع الملحدين وغير المؤمنين من أمثاله بعد أن عبر كل مرشح عن تمسكه بدينه وعقيدته. فتاة سألت عن ما سيفعله كل مرشح بشأن مأساة دارفور، وقد بعثت بسؤالها من قلب مخيم اللاجئين الدارفوريين علي حدود تشاد. سيدة أخري سألت عن خطة كل مرشح لخفض تكاليف الأدوية والعقاقير الوقائية، قبل أن تنزع باروكة شعر لتكشف عن رأس صلعاء وتقول إنها تتمني أن تنجو من السرطان الذي تعالج منه كيميائيا. أما أطرف الأسئلة فكان من سيدة حول ما إذا كان كل مرشح للرئاسة مستعدا لأن يخضع لاختبار للذكاء. العراق: خيبة الأمل الكبري شغلت الحرب في العراق حيزا كبيرا من أسئلة ومداخلات المواطنين كما هو الحال في كل المناظرات السابقة، للديمقراطيين والجمهوريين علي السواء. السؤال الأقوي جاء من سيدة فقدت ابنها في الحرب، وقالت إن الشعب الأمريكي صوت للديمقراطيين في انتخابات التجديد النصفي قبل نحو ثمانية أشهر بسبب قضية جوهرية هي إنهاء الحرب في العراق. منذ ذلك التاريخ قتل أكثر من ثمنمئة جندي أمريكي، واتهمت السيدة الديمقراطيين بخذلان الشعب الأمريكي وتساءلت ما إذا كان ذلك عائدا لأنهم يضعون الاعتبارات السياسية قبل ضمائرهم، إذ أنهم يبدون غير راغبين حقا في إنهاء الحرب خوفا من ابتزاز ماكينة الدعاية للحزب الجمهوري التي ستتهمهم بأنهم كانوا السبب في هزيمة الولايات المتحدة. المرشح دنيس كوستنيتش لم يتوان عن اتهام حزبه الديمقراطي مباشرة بأنه خذل الشعب الأمريكي بالفعل الذي انتخبه قبل اشهر علي أمل إنهاء الحرب في العراق، وليس لكي نعطيهم نسخة ديمقراطية من الحرب في العراق. وفند كوستنيتش مزاعم الديمقراطيين بشأن عدم وجود أصوات كافية لتمرير التشريع بإنهاء الحرب، لكن الحقيقة، كما قال هو، ان الكونغرس اقر ميزانية بأكثر من سبعين بليون دولار للحرب وكان من الممكن بمنتهي البساطة وقف الحرب بحجب هذا التمويل. ولا يزال هذا ممكنا ولكن هل يجرؤ الديمقراطيون علي فعلها؟ هيلاري كلينتون انتهزت الفرصة لتجدد موقفها المطالب بإنهاء الحرب، والتي تحرص علي تكراره تكفيرا عن خطيئتها الأولي بالتصويت لصالح شنها في المقام الأول، وهو ما يحلو لخصومها خاصة أوباما، تذكيرها به في كل مرة. قالت هيلاري إنها سألت البنتاغون ما إذا كان قد أعد خططا للانسحاب في حال فشل الاستراتيجية الحالية، وقالت إنها بدلا من أن تتلقي إجابات ووجهت بحملة تشهير تتهمها في وطنيتها.

سؤال آخر ذو صلة وجهته سيدة نعت فيه تلطخ صورة أمريكا حول العالم بسبب السياسات العدوانية التي اتبعتها الإدارة الحالية، وكيف سيسعي من عساه يفوز في الانتخابات ان يصلح من هذه الصورة؟ هل سيكون مستعدا، مثلا، أن يلتقي في عامه الأول في الرئاسة بزعماء كل من إيران وسورية وكوريا الشمالية وكوبا وفنزويلا؟ أوباما انبري بالإجابة بنعم دون تردد، مؤكدا علي الدور الذي سوف يوليه للديبلوماسية لحل المشاكل ورأب الهوة بين أمريكا والعالم. أما هيلاري فرفضت الإلتزام بوعد كهذا مشيرة إلي أنه من الخطأ لقاء هؤلاء الزعماء قبل معرفة حقيقة نواياهم وتوجههم في المستقبل، مؤكدة في الوقت نفسه أنها سوف تعتمد اسلوب الديبلوماسية مستعينة بمبعوثين علي أعلي مستوي (في إشارة واضحة إلي احتمال اعتمادها علي زوجها الرئيس السابق لما يتمتع به من علاقات ومكانة دولية). وقد اشعل هذا التباين في موقفي المرشحين الرئيسيين معركة لا تزال الطلقات تتبادل فيها بينهما عبر وسائل الإعلام حتي لحظة كتابة هذه السطور. اتهمت هيلاري أوباما بالسذاجة واللامسؤولية لكن معسكر أوباما رد بان السذاجة واللامسؤولية كانت في التصويت لصالح شن الحرب علي العراق دون وجود أي ادلة دامغة علي اسلحة الدمار الشامل ولا تورط نظام صدام في أحداث الحادي عشر من ايلول (سبتمبر)، وسارع ايضا بتذكير هيلاري بتصريح لها في نيسان (إبريل) الماضي حين قالت اعتقد أنه من الخطأ أن يرفض الرئيس بوش لقاء هؤلاء الزعماء الأشرار! الفائز الوحيد هو الجمهور هناك شبه إجماع ترددت اصداؤه مباشرة بعد انتهاء التجربة علي أن هذا الشكل الجديد الذي اتخذته المناظرة عبر المشاركة الجماهيرية بالصوت والصورة هو ثورة حقيقية ستكون لها أثار مباشرة علي سباق الرئاسة الأمريكية الي أن يحسم في العام الفين وثمانية، وقد خلع البعض بالفعل علي هذه الحملة لقب انتخابات يو تيوب، فقد فتحت التكنولوجيا نافذة علي مصراعيها ستهب منها رياح ستهز أركان لا أعمدة الميديا التقليدية ( او القديمة) وقدرتها علي تشكيل وقولبة الرأي العام فحسب، بل ستترك آثارا علي الحملات الانتخابية لن يستطيع حزب او مرشح أن يكون بمنأي عنها أو يتقاعس عن اللحاق بها، خاصة في مجتمع كالمجتمع الأمريكي يتمتع بدينامية عالية جدا ومعروف بسرعة تأقلمه مع مستجدات التكنولوجيا. لقد ولدت مناظرة يو تيوب اهتماما جارفا خاصة لدي فئة الشباب والمراهقين الأكثر ألفة واستخداما لهذه التكنولوجيا المستحدثة (حققت المناظرة أعلي نسبة مشاهدة في تاريخ قنوات الكابل الأمريكية في الفئة العمرية 18ـ 34)، وفي غضون ايام قليلة بلغت المساهمات التي أرسلت إلي شبكة سي إن إن أكثر من ثلاثة آلاف سؤال. لكن لم يتم عرض سوي بضع عشرات منها (حوالي اربعين) علي مدي ساعتين. وهذا يحيل مباشرة إلي أول نقد وجه للمناظرة من رواد ومستخدمي يو تيوب الذين احتجوا علي تدخل سي إن إن في اختيار وفرز الأسئلة، فقد اتهم هؤلاء الشبكة بأنها سحبت البساط من تحت أقدام ما يعرف بثورة المضمون الذي يصنعه المستخدمون، فهذا هو المفهوم الذي يحكم هذا التبادل المعلوماتي بالصوت والصورة الذي جذب الملايين اليه من حول العالم كأحد إفرازات ثورة الإنترنت. ورغم مصداقية هذا النقد إلا أنه يصعب تصور طريقة تدار بها المناظرة بمئات المساهمات دون أن يكون هناك فلتر أو مصفاة تأخذ اعتبارات البث الحي وليس أقلها زمن البرنامج المحدد. هذه وبكل المقاييس خطوة متقدمة كثيرا علي الشكل السابق المعتمد للمناظرات، الذي تكون السلطة شبه المطلقة فيه لمديرها (وغالبا ما يكون مذيعا أو شخصية إعلامية بارزة) بدءا من وضع الأسئلة وليس انتهاء بطريقة إدارتها. وفي هذا يمكن أيضا ملاحظة التباين بين المناظرات وفقا للجهة المنظمة، كما كان واضحا مثلا بين مناظرة أدارتها شبكة فوكس للمرشحين الجمهوريين، والمعروفة بتأييدها الشديد للحزب والإدارة الحالية، واخري نظمتها قناة دبليو إتش يو تي التابعة لجامعة للأقلية السوداء في واشنطن. المناظرة حققت نجاحا جماهيريا بلا جدال، فقد تابعها أكثر من 2.5 مشاهد، فاحتلت المركز الثاني من حيث الجماهيرية بعد مناظرة الديمقراطيين الأولي في نيوهامبشاير. قد لا يكون هذا رقما كبيرا، خاصة قياسا علي المناظرة التلفزيونية الأولي والأشهر تاريخيا بين جون كنيدي وريتشارد نيكسون التي شاهدها سبعون مليونا، قبل نحو سبعة وأربعين عاما، ولكن هذا زمن آخر كان التليفزيون فيه لا يزال يحبو. الشيء المؤكد ان الفائز الأكبر في مناظرة يو تيوب كان الجمهور وليس أيا من المرشحين، وفي الحقيقة افتقدت المناظرة الي أي جدل حقيقي فيما بينهم، ولم يكن هذا بالضرورة لصالح الجمهور. إلا أن المناظرة فتحت شهية الأمريكيين لمزيد من الصنف عينه، وها هي الكاميرات تتأهب لخوض مناظرة الجمهوريين في ايلول (سبتمبر) القادم. ناقد سينمائي من مصر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية