التلفزيون الجزائري للتعويض عن المسيرات و اس ام اس للمحللين: روحوا لداركم !

حجم الخط
0

التلفزيون الجزائري للتعويض عن المسيرات و اس ام اس للمحللين: روحوا لداركم !

توفيق رباحيالتلفزيون الجزائري للتعويض عن المسيرات و اس ام اس للمحللين: روحوا لداركم ! انتهت جرائم اسرائيل في لبنان. الي جانب الاسي الذي يصيب الانسان جراء ما كان يشاهد من خراب وموت تلحقه الحرب الاسرائيلية علي لبنان، هناك ابتلاء تلفزيوني، عشناه جميعا تجسد في ميلاد فئة من المحللين و الخبراء و الاستراتيجيين مهمتهم تنوير الرأي العام العربي والعالمي بما خفي من تفاصيل هذه الحرب.لبنان اسير حرب ونحن اسري تلفزيون. اسوأ من ذلك، نحن اسري هاته الفئات من الخبراء و العارفين المفروضة علينا فرضا. بحثتُ عن سبيل لتتبع الاخبار دون هؤلاء المحللين ففشلت. ذلك ان الشاشات تفرضهم (كلهم ذكور) علينا مثل البيع المزدوج في زمن الاشتراكية الجزائرية المقبورة: يختفي زيت الطعام من الاسواق والتعاونيات فتجلبها الحكومة وتفرض بيعها مصحوبة بمواد اخري قد تكون فؤوسا او طناجر طهي جماعي او مناشير خشب او عدة مدرسية رديئة النوعية!القنوات العربية والغربية معا مبتلاة بهذه الفئة من الناس. وهذه القنوات، من حيث تدري او لا تدري، وضعت نفسها في حاجة ملء الفراغ في نشرات اخبار تصل الليل بالنهار وببرامج يقول اصحابها انها تواكب الحدث. والنتيجة ان كل الناس خبراء و مختصون يملأون الفراغ.هناك اكثر من فئة من المحللين و الخبراء و الاستراتيجيون . فئة اولي هي التي يعرّف اصحابها بوظائفهم ومناصبهم. وهذه الافضل، او لنقل اقل سوءا، لانك، وانت تشاهد او تستمع لهذا الشخص، تعرف انه يمثل الجهة الفلانية او ينتمي اليها فتحكم نسبيا علي مصداقية ما يقول. علما ان هناك اسماء طنانة رنانة لمراكز ابحاث ودراسات الله اعلم باسرارها، وان هي اصلا موجودة.وهناك فئة محلل سياسي ، وهاته تضم من لا عمل لهم والمستحين بعملهم وغير المقتنعين به. كما تضم من لا موقع او لا وظيفة لهم. هؤلاء جميعا محللون و خبراء .تشبه المعادلة هنا زواج مصلحة: قنوات تحتاج الي جيش من المحللين و الخبراء تملأ بهم ساعات البث الطويلة علي مدار اليوم والاسبوع، و محللون و خبراء متفرغون ينتظرون رنة هاتف من هذه القناة او تلك بحثا عن شهرة او مكانة متناسين ان قوافل المحللين تجعل المشاهد ينسي اسم احدهم وشكله ما ان يقال له شكرا جزيلا لك ويختفي من الشاشة.من هذه الباب يبدع المصريون. في اي قناة، اي ساعة من ساعات الليل والنهار، مهما كان موضوع النقاش، هناك مفت و خبير يدلي بدلوه من القاهرة. قد يرجع هذا الي الوفرة بمعني الكم، والي جاهزية الاشخاص لـ الافتاء و الرغي ، والي وجود تسهيلات مادية قياسا بعواصم عربية اخري. طريف امر هذا الكم من الخبراء و المحللين و الاستراتيجيين ومراكز الدراسات في امة لم تذق طعم انتصار منذ فتح الاندلس!اطرف ما سمعت من هذه الفئة ان احدهم قدّمته فضائية مغاربية خبير في الشؤون الامنية والعسكرية . ضحكت لان يقيني انه لم يشاهد في حياته غير سلاح الامير عبد القادر الجزائري. الاهم ان المذيع لم يسأله سؤالا واحدا عن الخبرة والامن والشؤون العسكرية، بل عمّا قالت صحف البلاد التي هو فيها، وموقف الرأي العام، وهي اسئلة لا تحتاج الي ذلك اللقب الرنّان.واطرف من الجميع المحامي المصري منتصر الزيات عندما استضافته الجزيرة لتناقش معه اعلان انضمام الجماعة الاسلامية المصرية لتنظيم القاعدة . باختصار وبدون تردد بدأ المحامي كلامه بالقول صراحة انا لم اتابع الخبر ومعنديش تفاصيل لانني عدت الان من مجلس عزاء يبدو انه لاقارب احد قياديي الجماعة. ورغم ذلك، صال المحامي وجال وحلّل ونوّر الرأي العام ـ من دون معلومات!اصبح الامر واضحا، ما ان تري المحلل حتي تعلم ما سيقول. بعضهم يتنقلون من استوديو الي اخر في نفس اليوم بطريقة تذكر برجل اسمه (الالقاب محفوظة) عماد فوزي الشعيبي الذي قضي ليلته يتحدث لكل التلفزيونات العربية محللا ملابسات تفجير سيارة مفخخة بحي المزّة في دمشق العام الماضي.كنت ذات مساء اتابع الفضائية الجزائرية، فرأيت صديقا اسمه محمود بلحيمر يخوض مع الخائضين. وهو علي المباشر، بعثت له رسالة اس ام اس كتبت فيها روح تروّح لداركم مع استدراك وجدته مهما وضروريا: هذا لا يلغي انك افضل من كثيرين .انقاذ ما يمكن انقاذه! عاشت النخب الجزائرية في حيرة طيلة ايام الحرب. بل هي عقدة نقص مصدرها صمت الشارع الجزائري ازاء ما جري في لبنان قياسا بالدول والمجتمعات العربية الاخري. والشارع المغربي، وبدرجة اقل التونسي، من ابرز ادوات القياس بصالونات السياسة الجزائرية في مثل هذه الحالات. بينما خرج المغاربة والتونسيون بمئات الالاف لنصرة الشعبين اللبناني والفلسطيني، اصرت الحكومة الجزائرية علي منع التظاهرات عملا بحالة طوارئ سارية المفعول منذ 1992، وبقانون اصدره رئيس الحكومة الاسبق علي بن فليس في حزيران (يونيو) 2001 (دفع هو ذاته ثمنه ايضا عندما دارت الايام واراد الاحتجاج، وما بقي له من انصار، علي نتائج انتخابات الرئاسة في 2004).وعندما اصبح الصمت غير مقبول والمنع غير مبرر والمبررات لا طائل من ورائها اثارت الصحف اكثر من سؤال عن سر استثناء الشارع الجزائري، عندئذ هبّ التلفزيون الحكومي لينقذ ما يمكن انقاذه.هبّ التلفزيون وبدأ يبث بصورة شبه يومية برامج حوارية تناقش ما يجري في لبنان. اطرف ما في الامر ان هذا التلفزيون لا يتوفر علي مراسل او موفد في لبنان. صحافيوه الموجودون هناك الان ـ سرعان ما يختفون ـ سافروا مع المساعدات الانسانية التي اوفدتها الحكومة الجزائرية. وسبب سفرهم هو الترويج لهذه المساعدة وللحكومة والرئيس بوتفليقة اكثر من العمل الصحافي او التلفزيوني الصرف.رغم كل شيء، لا يجب ظلم القائمين علي هذه البرامج السياسية. لكن هذه الحلقات لا تغطي علي اخفاقات التلفزيون والسلطة ومسؤوليتها في الاصرار علي منع المسيرات بالشوارع بشكل يحرج الرسميين ويُشعر الصحافيين والمعلّقين بعقدة نقص ويحرمهم من ورقة مزايدة علي دول الجوار (سنري هل سيستمر المنع عندما تحين ساعة مراجعة الدستور و تهب الجماهير عن بكرة ابيها متوسلة بوتفليقة تعديله والترشح للرئاسة مرة اخري. وسنري هل سيتجاهل هذا التلفزيون المسيرات والاعراس وولائم البذخ التي ستقام للمناسبة الميمونة).وكما كان منتظرا، استضاف احد البرامج مدير التلفزيون ومدير وكالة الانباء الجزائرية. وطبعا، كان لا بد من جرعة الغرور المألوفة المتمثلة في ترديد ان التلفزيون الجزائري هو الوحيد الذي ينظم مثل هذه البرامج ويسخّر نسبة كبيرة من وقته للبنان و انظروا تلفزيونات جيراننا من المشرق الي المغرب ، هكذا فاخر مدير التلفزيون، فهل يفيد السؤال، للمرة المليون، منذ متي كان التلفزيون المغربي او التونسي او اليمني مرجعا؟ مشكلة نصر الله بعد رسائل الـ اس ام اس والاتصالات الهاتفية والمناشير الهادفة كلها الي كسب قلوب اللبنانيين، تخوض المخابرات الاسرائيلية نوعا اخر من الحرب مع حزب الله: حرب الصورة.بعد قصف كل شيء بما في ذلك تلفزيون المنار ، تخوض اقوي مخابرات في الشرق الاوسط حربا تلفزيونية مع ما يسميه الغرب ميليشيا تستعمل بقايا تلفزيون اسمه المنار من خلال السطو علي ارساله.التفاصيل: مارست اسرائيل، علي الاقل، عمليتي قرصنة علي تلفزيون المنار واذاعة النور . الاولي في الاسبوع الاول من الشهر، اي بعد اكثر من ثلاثة اسابيع من بدء العدوان علي لبنان، والثانية بداية الاسبوع الرابع من هذه الحرب، الثلاثاء الماضي.وتعوّض المخابرات الاسرائيلية البث بصور وخطابات مكتوبة تحرض ضد القائد حسن نصر الله وتتهمه بجر لبنان الي مغامرات غير محسوبة (حق التأليف مكفول لـ المصدر السعودي المسؤول . فوجب التنويه) والي حرب مع جيش من فولاذ .وجاء في احدي الرسائل التي ظهرت عبر المنار خلال عرض النشرة الاخبارية يا حسن، دخلنا بعلبك من دون اي مانع، وطأنا قلعتك ووجدنا رسالة مقاتليك: الهروب .وترافق ذلك مع صور لانزال اسرائيلي في بعلبك.ضابط مخابرات اسرائيلي ابلغ صحيفة لوفيغارو الفرنسية ان الاسرائيليين لا ينتظرون من اللبنانيين ان يحبوهم معتبرا ان الغرض من العملية هو دفع اللبنانيين الي محاسبة نصر الله علي عدد المدنيين الذين قُتلوا من اجل تحرير سجين واحد اسمه حسن القنطار .لاحظوا انهم يعترفون بقتل المدنيين الابرياء. وعملا بالقياس، سيكون من حق اي عاقل ان يعلن ان الجيش الاسرائيلي يفرط في القتل والتدمير لتأليب اللبنانيين علي حزب الله.ومع ذلك تفتح القنوات العربية الكبري ميكروفوناتها لضباط اسرائيليين يصطنعون الاسف علي مقتل المدنيين ويقولون في نفاق صارخ ان حربهم ليست مع لبنان واللبنانيين. يبدو ان المسؤولين الاسرائيليين غرقوا في غباء فادح عندما حصروا مشكلة نصر الله في لبنان وحده. ألم يشاهد ضباط المخابرات المكلفون بالحرب النفسية تلفزيونات اخري؟ واضح ان بصرهم عمي عن رؤية صور نصر الله في فيافي نواكشوط واندونيسيا وجزر فيجي، ما يعني انه لم يعد زعيما لبنانيا، بل امميا ترفع صوره وتتلي له صلوات وادعية النصر في اكثر من ثلثي الكرة الارضية.لماذا لم تمارس هذه المخابرات قرصنتها علي كل القنوات التي بثت صور المظاهرات المؤيدة له الحاملة صوره في كل عاصمة ومدينة؟ ولماذا لم تبعث طائراتها تطلق منشورات التحريض فوق كل عاصمة وبلدة؟باختصار، كيفما انتهت الحرب، فقد خسرتها تل ابيب لانها وحّدت اغلبية المسلمين، شيعة وسنّة، وراء عدو اسرائيل الاكبر الذي اسمه نصر الله.كاتب من اسرة القدس العربي [email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية