سليم عزوز
ألغت ثورة يوليو 1952 في مصر الألقاب، فلا باشا، ولا بك، وان ظلت الألقاب شائعة، في المخاطبات غير الرسمية، حتى صار كل مصري إما بك أو باشا. لكني مؤخراً قرأت اللقب في احدى الصحف، فظننت أن ثورة يناير 2011 أعادت الألقاب مرة أخرى.
كانت احدى الصحف القومية قد أجرت حواراً مع أمين بسيوني رئيس شركة ‘نايل سات’، والد كل من علاء بسيوني، وتامر أمين، بالتلفزيون المصري، وإذا بالمحرر الذي أجري معه الحوار يناديه، ويناجيه، بـ’فلان بك’!. في الحوار المنشور تم تفخيم الرجل بشكل مذهل، وجاء السؤال الأول كاشفاً عن أننا أمام شخصية محورية فتاكة، فقيل له بوصفك (إعلامياً كبيراً)، وكأن المناصب الإدارية تعطي أصحابها امتيازاً، وهو الذي ترقى في العمل الحكومي، إلى أن أصبح رئيساً لاتحاد الإذاعة والتلفزيون، وقام بتوريث التلفزيون لنجليه: تامر وعلاء، قبل أن يحصل على مكافأة نهاية الخدمة في البلاط، التي تتمثل في رئاسة شركة ‘النايل سات’. ليس المذكور وحده من دفع بنجليه للعمل في التلفزيون المصري، ففي الواقع أن تلفزيوننا الباسل هو تلفزيون عائلي جداً، فتوجد به عائلات: الاتربي، وبسيوني، وغيرهما، وفيه تجد المذيعة وبناتها، والمذيع وأبناءه، وكان تعيين الأنجال يتم من خلال (عمو صفوت الشريف) عندما كان وزيراً للإعلام!. الغريب في حوار أمين بسيوني، الذي تمدد على صفحة إلا قليلا، انه بدا كما لو كان يخاطب شعباً غير الشعب المصري، فهو راض عن أداء تلفزيون الريادة الإعلامية (طبعا) في أيام الثورة، موضحاً بصفته (إعلامياً كبيراً) في الحجم العائلي، أن الإعلام هو المعلومة والتحليل، وقد كانت المعلومة صادقة، والذي كان ينقصنا فقط هو التحليل.. بسيطة!. لقد كان أداء التلفزيون المصري مسخرة من العيار الثقيل، وفيه تمت ممارسة الكذب والتضليل، وجيء بمن يشنع على الثورة، ويقوم بشيطنة الثوار، وتقديم حسني مبارك على انه الرئيس الصالح، بطل الضربة الجوية، التي تمنينا أن يكون قد ضربنا نحن بها وحكم إسرائيل!. كانت أعداد الثوار تتجاوز في بعض الأحيان الثلاثة ملايين في ميدان التحرير وحده، وتلفزيون الريادة الإعلامية يؤكد أنهم فقط بضع مئات، وذات يوم عدت إلى منزلي مهدوداً، في ساعات الصباح الأولى، وكان الميدان لا يوجد فيه موضع لقدم، وذهبت لتلفزيون الريادة لعلي أجد على النار هدى، فوجدت الكاميرا مصوبة على صحراء نجد، والمذيع يقول هذه هي صورة الميدان الآن، وأحد الضيوف يقول دعكم من قناة ‘الجزيرة’ التي تقول ان هناك الآلاف في الميدان. مع أن قنوات العرب والعجم كانت تنقل الصورة الحقيقية!
بعد ان غادر مبارك، قال عبد اللطيف المناوي رئيس قطاع الأخبار المخلوع أن تعليمات كانت قد صدرت لهم بتوجيه الكاميرا بهذه الزاوية، ولم يحدد الجهة التي أصدرت هذه التعليمات، وفي تصريحات أخرى قال إن ما حدث كان من باب الاضطرار بعد أن منع الثوار كاميرا التلفزيون المصري من دخول الميدان.. البيضة أم الدجاجة؟
فالمنع كان لأن تلفزيون الريادة الإعلامية مارس التضليل منذ اليوم الأول، فكان منع كاميراته حتى لا تدنس المكان بوجودها، هو رد فعل على هذا التضليل، إذ كان التلفزيون المذكور يظن أن بامكانه أن يثبت مبارك، ففقد الثقة والاعتبار، وولى الناس وجوههم شطر القنوات الاخرى.
يا مثبت العقلبسيوني، والد تامر الذي شارك في الثورة المضادة من خلال برنامج (مصر النهارده) قال: ‘كنت راضياً طبعاً عن أداء التلفزيون فقد كنا نرصد ما نراه’.. وقال لا فض فوه ومات بالسكتة القلبية كارهوه: ‘إنني لا اتهم الإعلام المصري بأنه اخفى شيئاً’. فهو إعلام لم يقصر حقاً.
لم أصدق ما جاء منشوراً على لسان المذكور بدون تعقيب، إلا بعد أن استعنت بآخرين، قالوا انني في علم ولست في حلم. فلو كان صاحبنا يخاطب شعباً مغمى عليه، لما قال هذا، وكانت ثالثة الاثافي، تتمثل في ما قاله من انه تلقي تعليمات عليا بوقف بث قناة ‘الجزيرة’ لكنه رفض، وعندها صحت صيحة مرعبة: يا مثبت العقل والدين يا الله.
فالجنين في بطن أمه الذي أنطقوه في الانتخابات الرئاسية الماضية، فقال انه يؤيد حسني مبارك، يعلم ان ‘النايل سات’ قطع إرسال ‘الجزيرة’ إبان الثورة، وعامل كاميراتها كما لو كانت كاميرا التلفزيون الإسرائيلي تسللت إلى الجنوب اللبناني.
على ذكر كاميرا ‘الجزيرة’ فقد داخ النظام البائد دوخة الصعيدي في محطة مصر، من اجل الوصول إلى مكانها، وجرى اعتقال مدير مكتبها بالقاهرة، وكان لا يعلم عن ذلك شيئاً، فقد أغلقوا مكتبها، وسرحوا من يعملون فيه، وقد وقفت مؤخراً على ان سيدة مسنة، تسكن في الميدان عز عليها في يوم موقعة الجمل، أن يكون الثوار في مرمي حجارة البلطجية، الواقفين أعلى كوبري السادس من أكتوبر، ومرمى رصاص القناصة، الذين كانوا يمارسون جريمتهم من اعلى احدى البنايات المجاورة.
لقد أطلت هذه السيدة من نافذة شقتها، وأشارت إلى عدد من شباب الثورة فصعدوا إليها، وطلبت منهم أن يحطموا أرضية الشقة وان يستخدموها في رشق البلطجية في موقعة الشرف، وتمكنوا من دحر العدوان، كما سمحت لكاميرا ‘الجزيرة’ ان تبث من نافذتها فنقلت للعالم كله هذه الجريمة الوحشية، فأخرجت الجالسين في بيوتهم، وجعلت لفتوى الشيخ يوسف القرضاوي في هذا اليوم معنى، عندما أفتى بأن الذهاب لميدان التحرير لنصرة الثوار فرض عين على كل قادر عليه.
لا أعرف لماذا كلما تذكرت تفاصيل هذا اليوم، ومن صمود الثوار، وشموخهم وهم يؤثرون غيرهم على أنفسهم بشربة ماء، وموقف هذه السيدة، وفتوى القرضاوي تنساب دموعي.
ركوب الثورةفي ‘جمعة النصر’ جاء القرضاوي خطيباً، وقال البعض انه ‘يركب الثورة’ مع إن دوره فيها كان حاسماً، فقد ظلت الوفود تأتي إلى الميدان من كل فج عميق لتبدد ظلمة الليل، ووحشة القاهرة، فكان في حضورهم أمن للخائفين.
كان لكاميرا ‘الجزيرة’ في هذا اليوم دور فاعل في ثورتنا، إذ نقلت إجرام نظام مبارك للعالمين، بفضل هذه السيدة، التي ربما لا يتذكرها احد، فالثورات عادة يتحدث عنها من لم يشاركوا فيها.
لا بأس، فالاتجاه العام كان يستهدف فراغاً يشغله من تمكنوا من ميكروفون الفضائيات، ومن شكلوا ما أطلقت عليه في السابق ائتلافات الوجاهة الاجتماعية.
وأصبحنا نقرأ عن الجوائز التي تمنح من كل أرجاء المعمورة، لفتى بعينه، طرح ظهوره على المسرح الآلاف من علامات الاستفهام، وجرى التعامل معه على انه مفجر الثورة، وهو الذي كان في الخارج لحظة اندلاعها، وها هو يعترف ليوقف الهجوم عليه بأنه لم يكن أول من دعا إليها، وكان قد قيل من قبل انه هو الداعي الأول والأخير!. لقد تبين السبب الحقيقي من خلال عملية النفخ في الفتى، وتجلى هذا من خلال ادعاء بعض الجهات الأمريكية دوراً لواشنطن في الثورة، والدليل هو وجود هذا الشاب، مع أن البيت الأبيض الذي لا ينفع في اليوم الأسود كان مع حسني مبارك.
ما علينا، فهذا ليس موضوعنا، فعندما يقول (الإعلامي الكبير) في حجم البحر الأبيض المتوسط أمين بسيوني انه رفض قطع إرسال قناة ‘الجزيرة’ فلا يلام المرء إذا تحسس عقله، مخافة أن يكون قد أصيب بالخفيف، وهو لمن لا يعلم المرحلة السابقة على الجنون الرسمي!. اللافت أن المحاور انطلق مسلماً بما قال، فهو لم يقطع إشارة البث عن ‘الجزيرة’ وعليه ذهب يسأله عمن أصدر التعليمات، وهل كلمه حسني مبارك شخصياً، وتواضع الرجل وهو يقول ان الرئيس نقل هذا الطلب إلى صفوت الشريف، والذي نقله بدوره إليه، ورفض هو التنفيذ لأنه له وجهة نظر أخرى.
أعجبتني بصراحة شجاعة والد تامر أمين وهو يعلن انه رفض تنفيذ تعليمات المخلوع بقطع بث ‘الجزيرة’ من على القمر ‘نايل سات’، ولدينا العديد من تصريحات المسؤولين، الذين كانوا يقومون بتوجيه مبارك ونصيحته، لكنه لم يكن يسمع النصيحة في أواخر أيامه، مثلما جاء على لسان رئيس البرلمان الدكتور فتحي سرور قبل سجنه في مقابلة صحافية مطولة.
ويبدو أن الجميع تعاملوا مع مبارك وفق القاعدة المتوارثة ونصها: ‘انصح صديقك من الصبح للعصر، وبعد ذلك قم بتضليله’.. إذا لم يأخذ بالنصيحة بالطبع!. الحمد لله أن أحداً من بين مدعي الشجاعة بأثر رجعي لم يصل به الحال إلى مستوى هذا المخبول الذي التقيت به مرة، وكان يصر اصراراً عظيما على ان عبد الحكيم عامر وزير الحربية في حكم عبد الناصر مات مقتولاً، وعندما لم يصدقه الجالسون قال انه هو بنفسه من أطلق عليه الرصاص، وقال ان عبد الحكيم عند أول رصاصة صاح: ‘لا أريد أن أموت’ وعندما اضطرب عبد الناصر، أمره بالخروج من المكان حتى لا يعطله عن أداء مهمته الوطنية، وقد رضخ له عبد الناصر وخرج.
كانت طريقة الرجل في العرض مشوقة، حتى ان كان ما يقوله غير صحيح، وبعد ذلك علمت انه كان مقيماً إقامة دائمة في مستشفى الأمراض العقلية لمدة عشر سنوات متواصلة.
لميس الحديدي مسؤولة الدعاية لمبارك في الانتخابات الرئاسية الماضية، وحرم عمرو أديب، شقيق عماد صاحب حوار التلميع الفاشل للمخلوع، ذكرت بعد أن غادر المذكور وأهل بيته، أنها رفضت أن تجري حواراً مع سوزان مبارك، لأنها تعلم أنها لم تكن تحب ان ترى ‘سيدة شيك’.. ولميس للمعلومات العامة لكم يا معشر القراء شيك للغاية. وعلى أثر هذا قالت مذيعة أدينت في قضية رشوة، أن سوزان مبارك هي من لفقت لها القضية لأنها كانت تغار منها، ومن جمالها، مع أننا لم نر عليها جمالا، إلا إذا كان هذا الجمال من النوع الذي لا يُرى بالعين المجردة.
لا بأس فبما أن الكلام ليس عليه رسوم جمركية، فقد سبق لي ان التقيت بسوزان مبارك وقلت لها: اغربي عن وجهي يا حُرمة.. ثكلتك أمك.
فلا أحد يتحقق من الكلام قبل النشر، أو يناقشه، والدليل ان والد تامر أمين قال انه رفض قطع إشارة البث عن ‘الجزيرة’ وصدقناه، مع أن ‘الجزيرة’ لم يكن لها وجود على القمر المصري في أيام الثورة.
أرض ـ جو* ثلاث ساعات في رغي عشوائي للجزيرة مباشر من مصر في يوم عيد العمال مع أحد الأشخاص، مل المشاهد، ولم يمل المذيع، الذي يبدو انه كان قد قرر الدخول لموسوعة ‘غينيس’ بأطول حوار في تاريخ المحطات التلفزيونية.. ارحمونا. صحافي من مصر[email protected]