التلفزيون المصري من البوابة.. ودلالة واقعة المحشي!
سليم عزوزالتلفزيون المصري من البوابة.. ودلالة واقعة المحشي!عندما كنت اسمع بالنفوذ الأمني في مبني التلفزيون المصري، في بداية اهتمامي بالذي يجري بداخله، كنت أتصرف كالمستشرقين الذين يفتحون افواههم مندهشين أمام الأمور التي لا يستطيعون استيعابها، لكن ومن هول ما علمت فقد فقدت ميزة الاندهاش، المرتبطة ببراءة الأطفال، وصرت أقول لمن يتساءل عن سبب الأداء الشائخ لهذا التلفزيون: انظر إليه من البوابة، قبل ان تنظر الي الشاشة.اول شيء تلاحظه بمجرد ان تدلف من البوابة، هو التواجد الأمني الطاغي والحاد والحاسم، وبشكل يجعلك تظن انك أخطأت في العنوان ودخلت وزارة الداخلية، او انك أمام ثكنة عسكرية، والي حد أنني كنت أتساءل في مرحلة براءة الأطفال: هل التلفزيون المذكور هو وسيلة إعلامية، ام جهة أمنية؟ وبعد تقليب الأمر علي كافة الوجوه، استقر في يقيني ان الغلبة بداخله لقطاع الأمن، فتكاد القطاعات الأخري تختفي مثل القطاع الاقتصادي وما الي ذلك، ليبدو أمام العيان ان هناك قطاعين مهمين، الأول قطاع الأمن، والثاني قطاع التلفزيون. الثاني رقيق ومهذب، والأول في حالة من التمدد لا تتوقف، لدرجة انه اصبح له سلطان علي القطاع الأول، الذي صار في حكم المرأة مكسورة الجناح التي لا تهش ولا تنش.. علي أيامنا بالطبع، ففي هذه الأيام لا توجد امرأة علي هذا النحو.مثلي يستوعب السطوة الأمنية في عالمنا العربي، ويستوعب بطبيعة الحال المكانة التي يحتلها الأمن داخل مرفق إعلامي كجهاز التلفزيون، الذي تراه هذه الأنظمة يمثل السيادة، الي درجة ان اي انقلاب عسكري يضع علي رأس خطته اذاعة البيان الاول من هناك. أتفهم ذلك يا قراء علي الرغم من أننا اصبحنا في زمن السماوات المفتوحة، واصبح الذين يشاهدون تلفزيون الريادة الإعلامية، وغيره من تلفزيونات الأنظمة هم قلة قليلة تسعي للتكفير عن خطاياها بتحمل هذا البلاء، وقد ورد في الاثر ان من الذنوب ذنوبا لا يكفرها الا مشاهدة هذه التلفزيونات. ومن هنا فان إعلان البيان رقم واحد منها لا يعني بالضرورة ان الانقلاب كلل بالنجاح، ما لم تعلن قناة الجزيرة ان تلفزيون البلد الفلاني اذاع بيانا لحركة انقلابية فاذهبوا اليه، وفي اضعف الايمان فان التنويه ينبغي ان يكون عبر روتانا سينما.. مش ح تقدر تغمض عينيك!لست مع الانقلابات العسكرية أو الانتفاضات الشعبية، فانا شخص مسالم، أؤمن بالتغيير السلمي، والذي يتولي أمره عزرائيل نيابة عن الشعوب، وهذا ليس موضوعنا، غاية ما في الأمر أنني أردت التأكيد علي ان الكثافة الامنية داخل التلفزيونات الحكومية في عالمنا العربي مبررة، علي الرغم من ان هذا السيل من الفضائيات تسبب في موت التلفزيونات الحكومية إكلينيكيا، ولا قيمة لها عندما تقع في قبضة الانقلابيين، فتأثيرها محدود، ويتفوق عليها في التأثير (ميكروفون) زميلنا محمد عبد القدوس الشهير، الذي تشاهدونه معه علي سلالم نقابة الصحافيين عبر الفضائيات، والذي اصبح هدفا للحشود الأمنية، وعندما تنجح في خطفه منه، تظن انها أحبطت مئات الخلايا الإرهابية النائمة. وعلي الرغم من أنني أؤمن بالتأثير المحدود لصنف التلفزيونات الحكومية، فإنني استوعب توحش قطاع الأمن في التلفزيون المصري، شريطة ان يكون ذلك لحماية المبني والحفاظ علي مقدراته، لكن الذي يجعل الحليم حيرانا هو ان أداء هذا الجهاز متجاوز لهذا الدور الي درجة التدخل في الشأن الإعلامي، ويصل الي حد التحكم في أسماء الضيوف في البرامج المختلفة، واذا كان القوم ينفون ما هو معروف من التلفزيون المصري بالضرورة، والخاص بوجود قائمة سوداء تتضمن بعض الكتاب الممنوعين من الظهور علي شاشته، لانهم خطر علي أمن البلاد، او لان السلطة ليست راضية عنهم، مثل محمد حسنين هيكل وفهمي هويدي، فان المرء لا يحتاج لان يصدر قطاع الأمن بيانا مختوما بخاتم النسر بهذه الأسماء، فهي معروفة للإعلاميين بدون بيان. في الأيام الأخيرة نُشرت ثلاثة حوارات، في ثلاث صحف مختلفة، مع الجنرال اسعد حمدي رئيس قطاع الأمن في مبني التلفزيون المصري (ماسبيرو)، وفي ظرف أسبوعين تقريبا، فلم يفصل بين هذه الحوارات الثلاثة سوي ايام، والتي تأتي كاشفة للنفوذ والأهمية، وليست منشأة لهما، لاحظ ان هذا لم يحدث مع رئيسة التلفزيون. وعندما تقرأ كلام الرجل وتشعر بنبرة الصلف الأمني، فانك تقف علي قدره بسهولة، وذلك قبل ان تدلف الي نشاطه.سعادته يتحدث عن الثقافة الأمنية، ويقول ان هناك إدارة عامة للتدريب مهمتها تدريب الأفراد والقيادات وتلقينهم بالمفهوم الخاص بالأمن الإعلامي. وهو يعترف بوجود 600 كاميرا لمراقبة العاملين في المبني والمترددين عليه، وعندما يسأله المحرر عن صحة ما يتردد من انه قام بتعيين 300 موظف بقطاع الامن، منذ قدومه قبل شهور، يعترف بان العدد اكبر من هذا، انظر الي الشفافية. وعندما يسأله: اين كان الأمن أثناء ترويج المنشورات ضد (السيدة) تهاني حلاوة رئيسة القنوات المتخصصة، يرد بان المبني به 36 الف موظف، ويتردد عليه 25 الف فرد يوميا، وبه مئة أستوديو ضخم، وعلي الرغم من هذا العدد الهائل من الكاميرات فان هناك أماكن لا توجد بها كاميرات، (واضح انه يقصد دورات المياه؟).لقد تذكرت كيف ان (الجزيرة) لم يكن بها سوي استوديو يتيم، وعندما استحدثت استوديو آخر لقطاع الأخبار، وكنت وقتها هناك وجدت القوم في درجة من السعادة لا تعادلها سوي سعادة الأمير تركي بن عبد العزيز، وحرمه السيدة هند الفاسي، بنجاح ابنهما في الثانوية العامة الأمير عبد الرحمن!لكن ما علينا، فعلي الرغم من هذا القصور في الإمكانيات، حيث لا توجد سوي 600 كاميرا (فقط)، فان الجنرال اسعد حمدي، وبشموخ أمني منقطع النظير، يقول ان رجاله تتبعوا (وضع) المنشورات، وهو عمل فردي قام به شاب يشكو الظلم. ومع انه عمل فردي، فان رجال الأمن البواسل تمكنوا من تحديد هذا المجرم العتويل من بين 36 الف موظف و25 الف متردد (وضبطناه)، و(ضبطنا) معه منشورا اخر كان يستعد لتوزيعه، وقد أنكر في البداية، ولكن عندما شاهد نفسه في الكاميرا اعترف بكل شيء! هذه العملية الأمنية رواها اسعد حمدي اكثر من مرة، يبدو انه فخور بها، وتؤكد ان الحس الأمني عند رجاله مرتفع. وعندما يتحدث عن تحديد المتهم وتتبعه والقبض عليه واعترافه بعد إنكار، تظن انه نجح في إلقاء القبض علي بن لادن، وعندما تقرأ له عن خطته الناجحة في ضبط المنشور قبل توزيعه، تظن انه منع جريمة قبل وقوعها، وان المنشور هو حزام ناسف قرر الفتي الاستشهادي ان يفجر به المبني.. أنها عملية أمنية رفيعة المستوي، تظن وهو لا يمل من روايتها، أنها لا تقل عن الضربة الجوية، التي فتحت الطريق لنصر أكتوبر المجيد!أعلم ان الحديث عن السطوة الأمنية داخل مبني إعلامي كالتلفزيون المصري قد لا تستوعبه عقول البعض، لكن كل من في المبني يعلم ان أي موظف في قطاع الأمن مهما كان صغيرا، أهم من أهم إعلامي فيه، ومن اكبر رأس الي اصغر عامل يعلمون ذلك، وهناك واقعة مضحكة تحمل دلالة عميقة، هي تلك التي حدثت في الأسبوع الماضي وتتم روايتها سرا واخذت اسم واقعة المحشي. فمبني التلفزيون العملاق يوجد في أحد طوابقه مطعم فخم.. احتفظ برقم الطابق حتي لا يقال أنني أسرب الأسرار العسكرية للأعداء. وفي هذا المطعم يوجد به وبأرخص الأسعار، ومجانا للبعض، ما لذ وطاب، ومن المحمر والمشمر الي طشة الملوخية، التي كتب أحد رؤساء الصحف الحكومية البواسل، ان الرئيس مبارك محروم منها، في معرض ذكره للتضحيات الجسام التي يقوم بها الرئيس، من اجل الشعب، وحتي يحافظ علي صحته ليبقي ذخرا لنا!لقد كان المحشي ضمن طلبات عدد من الإعلاميين الكبار والصغار، في أحد أيام الأسبوع الماضي، وقد اخبرهم النادل بأن من سبق أكل النبق، وانه لم يعد لدي المطبخ ولا (لفة محشي) واحدة، وبعد قليل دخل أحد رجال الأمن بصحبة رهط من الأمنيين بالمبني وخارجه، وطلب (محشي)، وفوجئ الجميع، ولعلهم لم يفاجأوا، بدخول أطباق المحشي بعد قليل، فقد اضطر العاملون في المطعم الي تجهيزها (مخصوص) بعد نفادها، استجابة للرغبة الأمنية.في الواقع ان هذه الواقعة هينة، فلا يوجد إنسان مات لانه قرر ان يأكل محشي وتعذر ذلك، وانما قيمتها في دلالتها، وعندما تصبح الكلمة للعليا في مبني التلفزيون المصري لرجل الأمن وليس للإعلاميين، فانه من الطبيعي ان يكون أداؤه باهتا، وتسحب منه الريادة الإعلامية، والي الأبد.قناة ساويرس عندما علمت ان رجل الأعمال نجيب ساويرس يفكر مع مجموعة من رجال الأعمال في إنشاء قناة إخبارية، أرجعت ذلك الي نهم رجال الأعمال، وغريزتهم الطبيعية في التملك. فساويرس أطلق مؤخرا قناة (otv) كان عليه ان يهتم بها، بدلا من ان يتعامل معها علي انها رقم في حوزته، ويسعي الي ضم جارية أخري الي ممتلكاته، لاسيما وان أداء القناة حتي الآن أصابني بخيبة أمل، وانا الذي كنت أتصور أنها ستمثل إضافة للقنوات الجادة، فقل في الرجل ما في الخمر، لكنه يظل صاحب وجهة نظر، قد تختلف معها للصبح، لكن ستمكن قناته من ان تتحرك برؤية، لا تزال تفتقدها حتي الان!قلت في عقل بالي ان ساويرس لم يدخل السياسة الي قناته، ولو بقدر يسير، وكان عليه ان يجعل هناك جانبا للسياسة والأخبار قبل ان يفكر في ان يتملك قناة اخري، لكن ما علمته ان الأمر ليس بالسهولة التي كنت أتصورها، فإنشاء قناة إخبارية او سياسية يحتاج الي موافقة الجهات المختصة في البلاد منذ البداية، وليس متاحا ان يحصل أحد علي رخصة بقناة اجتماعية فيحولها الي قناة إخبارية، فقد يتم تحويل قناة منوعات الي قناة دينية، وقد يحدث العكس، لكن الفضائية السياسية بالذات لها اشتراطات خاصة، ان أرادت ان تبث من المحروسة!ولهذا فان حلم ساويرس في تملك قناة إخبارية لم يتحقق بتملكه رخصة (otv). ومشكلة المسؤولين المصريين الذين أغرقونا بطوفان فضائيات الهشك بشك انهم ينظرون تحت أقدامهم، عندما يرفضون الترخيص للقنوات الإخبارية، ذلك لان ارض الله واسعة، والبلاد التي يمكن ان تسمح بذلك كثيرة، وعليهم ان يستيقظوا من رقادهم قبل ان يفوتهم القطار، كما فاتهم من قبل في مجال الريادة الإعلامية.. يرحمها الله.أرض ـ جو في عهد وزير الإعلام المصري السابق ممدوح البلتاجي كتبنا عن ظاهرة مديرة مكتبه التي كانت تتعامل علي انها هي الوزير، والان الكل يتحدث عن وزيرة الإعلام الجديدة إيناس عطية.. لا مانع لدي من ان تكون المذكورة وزيرة للإعلام، فقد كانت لدي موانع من ان يكون انس الفقي هو الوزير، ومع هذا لا يزال وزيرا. وانما المانع ان يتقاضي الوزير راتبه من خزانة الدولة بينما الست إيناس هي الوزيرة.. حتي حرام.كاتب وصحافي من مصر[email protected]