التليفزيون المصري يرفع توريث الفن شعارا للمرحلة والعرب يبحثون عن استراتيجية تايهة يا ولاد الحلال

حجم الخط
0

د. عماد عبد الرازق

التليفزيون المصري يرفع توريث الفن شعارا للمرحلة والعرب يبحثون عن استراتيجية تايهة يا ولاد الحلال البلد علي وش توريث.

يضطلع التليفزيون المصري حاليا بدور جديد، اشك في أن يكون أي تليفزيون عربي آخر قد سبقه إليه، بوصفه بالطبع كان رائدا في كل المجالات الطيب منها والخبيث، من البرامج الجادة والتافهة، الي نشرات الأخبار المميتة مللا ورتابة وبلادة، وبرامج الافتاء الديني لكبار وصغار الشيوخ ذوي الذقون وحالقيها، وليس انتهاء بالفوازير وبرامج الكاميرا الخفية.

يلعب التليفزيون المصري دورا خفيا او لنقل مضمرا في الترويج لسيناريو التوريث، وهو دور لا يلغي ولا ينبغي ان يعمي أعيننا عن الدور المباشر الذي يلعبه هذا التليفزيون علي نفس الصعيد عبر الأحاديث واللقاءات الماراثونية مع صاحب السمو الفرعون الصاعد الواعد القابع في قدس الأقداس في معبد لجنة السياسات.

من يتابع برامج الفنانين والفنانات ونجوم الأفلام والمسلسلات ويستطيع تحمل سماجتها وتفاهتها ولو لبعض الوقت، سيكتشف أن المساحة التي تعطي لأبناء الفنانين والفنانات فيها لا تقل عن تلك التي يحتلونها بالفعل في الأعمال الفنية. الأهم من ذلك ان التركيز هنا ليس علي الأعمال المشاركين فيها فقط بل علي أن تلك المواهب والعبقريات ورثوها أبا عن جد.

في حوار مع أبطال فيلم جديد تولي منتج الفيلم، أحد أفراد قبيلة العادلي المنتشرة انتاجا وتأليفا وتمثيلا وما خفي كان أعظم، تقديم الأبطال الي المذيعة عل أنهم جميعا من حاملي الجينات الفنية التي تجري في عروقهم مجري الدم. ابن فاروق فلوكس، ابن أحمد ماهر، بنت سمير غانم ودلال عبد العزيز، ابن سعيد عبد الغني، وهناك كثيرون في البرامج الأخري، ابن محمود ياسين وشهيرة، ابن فاروق الفيشاوي، بنت جلال الشرقاوي، ابن عادل إمام، أخوة إلهام شاهين، بنت أشرف عبد الغفور، بنت محمد شوقي، والأجيال تتوالي إلي أن يأتي يوم يصبح الفن حكرا علي أبناء الفنانين والفنانات.

في حوار آخر مع حسين حسن الأمام، ابن مخرج الروائع وملك الميلودراما في السينما المصرية، روي كيف كان يتعرض لنظرات الزملاء والأصدقاء الغريبة أو المستهجنة لمجرد أنه دخل الوسط الفني من باب أنه ابن المخرج المعروف ولم يكن أحد مستعدا لأن يعترف له بموهبة من أي نوع.

في تلك الأيام، يقول حسين الإمام، كانت تلك مسألة شاذة أو غير مألوفة، أما اليوم، والكلام له أيضا، فقد صارت من أكثر الأمور عادية؟! وهذا هو بيت القصيد.

لم يعد أحد في مصر المحروسة يناقش القضية ولا يستهجنها ولا يعترض عليها، لأن هذا هو ناموس الحياة الطبيعي: الفنان لا يلد إلا فنانين، والفنانة لا يمكن ان تحمل ألا بأجنة فنانة، والإعلاميون ينقلون إلي ذريتهم الجينات الإعلامية، وكذا أساتذة كليات الطب، وهم أول من أطلق هذه الموجة الوراثية في السبعينات واحتكروا بها مقاعد هيئات التدريس لذرياتهم، ومن يومها وتيار النظام العائلي في تصاعد مستمر حتي أوشك أن يبتلع البلد بأكمله، وصار قاب قوسين أو أدني من توريثها.

فما الذي تغير منذ أيام صعود حسين الإمام حين كان غرا صغيرا في كنف أبيه، حتي اكتشفت مصر فجأة حكاية الجينات السحرية هذه. ولماذا لا ينسحب هذه الاكتشاف العلمي الفذ المفاجئ علي أبناء الأدباء والشعراء والموسيقيين؟ أين هم الأدباء من نسل طه حسين وتوفيق الحكيم، ومحمود تيمور، ونجيب محفوظ ويوسف إدريس، والشعراء من نسل أحمد شوقي وحافظ إبراهيم وعلي محمود طه، وبدر شاكر السياب، ونازك الملائكة، ومحمود درويش وسميح القاسم ومظفر النواب؟

ولماذا لم ينجب صلاح عبد الصبور أو عبد الرحمن الشرقاوي شاعرا مسرحيا؟ ولماذا لم يورث محمد عبد الوهاب عبقريته لأحد؟ ومسكين هو فريد الأطرش الذي مات قبل أن يورث عبقريته لأحد. وكيف فات كل من وليام شيكسبير، وفيكتور هوغو، وموليير وراسين وكورنيه أن يتركوا للبشرية ذرية تحمل ولو النذر اليسير من وهج العبقرية.

وأرجو أن يفيدنا الزميل العزيز أمجد ناصر ما إذا كان قد ورث جينات موهبته الشعرية والأدبية لأي من ذريته السعيدة. أنا أقول لكم؟ لأن هذه الإبداعات لا يمكن أن تصدر إلا عن مواهب حقيقية ولا يمكن لكل من هب ودب أن يدعيها. وإن تجرأ وفعل فمصيره السقوط سريعا الي غياهب النسيان.

والأمر له علاقة أيضا بآليات التلقي في هذه الإبداعات التي تحكم العلاقة بين المبدع وعمله ومن يتلقاه. فبوسع أي كان ان يدعي أنه شاعر أو روائي ويكتب ما يشاء وقد يجد مأفونا ينشره له أو ينشره (بفلوسه) لكن هيهات ان يجد من يشتريه او حتي يقتنيه بالمجان ولا حتي يقرأه.

(ألم ينشر العقيد القذافي مجموعة قصص قصيرة واستأجر حفنة من النقاد الملاكي ينظرون لعبقريته الفذة التي تبرعمت في البداية من خلال الكتاب الأخضر؟)

والأمر نفسه ينسحب على الغناء، فلا يجرؤ مطرب أن يدعي لابنه موهبة ليست عنده ويقدمه في حفل عام، لأن الجمهور سيقذفه بالبيض والطماطم إن لم يكن بالحجارة. هذه مواهب تفضح من لا يملكها ويدعيها، ولا تفلح معه أنصاف الحلول.

وأما التمثيل والإعلام وما شابه فمن السهل على أي فسل أن يدعيها، ومع تدني مستويات التلقي وانحطاط الذوق العام وانعدام النقد تقريبًا (فيما عدا النقاد الملاكي الذين يستأجرهم كل فنان أو فنانة) لن يكون هناك من يفرق بين الغث والثمين، أو بين التمثيل الدرامي والتمثيل الكولورفيللي، بين مذيع ناجح وآخر بليد، أو متلعثم، أو وقح، أو مذيعة قبيحة تتغندر وأخرى جاهلة تتثاقف.

على هذا النحو تسير مصر المحروسة بخطى أكيدة نحو تقبل وراثة المهن والمناصب والوظائف والمواهب والشركات والبزنس كأكثر الأمور طبيعية في الحياة. فلماذا تتوقعون أن تشذ الحياة عن سنتها الطبيعية حين يتعلق الأمر بوراثة الرئاسة؟

بل إن هذا هو بالضبط التعليق الذي نقل عن الرئيس مبارك في إحدى الحفلات الخاصة التي كان ضيفًا عليها، وتوالي عليه حفنة من كبار رجال الأعمال يعرفون بأنفسهم وبمشاريعهم العملاقة، وقد اصطحب كل واحد منهم ابنه ليقدمه للرئيس على أنه المحروس الفذ الذي سيتولى إدارة المشروع. فلم يتمالك الرئيس نفسه وأسر إلى أحد رجالاته بالقرب منه: “اشمعنا يعني جت الحكاية عند ابني ووقفت؟!”.

صحيح، اشمعنا؟ حتى أمثالنا الشعبية تؤكد هذه السنة الطبيعية جدًا للحياة: “أفلا يقولون إن من شابه أباه فما ظلم”، و”من شب على شيء شاب عليه”، و”اقلب القدرة على فمها تطلع البت لأمها”، و”ابن الوز عوام”، و”من ولد لرئيس صار رئيسًا، وإن بعد حين”.

العرب يتسولون استراتيجية. على واحدة من ثلاث قنوات مدعومة بالأموال العامة في الولايات المتحدة تعرف باسم سي سبان، بث برنامج خاص عن إيران تضمن حلقة نقاش بين عدد من المختصين في الشؤون الإيرانية والشرق الأوسط بوجه عام في حضور جمهور من عامة الناس والمهتمين. السؤال المحوري بالطبع كان حول الخطر الذي تمثله إيران إذا ما تحولت إلى دولة نووية، وماذا عساها الولايات المتحدة فاعلة لوقف هذا التهديد.

وتطرق النقاش إلي دور الدول العربية، وبالأحري دورها الغائب أو شبه المعدوم. وردا علي هذا السؤال قال أحد الضيوف، وهو باحث في معهد بروكينغز اسمه كينيث بولاك، بأن المسؤوليين الأمريكيين طرحوا هذا السؤال علي نظرائهم في الدول العربية خاصة دول الخليج: ماذا ستفعلون لو صارت إيران دولة نووية؟

فكانت الإجابة المباشرة تأتيهم: ماذا ستفعل أميركا؟ وعلق الخبير علي ذلك قائلا العرب لا يفكرون استراتيجيا.. فقط خطوتان أو ثلاث للأمام. Arabs don’t think strategically, only two or three steps down the road. وبالنهاية، يقول الخبير، كل ما تفعله دول الخليج هو التعايش أو التكيف مع إيران، خاصة في غياب توازن القوي الذي كان قائما حتي وقت قريب، بعد أن صار العراق بلدا محطما (A Broken Country) علي حد تعبيره.

ولتقارنوا هذه الكلمات بالتعليقات التي صدرت عن هذه الدول، وقد انضمت اليها مصر والأردن، في أعقاب جولة وزيرة الخارجية الأمريكية الأخيرة في المنطقة، والتي تبلورت في بيان صدر عن هذه الدول يذكي ويؤيد ويدعم كاملا خطة الرئيس بوش الجديدة للعراق. (وأوشكت بعض هذه الدول في تصريحاتها المنفردة ان تستخدم العبارة التقليدية المستهلكة: تطابق كامل في وجهات النظر بين الطرفين).

في نفس هذه اللحظات التي كانت الدول العربية المذكورة منهمكة فيها بالتصديق علي الخطة المباركة، كانت المعارضة لها علي اشدها وتزداد ساعة بعد أخري في قلب العاصمة الأمريكية، في غضون دقائق من خطاب بوش الذي أعلن فيه خطته، صدر بيان رسمي يمثل وجهة نظر الحزب الديموقراطي، وفي غضون يومين بيان مشترك ضم ثلاثة من كبار مجلس الشيوخ الحزبين الديموقراطي والجمهوري، جوزيف بايدن (مرشح للرئاسة)، وكارل ليفين، والجمهوري تشك هيغل الذي ذهب الي حد اتهام الرئيس بوش باتباع سياسة خارجية خطيرة جدا سوف تقود البلاد الي مستنقع لا نجاة منه.

وتبع ذلك بيانات فردية من كل من هيلاري كلينتون و باراك أوباما وكلاهما مرشح للرئاسة في 2008. كل هؤلاء اعتبروا الخطة تصعيدا للحرب وعلي نقيض تام لما أسفرت عنه نتائج انتخابات الكونغرس النصفية العام الماضي، التي كانت استفتاء بالرفض علي حرب العراق ودعوة لعودة الجنود الي الوطن بأسرع وقت ممكن.

كل هذا لم يكن له أي صدي أو ترددات او مجرد ذكر ولو علي سبيل التكتيك او المناورة السياسية في الدول العربية التي عانقت الخطة بالأحضان. ومن كان منكم بلا استراتيجية، فليبتع لنفسه واحدة من السوبر ماركت او سوق الخضار، أو يبعث مناديا في الأسواق ينوه بأن هناك استراتيجية تايهة يا ولاد الحلال، فإن لم يجد كل هذا فلا مفر من أن يتبني واحدة، ثم يصفع نفسه علي قفاه.

عشية إعلان الرئيس بوش خطته، استضافت الجزيرة نقاشا ضم كلا من الدكتور منذر سليمان من واشنطن، والدكتور عمر حمزاوي وكاتب كويتي في الاستديو.

تساءل د. حمزاوي، لماذا لا تتبني الدول العربية استراتيجية مماثلي لتلك التي تبنتها أمريكا بشأن الملف النووي لكوريا الشمالية، وتقضي ببحث القضية من خلال محادثات سداسية الأطراف تضم الدول المعنية مباشرة بالقضية، وهي الكوريتين والصين واليابان وروسيا والولايات المتحدة؟

الكاتب الكويتي رد بأن الجامعة العربية مؤسسة عقيمة ولم يحدث ابدا أن حلت أي قضية عربية (وماذا عن احتلال العراق للكويت الذي استصدرت الجامعة قرار خاصا له شرع الاستعانة بالقوات الأجنبية والصديقة؟). وعلي فرض أن ذلك صحيحا، ماذا عن مجلس التعاون الخليجي، المعني في المقام الأول بملف إيران النووي؟ هل هو ايضا مؤسسة عقيمة. هنا سكت الكاتب الكويتي عن الكلام المباح.

ناقد سينمائي من مصر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية