التماسك مطلب المرحلة
التماسك مطلب المرحلةمعركتان تقضان مضجع الأمة، معركتان إن كسبتهما الأمة انتقلت من الذلة والصغار لتتربع علي عرش العزة والكرامة، وحطت عنها آفة التجزئة والكراهية لتعانق التعاضد والمحبة، هما معركة الكرامة التي تخرج العباد من عبادة العباد إلي عبادة رب العباد حيث الحرية والعدل والمساواة، ومعركة السلم التي تخرجهم من التنابز والتناحر إلي عالم الرحمة والمودة وتدبير الاختلاف بالشوري والتناصح.إن رفع مبدأ الكرامة عندنا ليأتي في سياق داخلي وخارجي سمته الغالبة هي الظلم الذي يصيب الإنسان في لسانه، فلا حق له في التعبير والاحتجاج إلا بالمقاس الحافظ للكيانات الجبرية، التي تزين واجهة حكمها بالديمقراطية المزيفة، والتمثيليات المحبوك إخراجها بين موالاة ومعارضة وأحزاب تنوعت ألوانها، وتوحدت جميعها في خدمة الحكام ومآرب أولي الأمر هو ظلم يصيب الإنسان في معاشه، فتغدو مقدرات الأمة وترواثها في يد ثلة قليلة من الناس، بينما تكابد الغالبية الفقر، وتكابد البؤس في البوادي كما في المدن، عند النساء والرجال، العاطلين منهم والعمال، بل إن وادي الفقر تجرف سيوله الآن الطبقة الوسطي التي تضم مفكري الأمة ومثقفيها. وهو ظلم يصيب الإنسان في لسانه، فيسجن الشرفاء، ويقتل الساعون إلي العدالة، ويهمش الشعب من أن يقرر مصيره بيده، فينجم عن ذلك حربا اجتماعية لا تبـــــقي ولا تذر، فتنمــــو أحزمة البؤس، وتتكاثـــــر الجريمة، ويغيب الأمن، ويشتد المرض، فلا غرابة أن تصبح بلادنا وكرا للسياحة الجنسية، وبؤرة لتفـــــريخ أفــــواج الانقتاليين، ومصدرا أولا للحشيش والبغايا.حرب هناك علي الحق، وأخري علي المعاش ،والضحايا في تزايد، والأزمة تستفحل، ولا بارقة أمل في الأفق إلا أن نبادر جميعا فنؤسس لمعالم طريق جديدة، لا لنقول بجاهلية المجتمع، ولكن بمرضه الذي نحن ضحية من ضحاياه ومسؤولون عن المساهمة في إيجاد مخرج لبلاياه، خصوصا وان الوضع ما فتئ يتفاقم، والفرقة ما انفكت تستحكم، وأعداؤنا لم يكتفوا بإعمال مشرط التقسيم في البلاد الإسلامية وفق تركة سايس بيكو . بل إن معالم النظام الدولي الجديد، وهندسة الفوضي الخلاقة للآنسة كونداليزا رايس تسير قدما نحو تقسيم المقسم وتجزيئ المجزأ، إما وفق النعرات اللغوية بين العرب والامازيغ والأكراد والتركمان، أو وفق المذاهب داخل الدين الواحد، أو عبر إشعال فتيل النزاعات الإقليمية في الصحراء غربا، أو في دارفور بالسودان وانتهاء بما يجري في اندونيسيا شرقا..ولم يكتف دهاقنة الفوضي الخلاقة بذلك بل اعتمدوا علي طابورهم الخامس من اجل تكريس العداوة بين شقي المجتمع، أي بين الرجل والمرأة عبر ضرب التماسك الأسري عن الطريق الخلط بين الوظائف، والإعلاء من شأن الأنا المرضية، حتي إن الإنسان في غمرة هذه السلوكيات ينسي أبويه، ويبني علاقته مع زوجته علي المصلحة والتحارب، والعكس صحيح، وينسف الأخ أخاه بله جاره، وهكذا تصبح الأسرة مزقا، والمجتمع أشلاء، والدولة تسير بالأشباح العائدة علي حد تعبير عبد الله العروي، والأمة شتات في شتات، وكل بما لديهم فرحون، ففي حمية الجاهلية يرفع البعض لافتة التميز العرقي، وفي استعلاء الجاهلية يحسب البعض أن الأسرة غنيمة تتداولها السلطة الابيسية أو الاميسية والضحية هو المستقبل، ويصب الباقون الزيت علي النار، فينسي اليساري الفقر والفقراء والتخلف والجهل ليجعل همه الرئيس محو الإسلامي من الوجود وان كان غارقا في البؤس، وينسي الإسلامي العدل والإصلاح والتجديد والإحسان ليجعل الهم الأعظم عنده اجتثاث اليساري من المنبـــــــع وان نخر دود الاستبداد والظلم عظمه والمستفيد هــــــو الاستبداد الذي يوظف الجميع، ويبني استقراره علي تطاحن المظلومين الذين يظـــــنون ـ سذاجة ـ أنــــهم يتصارعــــون في دائرة الديمـــــقراطية والتعددية.حسن اعبيدورسالة علي البريد الالكتروني6