التمثال

حجم الخط
0

د. توفيق قريرة رنّ الهاتف فلم أرفع السماعة عمدا حتى يتشوق لصوتي من يتصل بي .. و لكني و كعادتي لم أطق صبرا على اكتشاف من المتّصل فرفعت السّماعة .. جاءني صوت باردٌ كالجليد : غدا صباحا على الساعة العاشرة تماما تعال إلى المكتب رقم 5 صحبة الوثائق .. تصلك الدعوة على هذا الفاكس و فيها العنوان.. و أغلق الخط بانفعال شديد كمن أغلق الباب عليك لا يريد أن يرى وجه النحس الذي لك ثانية.. لم أفهم شيئا من المكالمة و لم يترك لي صاحبها وقتا كي أشرح له أني لست المقصود.. ابتسمت بيني وبين نفسي ثمّ أطلقت ضحكة عالية حين استرجعت الموقف ثانية.. لحسن الحظ أن جناح القصر الذي أنا فيه كان خاليا من أهله .. الخدم كانوا في مواضع أخرى بعيدة عني.. ألبستني كبيرة المزيّنات معطفي و سوّت بعناية شعري ووضعت إحدى معاونتها قبعة الفرو و وشاح الرقبة و رشّت أخرى عطر الثلاثاء في مواضع منتقاة ..و فتحت لي الأبواب لأخرج باتجاه عملي ..لكنّ شيطانا ماردا في داخلي قال لي : ما رأيك لو انتظرت قليلا حتى يبعثوا الدعوة بالفاكس .. و اضاف : عليك أن تعرف تفصيلا مهمّا في الحكاية.. أجبته و أنا أضحك منه و أنصرف باتجاه الباب الخارجي : عن أيّ فاكس يا صديقي تتحدّث .. سيكتشف المتّصل أنّه كان يتكلم على العنوان الخطأ .. لعنته ثم قلت دون أن يسمعني : شياطين آخر زمان.. حَمقى و مغفلون.كان السائق في الخارج يحييني بانحناءة من رأسه و يفتح لي الباب .. لمّا امتطيت السيارة نبهني السائق إلى أنّ الخادم يحمل إليّ شيئا .. فتحت الشباك من ناحيته فمدّ إلي بورق طويل قائلا: فاكس جاء الساعة يا مولاي.. تذكّرت الشيطان و ابتسمت قائلا : ليست الشياطين دائما ظَلومَة.. تحركت السيارة و وقرأت أوّل ما قرأت بصوت جهير العنوان الذي كان مكتوبا بخطّ عريض : شارع ولي العهد ، عمارة الملوك السبعة الشقة َ13ج.. قرأت بقية الرسالة بصمت.. الدعوة كانت موجهة إلى شخص اسمه الأصغر مثل اسمي و اسم عائلته كاسم عائلتي .. ضحكت من تشابه الأسماء .. وأخذني من سكون الشوارع تفكير مبهم في أشياء كثيرة عن عائلتي .. انتبهت على صوت السائق يقول لي: هذا هو العنوان يا مولاي.. هذه عمارة الملوك السبعة و نحن في شارعكم . شارع وليّ العهد.. تعجّبت كيف عدل السائق بي عن عنوان عملي.. لكني فهمت أنه سمع قراءتي للعنوان بصوت رفيع.. قلت له : عُد أنت إلى الشركة و اخبر السكرتيرة بأني سأتأخّر بعض سويعات.. وقفت لمدة أمام العمارة .. كانت هامات سوداء هنا و هناك أمام العمارة و خلفها و في الشارع و تحت الشجر .. تردّدت في الدخول لكنّي قلت مواقفا هذه المرة شيطاني : لنكسّر رتابة الأيّام و لنرَ ما الأمر ؟ دخلت وفي يدي ملفي الفاخر.. جلست قليلا في قاعة انتظار فخمة قبل أن تطلب مني حسناء هناك المراسلة التي وصلتني قالت لي: هل الوثائق معك؟ والتفتت إلى ملفي الفاخر أشرت إليه قائلا : هو بين يدي.فتحت ملفي نظرت فيه هي كشوفُ حسابات قديمة لي عن شركة أفلستها عمدا.. خمّنت و انا أنتظر: تُرى ما يكون الأمر ؟ و من الشخص الحقيقي المطلوب ؟ خفت من أن اكتشف فقررت الهرب.. وحين اقتربت من الباب الخارجي أسرعت إلي الشقراء الأولى .. قالت : السيد بالانتظار تفضّل.. ليس لي مهرب غير إتمام الفصل الأخير ..دخلتُ عليه : قال لي: ماذا لديك من وثائق؟ قلت: كشوف مالية ..مدّ يده لاستلامها .. وهو يقرأ وثائق أخرى منشورة على مكتبه .. وجدت نفسي أمثّل دورا مثلته سابقا .. أو هكذا خيّل إليّ.. يقتضي الدور أن أجلس في هدوء و أمتنع عن تسليم الكشوف.. و أقول لذلك الجالس قبالتي نصا حفظته عن ظهر قلب: ليس قبل أن تسلمني العُهدة.. ابتسم تماما كما في الدور وقال لي: معك حقّ فأنت جديد معنا في هذا العمل .. ضغط على الزر كما انتظرتُ أن يفعل فجاءت شقراء ثانية بلباس أنثوي مُفرط الإغراء .. تناولت سيجارة من العلبة الموضوعة على المكتب و أشارت إليّ برأسها أن أشعلها لي.. تناولت المِقْدَحَة الفاخرة من جيبي و بكلّ اللطف الذي يستحقه المشهد أشعلتُ النّار .. حين اقتربت بسيجارتها في فيها من النار أطفأت المقدحة.. يقتضي الدور الذي بتّ أستحضر تفاصيله جيّدا أن يخرج السّيد الجالس على المكتب متظاهرا بجلب شيء من الخارج.. تقف الشقراء المثيرة أمامي هنيهة لأرى كثيرا من تفاصيل أنوثتها .. ثنّ تمشي بصلف فتّان و تقف ورائي تماما ثمّ ينزل رأسها الصغير قليلا قليلا و تدير يدها الرقيقة حول رقبتي و ترسل شعرها على كتفي الأيسر و تمرّر سَبّابتها على رسم شفتيّ و تهمس في أذني: ما رأيك لو تصبح أنت السّيد ههنا؟ عليّ أنْ أحرّك أفقيا و دون تشنّج رباط عنقي و أفتح كالواثق قفل قميصي الأعلى و أقف متوازنا شامخا و أ قرّب وجهي من وجهها مسافة مثيرة و أتناول السيجارة من فمها و تشعلها هي لي و أستنشق نفسا طويلا و أرسيه قريبا من شعرها ليتسلل الدخان الخفيف بين خصلات شعرها ..دورها الآن أن تحملني من يدي بلطف و لا أمانع و تجلسني على الكرسي الكبير ..و دوري أن أتردّد في الجلوس و أتظاهر بتسليمها الأوراق لكن أضع الأوراق من جديد على المكتب و أقول بصوت رجولي خشن: انتهى دورك،هيا اذهبي الآن و اطلبي لي كبير المشتشارين ليحضر حالاّ ، خرجتْ عن النص حين نظرت إلي بازدراء كبير ، و خرجت عن النص حين طأطأت رأسي مُتجاهلا.. لا أتذكّر شيئا الآن إلاّ دوري الذي عليّ أن أنهيه بسلام لكن بفنّ .. ابتعدت عن المكتب و رحت أتأمّل اللوحات المعلّقة في المكتب هناك صور كثيرة لرجل واحد تتكّرر بهيئات و بألبسة متنوعة .. ليس وجه هذا الرجل غريبا عنّي.. لست أدري متى رأيته و لا أين رأيته .. شيء ما بدأ يدب في فكري كالأنامل الحارة التي تزحف على جسم بارد.. بدأت أتذكّر شيئا فشيئا هذا المكان ..حبست أنفاسي و أغمضت عيني و أنا أجلس على أريكة من الأرائك الوثيرة ..فجأة مرّت بخيالي صورة .. وقفت مسرعا أبحث في ركن ما من المكتب .. أين التمثال؟ .. هاو هو لقد وجدته.. في المكان الذي خبأته فيه .. فتحت شيئا كالقفل السري في موضع سرّته و أخرجت ورقة .. هي نفسها التي خبّأتها منذ مدة .. لم يلمسها أحد .. قرأت : هذا هو العهد يا ولي العهد ..حافظ عليه .لا تدع النسيان ي.. ابتسمت .. خارت قواي و تهالكت على أوّل أريكة في المكتب .. دخل من الباب خلق كثير كان فيهم ذلك الذي في الصورة و سائقي هذا الصباح و الشقراء الأولى و الثانية و سيد المكتب و الخادم .. كلهم دخلوا و صاحوا : عوفيت يا سيدي .. حمدا لله على استرجاع الذاكرة.. دفنت رأسي في ثوب ذلك الجليل الذي في الصورة : قلت : عذرا جلالتك .. قال : اليوم عاد العرش إلينا بعد أن استعدت ذاكرتك يا ولي عهدنا. استرجعت و أنا أتمرّن على استرداد الذاكرة صوت طلق رصاص من جماعة على موكبي .. تساءلت : لماذا أرادوا قتل ولي للعهد.. ؟ صرخت في جلالته: لماذا أرادوا قتل ولي العهد ؟ صفق ذاك الجليل الذي ما عدت أعرف من يكون و خرج من في القاعة كالحَزَانَى.. لم أعُدْ أرى تمثالا و لا صورا .. لا شيء غير صوتي الذي يدور في طبلة أذني .. أكسروا التمثال.. كاتب من تونس qadqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية