نعت ‘الحملة المدنية لديمقراطية الانتخابات’ الى الشعب اللبناني وعموم المواطنين، الديمقراطيةَ في لبنان، ودعت الى الصلاة على روحها الطاهرة في مسرح الجريمة، مجلس النواب، في 31/5/2013، تاريخ اجتماع المجلس للتصويت على اقتراح قانون بتمديد ولايته لمدة سنة وخمسة اشهر.
التمديد للمجلس لا يعني ‘وفاة’ الديمقراطية فحسب، بل ايضاً تأكيد ‘تمديدات’ وتحديات إضافية:
اولها، التمديدُ للازمة المستفحلة بكل جوانبها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ذلك أن النواب والوزراء المسؤولين عن تفاقم الازمة سيبقون هم أنفسهم في سدة المسؤولية، او بالاحرى اللامسؤولية السياسية والادارية، ما يعني المزيد من الشيء نفسه.
ثانيها، التمديدُ لقانون ‘الستين’ (قانون الانتخابات للعام 1960 الذي جرى تعديله العام 2008) ما يعني إجراء الانتخابات النيابية القادمة وفقاً لإحكامه، إلا اذا تمكّن اهل النظام من التوافق على قانون انتخاب مغاير.
ثالثها، العودةُ الى التجاذب والمماحكة في شأن تشكيل الحكومة الجديدة، ذلك ان الرئيس المكلف النائب تمام سلام لم يتمكن منذ استقالة حكومة نجيب ميقاتي من تشكيل حكومته. يبدو ان تأليف الحكومة الجديدة سيأخذ وقتاً طويلاً، ربما لأشهر عدة، بسبب إصرار قوى 8 آذار على ان تمتلك الثلث الضامن او المعطل من مجموع وزراء الحكومة الجديدة، فيما يرفض الرئيس المكلف هذا الشرط، وتؤيده في موقفه قوى 14 آذار.
رابعها، تعثر تمام سلام في تأليف حكومته يعني بقاء حكومة نجيب ميقاتي في حال تصريف الاعمال (والاقوال!) مدةً طويلة قد تصل الى اكثر من ستة اشهر. هكذا يستفيد ميقاتي من قانون التمديد لمجلس النواب، وقد يدفعه ذلك الى المطالبة بتجديد الثقة بحكومته تحت طائلة اعلانه العصيان عن تصريف الاعمال.
خامسها، انفجار مشكلة سلسلة الرتب والرواتب مرةً اخرى في وجه حكومةٍ كانت اخفقت في حلها، وتجد ان كرة النار عادت الى ملعبها من دون ان تتوافر لها مقوّمات جديدة للحل.
سادسها، اقتراب موعد بلوغ كل من قائد الجيش العماد جان قهوجي، وقبله رئيس الاركان اللواء فادي سلمان، سن التقاعد من دون توصل قوى 8 آذار و14 آذار الى التوافق بشأن رفع سن التقاعد لتمكينهما من الاستمرار في الخدمة.
سابعها، اعلان وزير الطاقة والمياه جبران باسيل ان المعلومات الاولية المستفادة من اعمال المسح التي تجريها شركة ‘سبكتروم’ في المنطقة الاقتصادية البحرية اللبنانية الخالصة، تشير الى وجود ما بين 15 و20 ترليون قدم مكعب من الغاز، الامر الذي سيحمله على مطالبة مجلس الوزراء ( في حكومة تصريف الاعمال؟) الى إقرار مرسومي المياه البحرية وانموذج عقد النفط قبل 3/9/2013، اي قبل شهرين من موعد فض العروض وإجراء المناقصات المفترض ان تتم اواخرَ شهر تشرين الثاني /نوفمبر 2013، على ان يليه استحقاق توقيع العقود مع الشركات الفائزة في شباط/فبراير 2014. لا احد يعرف مسبقاً موقف رئيس حكومة تصريف الاعمال نجيب ميقاتي من طلبات وزير الطاقة العوني. هل يوافق على دعوة مجلس الوزراء للانعقاد والموافقة على المرسومين المطلوبين، ام انه سيرفض تضامناً مع رئيس جبهة النضال الوطني وليد جنبلاط ، الذي يكافح من اجل اقصاء باسيل عن وزارة الطاقة وإحلال وزير من كتلته محله. هذا مع العلم ان المشكلة نفسها ستواجه تمام سلام في سياق مساعيه لتشكيل الحكومة الجديدة، اذْ تتصارع جهات سياسية عدة لتكون وزارة الطاقة من حصتها.
ثامنها، احتمال قوي بأن تتطور الازمة السورية على نحوٍ تفيض معه بعض جوانبها المذهبية على لبنان، وتستولد تداعيات سلبية في المشهد اللبناني وتزيد ازمته المستفحلة تعقيداً واستعصاء.
تاسعها، نشوء استحقاق دستوري بالغ الأهمية بين 25/3/ و25/5/2014 هو انتهاء ولاية رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، وبالتالي وجوب انتخاب رئيس بديل. الرئيس سليمان يؤكد انه لن يقبل التمديد له بأيةِ صيغة كانت، فيما يقول سياسيون نافذون إن التمديد لمجلس النواب ينطوي على توافق ضمني لتمديد ولاية الرئيس سليمان مدة سنتين، بانتظار توليف تسوية مقبولة للأزمة السورية تنعكس ايجاباً على الدول المجاورة.
عاشرها، تفاقم الازمة الاقتصادية وانعكاسها على الوضع الاجتماعي، في اعقاب نزوح مئات آلاف السوريين والفلسطينيين الى لبنان، وتزايد اعباء القطاع العام وضمور فرص التثمير امام القطاع الخاص، في وقت استمر الدين العام في التصاعد الى ما يزيد عن 60 مليار دولار امريكي.
الى ذلك كله، لا تلوح في الافق صيغة سياسية بديلة من الشبكة السياسية الحاكمة بمواليها ومعارضيها. بالعكس يشكو كِلا الفريقين الرئيسين، قوى 8 آذار و14 آذار، من تباينات وانقسامات داخلية في صفوفهما. كذلك لا تبدو القوى الديمقراطية المدنية المناوئة للنظام السياسي الطوائفي الراهن في وضع يمكّنها من توليد جبهة سياسية معارضة فاعلة على مستوى البلاد.
هكذا يرتع لبنان في ازمته المزمنة، وقد اصبحت اشد تعقيداً بانزلاق الدول المجاورة الى ازمات مشابهة، وبعضها اشد تعقيداً، من دون ان يلوح ضوء في نهاية النفق.
هل باتت الازمة طريقة حياة؟
‘ كاتب لبناني