التمويل بالصكوك نافذة لزيادة الديون في بلاد المسلمين وغير المسلمين

إبراهيم نوار
حجم الخط
0

في الأسبوع الماضي جمعت أرامكو من السوق ديونا بقيمة 6 مليارات دولار، لتمويل استثماراتها ودفع توزيعات الأرباح لمساهميها، وفي اذار/مارس الماضي طرحت الحكومة البريطانية صكوكا بقيمة 500 مليون جنيه استرليني لتمويل عجز الميزانية، وفي مصر تترقب الحكومة بفارغ الصبر صدور قانون الصكوك لطرح إصدار سيادي للمرة الأولى، بينما يتوقع رئيس هيئة الرقابة المالية أن تصدر الشركات الخاصة صكوكا بقيمة 10 مليارات جنيه في العام الحالي. وتتوقع مؤسسة موديز أن تبلغ قيمة إصدارات صكوك التمويل الإسلامي في العام الحالي حوالي 96 مليار دولار، مقابل 109 مليارات في العام الماضي، وهي بذلك تشكل نسبة كبيرة من احتياجات التمويل للشركات والمؤسسات والحكومات تصل إلى 50 في المئة أو أكثر من التمويل بالسندات في بعض البلدان.
فما هي صكوك التمويل الإسلامي، وكيف يتم تحديد العائد عليها؟ وما هي أهميتها في سوق التمويل الدولي، حيث لا يقتصر استخدامها على دول إسلامية فقط، وإنما تستخدم أيضا في تمويل حكومات وشركات في دول غير إسلامية مثل بريطانيا وجنوب أفريقيا وهونغ كونغ وغيرها.

ما هي الصكوك؟
الصك هو حصة شائعة ينتفع بها مالك الصك في أصل من الأصول المنتجة للسلع أو الخدمات أو التداول في كل قطاعات الاقتصاد بما في ذلك المرافق العامة، والمباني الحكومية، والموانئ والمطارات، والتجارة والتصنيع وخلافه. وتعتبر عقود الايجار التي تمتد لمدة تصل إلى ثلاثين عاما، والقابلة للتجديد أوسع عقود الصكوك انتشارا. وتجد الصكوك مرجعيتها المالية والقانونية في الشريعة الإسلامية. ونظرا لاختلاف المذاهب الشرعية، فقد كان من الضروري إنشاء مرجعية محددة لضبط معايير إصدار وتشغيل الصكوك وتوزيع عائدها، والحكم في المنازعات التي قد تنشأ خلال تداولها، ووضع قواعد استردادها أو تجديدها. ويطلق على هذه المرجعية في معظم التشريعات المنظمة للصكوك اسم «مجلس الرقابة الشرعية» يتكون من فقهاء دينيين وعلماء اقتصاد ورجال مصارف وقانونيين. هذا المجلس يباشر نشاطه في أغلب الأحوال بدون سلطة أخرى فوقه، فلا البنك المركزي في بلد ما ولا بنك التسويات الدولية أو صندوق النقد الدولي يملك أي سلطة على مجالس الرقابة الشرعية الموجودة في أماكن مثل ماليزيا وأبو ظبي ودبي والسعودية التي يوجد فيها مقر البنك الإسلامي للتنمية.
ويتم تحديد قيمة الصك كنسبة من قيمة الأصل الذي يخضع للتصكيك، مثل واحد إلى مئة أو واحد إلى مليون وهكذا. ويتم تقييم الأصل بناء على أوضاع السوق، وهذه القيمة التي يتم تحديدها في نشرة الإصدار يمكن أن تتغير أيضا حسب ظروف السوق بالارتفاع أو الانخفاض، ويحصل صاحب الصك على نصيب من الأرباح يعادل حصة الصك في قيمة الأصل بعد خصم التكاليف. ومن ثم فإن المستثمر في الصكوك لا يحصل على عائد ثابت مثلما هو الحال في إصدارات السندات واذون الخزانة أو في ودائع البنوك، ومع ذلك فإن عقود الإجارة التي تصدر بضمان الأصل الاستثماري، توفر للمستثمر عائدا ماليا، تشير التجربة التاريخية منذ بدأ إصدار الصكوك بواسطة بنك التنمية الإسلامي في عام 2003 أنه يعادل متوسط العائد على استثمارات الدخل الثابت أو يزيد. كما أن الصك يضمن للمستثمر حقا عينيا في الأصل وليس مجرد قيمة نقدية، ويحقق له إمكانية الانتفاع بالصك بكل أنواع الانتفاع مثل البيع والرهن والتوريث إلى آخر كافة بنود الانتفاع بشرط عدم تعريض الأصل نفسه الفناء.
ومع أن صكوك التمويل الإسلامية تخضع لقواعد الشريعة، وتلتزم بأحكامها، سواء في طبيعة الأصل أو في الغرض من الاستثمار، أو في طريقة حساب العائد، إلا أن استخدامها تجاوز حدود الدول الإسلامية، بشرط ألا تستخدم في تمويل أنشطة حرام مثل إنتاج الخمور، أو أنشطة مكروهة مثل تمويل تجارة المخدرات، أو أنشطة مدمرة للبيئة مثل قطع أشجار الغابات. وقد أخذت باستخدام الصكوك دول كثيرة غير إسلامية منها دول ومناطق صناعية متقدمة مثل بريطانيا وهونغ كونغ، ودول نامية مثل جنوب أفريقيا وغيرها، وذلك من باب تنويع مصادر التمويل، وتأسيس شريحة جديدة من الديون تختلف عن الديون التقليدية مثل القروض والأوراق المالية المختلفة. وقد بدأ استخدام الصكوك في بريطانيا مبكرا في العام 2014 ثم انتشرت بعد ذلك في كثير من بلدان العالم، وإن كان سوقها الرئيسي ما يزال يتركز في مناطق الخليج والشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا.

تحديد العائد
تقدم الصكوك التي طرحتها كل من الحكومة البريطانية (25 اذار/مارس الماضي) وشركة أرامكو السعودية (9 حزيران/يونيو الحالي) نموذجين يكشفان إلى حد كبير أن تحديد العائد على الصكوك، يتم على ضوء ظروف السوق، ويخضع لمعايير تحديد العائد على الاستثمارات المالية بشكل عام، مثل أسعار الفائدة السائدة على عملة الإصدار، والتصنيف الائتماني للجهة المصدرة للصك سواء كانت شركة أو مؤسسة أو حكومة محلية أو مركزية. وبالنسبة للصكوك البريطانية فقد طرحت الحكومة للاكتتاب ما قيمته 500 مليون جنيه استرليني، وتم إقفال الاكتتاب بتغطية المبلغ المطلوب بأكمله، بعائد تم تحديده بواقع ثلث نقطة مئوية أي 0.333 في المئة فوق العائد على سندات الخزانة البريطانية (1.5 في المئة) استحقاق شهر تموز/يوليو 2026 وهو موعد استحقاق الصكوك. ويعكس هذا العائد ثلاثة متغيرات رئيسية هي الطلب للاكتتاب في الصكوك الذي بلغت قيمته 625 مليون جنيه استرليني، أي أكثر من المبلغ المطلوب، ثم سعر الفائدة على سندات الخزانة البريطانية، وثالثا التصنيف الائتماني لبريطانيا الذي كان في ذلك الوقت حسب تقدير مؤسسة فيتش (AA -).
وسوف نجد أن طرح صكوك تمويل أرامكو التي صدرت بالدولار، وجمعت منها شركة النفط السعودية 6 مليارات دولار قد خضع هو الآخر للمعايير نفسها، وهي ظروف السوق، وأسعار الفائدة السائدة على عملة الإصدار وهي الدولار، ثم التصنيف الائتماني للشركة الذي يتأثر بالضرورة بالتصنيف الائتماني للمملكة السعودية. وقد طرحت أرامكو الإصدار على ثلاث شرائح، الأولى بقيمة مليار دولار لأجل 3 سنوات، والثانية بقيمة 2 مليار دولار لأجل 5 سنوات، والثالثة بقيمة 3 مليارات دولار لأجل 10 سنوات. ولم تحدد أرامكو القيمة النهائية المقبولة إلا على ضوء ظروف الطلب في السوق، وتم إقفال الإصدار على عائد يزيد عن متوسط أسعار الفائدة على سندات الخزانة الأمريكية بنسبة 0.65 نقطة مئوية للشريحة الأولى، و 0.85 نقطة مئوية للشريحة الثانية، و 1.2 في المئة أعلى من سعر الفائدة على السندات الأمريكية للشريحة الثالثة. وجدير بالذكر انه كلما ارتفع التصنيف الائتماني للدولة وللشركة، كلما انخفضت نسبة العلاوة التي يتم دفعها فوق متوسط سعر الفائدة العالمي، وهذا يصدق على القروض كما يصدق على الأوراق المالية الثابتة الدخل ومنها الصكوك والسندات.
وتعتبر دول مجلس التعاون الخليجي أهم أسواق صكوك التمويل الإسلامي في العالم، وتستحوذ وحدها على حوالي 40 في المئة، تليها أسواق جنوب شرق آسيا وعلى رأسها ماليزيا بنسبة مماثلة، ثم أسواق تركيا وإندونيسيا وباكستان وبنغلاديش بنسبة 10 في المئة، وتتوزع نسبة 10في المئة المتبقية على دول ومناطق أخرى. وتتوقع وكالة بلومبرغ أن تقود مصر وجنوب أفريقيا ونيجيريا سوق الصكوك في أفريقيا خلال العام الحالي، خصوصا وان مصر من المرجح أن تصدر أول صكوك سيادية في النصف الأول من السنة المالية الجديدة التي تبدأ في الشهر المقبل. وذكر تقرير بلومبرغ أن معدل النمو المتوقع لسوق الصكوك الأفريقية في العام الحالي سيبلغ 25 في المئة مقارنة بالعام الماضي.

تمويل التنمية الخضراء

ويلعب بنك التنمية الإسلامي دورا محوريا في حركة سوق الصكوك على مستوى العالم. وتشير أرقام البنك إلى أن مجموع الصكوك التي أصدرها منذ عام 2003 حتى الآن يبلغ حوالي 33 مليار دولار، منها 20 مليارا ما تزال قائمة في السوق، في حين تقدر مؤسسة فيتش الرصيد الإجمالي القائم للصكوك طويلة الأجل في الأسواق العالمية بنهاية الربع الأول من العام الحالي بقيمة 715.2 مليار دولار. ويقود بنك التنمية الإسلامي اتجاها جديدا لتعزيز دور الصكوك في تمويل مشروعات التنمية الخضراء مثل الطاقة المتجددة، ووسائل النقل عديمة التلوث، وبرامج مكافحة التلوث، ومشروعات تنمية مصادر المياه، وإدارة الموارد الطبيعية على أسس التنمية المستدامة.
وعلى الرغم من تراجع الحاجة الي التمويل الإضافي في الدول المصدرة للنفط، بسبب ارتفاع أسعار البترول، وانخفاض عجز الميزانيات، وكذلك انخفاض التمويل الضروري لمكافحة وباء كورونا، وعودة تعافي النشاط الاقتصادي، فإن دول مجلس التعاون الخليجي ستظل في حاجة إلى إصدار صكوك وسندات جديدة لتمويل احتياجات الحكومات والشركات. كذلك فإن دول الشرق الأوسط غير المصدرة للنفط مثل لبنان ومصر وتونس والأردن والمغرب ستكون في حاجة إلى مصادر جديدة للتمويل، من أجل الوفاء باحتياجات ميزانيات الحكومات التي تعاني من عجز سواء على صعيد الاحتياجات بالعملات المحلية أو الأجنبية. وستكون الصكوك أحد خيارات التمويل المفضلة لهذه الدول.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية