التناقضات الداخلية في مجلس التعاون

حجم الخط
1

تعاني منظومة مجلس التعاون لدول الخليج العربية من خلل بنيوي لزمه منذ انطلاقته قبل ثلث قرن، واصبح يهدد وجوده واستمراره. ففي العادة تتشكل التحالفات من دول متقاربة في الامكانات البشرية والمادية، كما هو الحال مع الاتحاد الاوروبي. اما حين يكون احد اعضاء التحالف طاغيا بامكاناته كما هو حال المملكة العربية السعودية في مجلس التعاون، فان التحالف لا يستطيع ممارسة دوره كممثل عن المجموعة المتحالفة، ولا يستطيع حماية مصالحها البينية. وتجدر الاشارة الى ظروف نشوء المجلس والتغيرات الاقليمية والدولية التي حدثت على مدى العقود الثلاثة الاخيرة. فقد كانت الفكرة الاساس تشكيل كيان قادر على توفير حماية امنية للدول المطلة على النصف الغربي من الخليج، بعد تغير منظومة الحكم في النصف الشرقي منه بسقوط شاه ايران. وبمرور الوقت اصبح المجلس اكثر اهتماما بالقضايا الاخرى، السياسية والاقتصادية. وبرغم التعاون الامني بين هذه الدول الا انه يمكن القول ان ايا منها لم يتعرض لاختراقات امنية ذات شأن من الخارج. وقد سجلت حالات عديدة تم فيها تسليم معارضين للعائلة الحاكمة باحدى دول الخليج من قبل دولة خليجية اخرى. ويمكن القول ان معارضي الحكم الخليفي في البحرين هم اكثر الذين سلمتهم الدول الخليجية الاخرى الى المنامة. حدث ذلك في الثمانينات والتسعينات، وما يزال ذلك مستمرا حتى الآن. وقد استغلت العائلة الحاكمة في البحرين الاتفاقات الامنية بشكل غريب حيث طلبت من اجهزة الامن الاخرى التصدي لمعارضيها بدلا من اجهزة الامن المحلية. فمثلا يسمح لبعض من هو محسوب على المعارضة بمغادرة البحرين لزيارة احدى دول الخليج، ولكن اجهزة الامن في تلك الدولة تمنع دخولهم بدعوى انهم مطلوبون من قبل حكومتهم.
وفي ما عدا التعاون الامني تبدو مجالات التعاون واسعة احيانا، ولكن سرعان ما تضيق لسبب اساس: ان المجلس يخضع لهيمنة الدولة الكبرى في المنظومة، وهي هيمنة واضحة تجلت في حالات عديدة. فالمملكة العربية السعودية هي «الشقيقة الكبرى» في المنظومة وتمتلك «فيتو» على كافة القضايا. فمساحتها الجغرافية تعادل اضعاف مساحة الدول الخمس الاخرى مجتمعة، وسكانها اكثر من ضعف سكان تلك الدول مجتمعة. وانتاجها النفطي يتجاوز مجموع انتاج تلك الدول، وكذلك جيشها وامكاناتها العسكرية. وتتميزالسعودية كذلك بانها مصدر التأثير الديني ليس على المحيط فحسب، بل على مناطق واسعة من العالم الاسلامي. ونجم عن هذه «المرجعية» الدينية التي تطورت بشكل متدرج منذ قيام الدولة السعودية قبل اكثر من ثمانية عقود ثقافة توسعت باضطراد. مع ذلك بقيت اغلبية مواطني كل من سلطنة عمان والبحرين ملتزمة بمذاهب دينية مختلفة عن الدول الاربع الاخرى. وقد ادى ذلك الى قدر من التوازن تارة والحساسية تارة اخرى والتوتر في بعض الاحيان. ولكن هذا التمايز المذهبي لم يدفع السعودية لتغيير نهجها او السعي لفرض مدرستها الفقهية من خلال المدارس الدينية خصوصا في الرياض وجدة والمدينة، وتأسيس المؤسسات التي تروج للفكر المتطرف والتكفيري، ونشر الوعاظ والمبلغين من خلال تلك المؤسسات. ادى ذلك لحالة من الاستقطاب الديني والمذهبي غير المسبوقة في دول مجلس التعاون التي ينتمي سكانها لمدارس فقهية متعددة. وفي ظل التحولات الفكرية والثقافية في دول المجلس فقد اصبحت الخصوصيات المذهبية مثار اضطراب اجتماعي بسبب اثارتها من قبل المجموعات المتطرفة ذات المنحى الاستئصالي.
مجلس التعاون اذن ينوء بحمل ثقيل وتركة عقود ثلاثة من محاولات التقارب والتعاون التي تعترضها سياسات الهيمنة والاستحواذ والاقصاء والجشع. فالسعودية المترامية الاطراف جغرافيا، لم تستطع استيعاب مستلزمات «التعاون» او التحلي بروح العمل المشترك. ونجم عن ذلك اختلافات غير قليلة على صعيد العلاقات الخارجية مع الدول والجماعات السياسية، وعلى صعيد نمط الحكم الداخلي والتعاطي مع الشعوب والسعي لتطوير الاداء السياسي الداخلي. وقد اثر ذلك على علاقات دول المجلس في ما بينها. ويكشف الخلاف بين السعودية وقطر طوال العام الماضي ليس مدى التباين في النظرة للخارج فحسب، بل مدى ما يمكن ان تمارسه السعودية من ضغط على الدول الاعضاء بمجلس التعاون. فبعد ان تدخلت السعودية بشكل شبه مباشر لاسقاط الرئيس المصري المنتخب محمد مرسي العام الماضي توترت العلاقات بين الرياض والدوحة. وبدلا من احترام موقف قطر، أصرت السعودية عليها تغيير سياستها تجاه الاخوان المسلمين، واحدثت انشقاقا واضحا داخل مجلس التعاون. فقد فرضت السعودية على المجلس قرار سحب السفراء الخليجيين من الدوحة، ولكن لم تلتزم به سوى الامارات والبحرين، ورفضت عمان والكويت الامتثال للقرار السعودي. واضطرت قطر لاحقا لإبعاد حوالي عشرين من قيادات الاخوان المسلمين الذين لجأوا للدوحة بعد الانقلاب العسكري الدموي العام الماضي. ومع ذلك ما تزال الضغوط السعودية على قطر متواصلة لتغيير سياستها الخارجية والالتزام بما تقوله الرياض. ومن شأن ذلك ان يؤدي للمزيد من التوتر داخل مجلس التعاون، وليس مستبعدا حدوث تصدعات جديدة في هذا المجلس الذي اصبح امام مفرق طرق بين ان يكون او لا يكون، خصوصا بلحاظ التصدعات الاخرى في علاقات دوله مع السعودية.
وبرغم ما يبدو من تناغم في السياسة الخارجية بين الامارات والسعودية، فان ذلك محصور بالموقف المعادي لجماعة الاخوان المسلمين من جانب الحكومتين والعداء لمشروع «الاسلام السياسي»، والتصدي لثورة شعب البحرين عسكريا وسياسيا. فقد دعمتا ماليا الانقلاب العسكري ضد محمد مرسي الذي انتخب بشكل ديمقراطي، وواصلتا تصديهما لهذه الجماعة باساليب شتى. مع ذلك ثمة خلاف حدودي غير قليل بينهما، ظهر الى العلن في السنوات العشر الاخيرة، بعد ان دشنت السعودية الانتاج النفطي من حقل الشيبة الذي تعتبره الامارات ضمن اراضيها. وقد ادى ذلك الخلاف الى حوادث غير مسبوقة من بينها تكدس مئات الشاحنات على الحدود، واشتراط السعودية دخول مواطني الامارات بجوازات السفر بدلا من بطاقات الهوية، خلافًا لما هو متفق عليه بين دول مجلس التعاون الخليجي. فقد اتخذت الرياض في 2009 قرارا من جانب واحد بوقف انتقال مواطني الإمارات من السعودية وإليها بالبطاقة الشخصية. وبررت السعودية قرارها «بأن الخريطة التي تظهر على بطاقة الهوية الوطنية لمواطني الإمارات لا تتفق مع اتفاقية تعيين الحدود بين السعودية والإمارات الموقعة عام 1974». وفي الفترة الاخيرة بدأت العلاقات بين الرياض وابوظبي في التحسن ونجم عن ذلك تعاون في مجال البحث عن بدائل للطاقة وتبادل التصريحات الودية والسعي لتخفيف انعكاسات الازمة الحدودية على تلك العلاقات.
وثمة توتر غير معلن في العلاقات بين الكويت والسعودية بسبب الخلافات الحدودية ايضا. ففي الاسابيع الاخيرة اوقفت السعودية تصدير النفط من الحقل المشترك في جنوب الكويت، والسبب ان الكويت طلبت من السعودية اخلاء الموظفين السعوديين من اماكن سكنهم داخل الاراضي الكويتية لانها بحاجة للارض من اجل بناء مصفاة نفطية كبيرة. وقامت الكويت بقطع الكهرباء عن تلك المنازل، فما كان من السعودية الا ان بعثت رسالة لمسؤولي الانتاج تطالبهم بوقف الضخ فورا. وعللت الرسالة ذلك بعدم انسجام عمليات الضخ الحالية مع المعايير الصحية التي تشترطها الرئاسة العامة للأرصاد وحماية البيئة. وهناك ازمة صامتة بين البلدين نتيجة ذلك، اذ تشعر الكويت ان القرار السعودي قلص انتاجها اليومي باكثر من 135 الف برميل يوميا، وان ذلك سيضغط على عائداتها النفطية بشكل كبير. ومع تلكؤ السعودية في ترسيم الجرف القاري بين البلدين، وتنامي نشاط «اللوبي السعودي» في الكويت، اصبحت العلاقات بين البلدين مرشحة للتدهور.

٭ كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن

د. سعيد الشهابي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية