أ. د. علي الهيل قطعاً، ما حدث في مدينة (نيو تاون بولاية كُنَكْتِكَتْ) فظيع ومؤلم. دائماًمناظر القتل لاسيما المتعمَّد ولاسيما أكثر حين يكون الأطفال هم الضحايا، ُقطِّع نياط القلوب ويحرق الأكباد ويثير كثيراً من الأسئلة الضخمة والمريرة عن الدوافع والخلفيات. عشرون طفلاً في الفئة العمرية بين السادسة والسابعة في صف دراسي واحد، أجهز عليهم المجرم السفاح (آدم لانزا) ذو الأربع والعشرين سنة، بعد أن قتل أمه في بيتها، واستعمل سيارتها للوصول إلى مدرسة (ساندي هوك)، الموقع الرئيس لجرائمه وقتله الأطفال بدم بارد وألحق بهم ستة من المدرسين والمدرسات. وبلغ مجمل ما قتلهم ثمانٍ وعشرين. وكما يحدث عادةً في مثل هذه الأحوال، تكثر النظريات والإفتراضات والتخرصات، حول استهداف (آدم لانزا) لتك الفئة العمرية. هل كان أمراً عشوائيا أم مقصوداً؟ هل كان (آدم لانزا) مثلاً يعاني من طفولة غير سوية، وعليه أراد أن ينفس عن كل ذلك عن طريق قتل أمه والأطفال من تلك الفئة بالتحديد؟ هل كانت أمه تحرمه من ممارسة طفولته، أو من اقتناء أشياء يهواها ألأطفال عادةً، وكانت أمه ترفض شراءها له؟ هل كانت مثلاً تمنعه من الكلام أو تقلل من شأنه أمام أترابه أو في البيت؟ أم هل لم تكن أمه أُمومية بالقدر الكافي معه؟ أم هل كانت أمه تمارس سلوكا مناقضا لأمومتها، ترك في نفسه تضاريس وترسبات لم تستطع سنواته الأربع والعشرون أن تجعلها تندمل؟ وغير ذلك من تساؤلات. و لم يكن ولن يكون (آدم) إستثناءً فقد سبقه كثيرون في هذا المضمار، ولم تكن هذه أول حادثة ولن تكون الأخيرة، إلا إذا تولى المعنيون البحث في جذورها. والمسألة ليست بالضرورة سلاح يُباعُ في كثير من الولايات والمدن الأمريكية كالجعة والخِيار. السبب أكبر من كل ذلك بكثير. والذين يختزلون الموضوع كله في وجود السلاح، يغالطون أنفسهم، أو يناقضونها، أو يحاولون أن يستخدموهُ غطاء للهروب من الأسباب الحقيقية.التربية عامل، وتعاطي المسكرات وأشكال المخدرات الأخرى في العلن وفي حانات تُفتح على مدار اليوم، الهدف منها إشباع العقلية الرأسمالية التي لا تلقي بالاً لصحة الإنسان وإنما للربح وللربح فقط، والتفاوت الطبقي الحاد الذي يحرض من ليس عنده على النيْل من الذي عنده بطرائق شتى. وجود أكثر من خمسينَ مليون فقير وتحت خط الفقر في أمريكا وبلدان الغرب عموماً، يعكس تجاهل الأثرياء والمتخمين وأرباب رؤوس الأموال ومن بينهم أعضاء في الحزبين الديمقراطي والجمهوري، وخاصة في مجلس النواب الذي يسيطر عليه الجمهوريون الرافضون بقوة إقتراح رئيسهم الديمقراطي إقتطاع ضرائب من أغنيائهم وتقديمها لفقرائهم.و هذا لا يعني بالقطع أن مجلس الشيوخ القطب الآخر للكونجرس الأمريكي ليس بينهم أثرياء، ونسبة منهم يعارضون الأمر كذلك.أمريكا قامت على القوة والحروب منذ نشأتها كما يقول (نعومي تشومسكي)، وهو أمر منعكس منذ 1492 على كل أمريكية وأمريكي، وليس فحسب على المستوى الرسمي. في الثقافة الأمريكية يُتوقع من الإنسان أن يكون جسمه ضخما، وبيته ضخما وسيارته ضخمة، وصوته ضخما. إنه مجتمع لا يؤمن إلا بالقوة بصرف النظر عن مصادرها، وأهدافها وغاياتها، ولذلك تجد الأمريكيين غالبا أكثر شعوب ألأرض أكلاً للَّحم نصف المشوي أو المقلي على مائدة الإفطار، مما هو مستغرب في كثير من الثقافات الإنسانية الأخرى. إن اعتناق الأمريكيين عامة والسياسيين خاصة للمذهب المكيافيلي المنحط أخلاقيا في منظور كثير من الثقافات والذي ينادي بأن الغاية تبرر الوسيلة. أنْ اتصبحَ ثريا هو الأهم، كيف ؟ لا يهم. غاية الثراء تبرروسيلة الحصول عليه.إن وصف بعض المفكرين الأمريكيين والغربيين لمجتمعاتهم الرأسمالية المتوحشة والمتغولة بأنها (كالبلدوزر أو الكاسح) الذي يسقط منه يُداس ومن يظل على متنه يعيش (و ليس بالضرورة يحيا)، ليس بعيدا كثيراً عن الواقع. في نيو يورك وواشنطن ولندن وباريس، مثلاً، تجد منتهى التناقض الحاد والجارف. فعلى سبيل المثال، أناس في البدلات الأنيقة ونساء في آخر موضة، يدخلون ويخرجون من فنادق أو مطاعم فاخرة وبأسعار فاحشة، وغير ذلك من مظاهر انعدام (و لا نقول غياب) العدالة الإجتماعية، رغم تعاقب حكومات مستتبة نوعا ما على مدى المائتي سنة الماضية، وفي المقابل أناس من أهل البلاد، يفترشون الأرصفة ويبحثون في أكياس القمامة، وعليهم ملابس رثة قذرة متسخة. مناظر مألوفة كمناظر القتل العشوائي واغتصاب الفتيات القُصر وهنَّ على دراجاتهن الهوائية يَبِعْنَ الصحف منذ الصباح الباكر، في مجتمعات أمريكا والغرب. إنها مجتمعات مريضة أو هكذا شخَّصها الكثيرون من أهل البلاد. إنه درس قاسٍ إنْ تم استيعابه والشعور به لأي دولة تتبع النموذج الأمريكي والغربي عموما في السياسة والإقتصاد وما يُعرف بالديمقراطية، مع إقرارنا بروعة التبادل على السلطة في بلدان الغرب.إن ما فعله (آدم لانزا) ومن سبقه ومن سيعقبه أويخلفه من قتلَةِ الدم البارد الأمريكيين، ما هو إلا صورة مصغرة أو انعكاس لبانوراما القتل البارد الأمريكي الرسمي للأطفال الأبرياء في فيتنام ولاووس والكوريتين وهوريشيما ونجازاكي، وأفغانستان والعراق ومصر-مدارس أطفال بحر البقر ولبنان-قانا الأولى والثانية، وفلسطين-محمد جمال الدرة وغيره من عشرات الآلاف من أطفال أبرياء رائعين حرق موتهم قلوب آبائهم وأمهاتهم، أيضاً كما حرق قتل أطفال مدرسة (ساندي هوك) العشرين قلوب وأكباد أمهاتهم وآبائهم واستدعى دموع رئيسهم المدرارة.و لعله انتقام رباني إلهي من غطرسة أمريكا وجرائمها في حق أطفال العالم. ومن شابه حكامه فما ظلم. الجزاء من جنس العمل ومثلما تُدينُ تدانُ. إن قلبي انفطر وأنا أشاهد آباء وأمهات أولئك الأطفال من مدرسة (ساندي هوك) يبكين وينتحبنَ لأنني أبٌ لطفل جميل ورائع أعطاني عمرا فوق عمري وأعاد لي ويعيد لي كل يوم أضعاف كل (العمر الذي ذهبا). قلت في نفسي: الأمومة والأبوة والبُنوة شعور مشترك بين بني الإنسان، الدموع هي الدموع والعويل هو العويل والنحيب هو النحيب وألإحساس بفداحة الفقد هو الإحساس نفسه في فلسطين ولبنان والعراق وأفغانستان. هل تتذكرون (غالية) الفتاة الجميلة البريئة التي كانت تنتحب وتصرخ فوق رمال شاطىء غزة ملء قلبها وفمها العذب كماء الفرات، على إثر قتل الصهاينة (من على متن بوارج أمريكية الصنع تستبيح مياه غزة وبحرها بضوء أخضر مطلق منذ أكثر من ستين عاما من أمريكا وبريطانيا وفرنسا والغرب عامةً) كل أفراد عائلتها وإخوتها الأربعة الأبرياء الأنقياء كتقوى الأنبياء؟ ومثل (غالية ومحمد الدرة) ملايين (و تالله ووالله لا أبالغ) من أطفال فيتنام ولاووس والكوريتين واليابان وأفغانستان وباكستان واليمن والعراق ولبنان وفلسطين، وغيرها من بلدان (الأطفال-الفئران) التي تجرب أمريكا والغرب عليهم قنابلها وصواريخها، مباشرة أو من خلال ربيبتها ‘إسرائيل’. فأين كانت دموع (أوباما) ومن سبقه من أولئك الأطفال أم أن أطفال (ساندي هوك) فقط هم الأطفال الأبرياء فقط ومن سواهم ليسوا كذلك، بل يُنظر إلى غيرهم من أطفال العالم الحر أنهم مشاريع مستقبلية تهدد العالم المتحضرالإنساني أيْ: أمريكا والغرب و’إسرائيل’؟.ربما يكون ما حدث في مدرسة (ساندي هوك)، جرس إنذار وأما السيل فقد بلغ زُباهُ منذ زمن طويل، وبعد كل حادثة مأساوية كتلك نسمع من رئيس أمريكي ما يشبه ما سمعناه من رئيس أمريكا الحالي. وبعد أن تبرد النتائج وتجف الدموع ومن ضمنها دموع أوباما (الإنسان الرقيق!)، لن يحدث شيء من تقنين أو منع بيع السلاح. نذكر فحسب بأن (تيموثي ماكْفيْ، وللكاتب دراسة بالإنجليزية منشورة أمريكيا عنه في مقارنة مع بن لادن) قد فجر مبنىً فدراليا ضخما في (أوكلاهموما) عام 2004 إحتجاجا على رغبة (بوش الإبن) الرئيس الأمريكي حينها، في تعديل الدستور الأمريكي من أجل ترشيد قانون بيع وحمل السلاح، فقد اعتبره (ما كفي) مساساً بحريته الشخصية وهو تابوه وخط أحمر لدى الكثير من الأمريكيين.’ أستاذ جامعي وكاتب قطريqmdqpt