التنبؤ بالماضي ومشهد الهزيع الأخير رامي أبو جبارة لا أدري ما إذا كان على أفراد هذه الامة من محيطها إلى خليجها الفرح والرقص احتفاء برأس السنة، املا بالأفضل الآتي على عادتهم بالتفاؤل، أم عليهم البكاء والعويل على أهوال سنة بائسة أخرى مضت، لتكون خاتمة عقد آخر من خمسة وسبعين عقدا من العقود العجاف التي مرت على هذه الأمة. لكن لو تجاوزنا قليلا ثنائية الفرح واللطم وتأملنا المشهد الاعلامي في الهزيع الأخير من كل سنة، لرأينا مجموعة من الاشخاص على اختلاف ألقابهم، سواء كانوا فلكيين أو عرافين أو متنبئين يطلون علينا ليعلنوا لنا تنبؤاتهم بالعام القادم. رغم الحديث المتجدد الذي يدور في نهاية كل عام بين أوساط المثقفين عن اشتباههم ببعض أولئك المتنبئين والمتنبئات، وارتباطاتهم بمن يسرب لهم بعض ما جاء على جدول اعمال امبراطورية الجن الأمريكية للعام القادم، ولكن ليس هذا ما استرعى اهتمامي هذا العام. ان ما لفت نظري في مسلسل التنبؤات هذا العام أنها ليست كذلك في حقيقة الأمر، لأن التنبؤ كلمة لها دلالة خطيرة تكاد تمس هالة مقدسة محيطة بتراثنا اللاهوتي، فهي تعني في اصلها ادعاء النبوة، وكلمة النبوة مشتقة بدورها من إنباء الآخرين بأحداث جلل لا يعرفها ولا يمكن أن يتخيلها أحد سوى شخص يدعى نبيا، أو في بعض الأحيان متنبئا، ولذلك وبعيدا عن التراث واللاهوت، أصبح للكلمة معنىً حداثيّ للدلالة على قدرة شخص ما على إنباء الآخرين بوقوع احداث جسام في المستقبل لا تكاد تخطر على بال احد غيره. أقول ان هذه التوقعات ليس تنبوءا لأن المتأمل في تلك التوقعات لا يجدها إلا ضمن المألوف، ومجرد استقراء لمستقبل بائس من واقع أكثر بؤسا. فالحديث عن حرب قادمة في المنطقة ليس تنبوءا، في ظل وجود كيان أرعن اتبع سياسة الحرب حتى أدمنها، بالتزامن مع وجود امبراطورية شر عظمى لا تنظر لدول المنطقة إلا كعرائس تكرر اغتصابها، ولكن ما زال في جسدها شيء من العذرية. كما أن الحديث عن زلزال سياسيٍّ في احدى الدول العربية ليس تنبوءا بمقدار ما هو قدر لبعض تلك الدول، فهناك على الأقل ثلاث أو أربع دول عربية حكم عليها قدر أعمى ألا تشهد عاما من دون المرور بعدة زلازل على الصعيد السياسي، وربما على صعد أخرى أكثر دموية. والحديث عن وفاة زعيم عربيّ، في ظل قضاء عدد منهم في مستشفيات الموت الغربية أكثر من قصورهم الرئاسية، أمر عادي بل والأرجح وقوعا. وعلى هذا المنوال يصبح الحديث عن كوارث وزلازل وحروب ومآس أمرا متوقعا وعاديا في ظل عصر التراجع والانحطاط الذي نشهده، وليس بحاجة إلى علماء فلك أو خبراء ورق كوتشينة حتى يتنبأون لنا به، فنفايات الدول النووية لن تنتج لنا رحيقا حتى لو عطروها لنا بعودنا وعنبرنا المسروق، والتوقع بما ستضعه الدجاجة بعد حمل مشبوه من ديك المزبلة المجاورة ليس بحاجة إلى الكثير من العبقرية، فهي بالتأكيد لن تفرّخ ليثا هصورا.
النقطة الأخرى التي أثارت اهتمامي هي الازدواجية في تلك التوقعات المعلنة على نحو غريب، فالمدقق في مسلسل التوقعات يجد أن هناك بعضا منها يشير إلى وقوع احداث ما، بينما تؤكد توقعات مضادة بعدم وقوع تلك الاحداث وهكذا دواليك. لا أدري ان كانت لعبة التوقعات المضادة هذه مقصودة أم أنها مجرد صدفة ينتظر فيها احد المغمورين في هذا المجال صدور توقعات لشخص أكثر شهرة حتى يخالفه، ولكن وبغض النظر عن الدوافع فإن نتائج ثنائيات التوقعات تلك تصب لصالح لعبة التنبؤ واللاعبين والمستفيدين منها، على اعتبار أن امكانية وقوع حدث ما له احتمالان لا ثالث لهما، وهما إما وقوعه أو عدم وقوعه، ولذلك يصبح تحقق احدى تلك النبوءتين المضادتين مؤكدا، لتستمر الخدعة بالانطلاء على المؤمنين بها.
قد لا اعترض على وجود العديد من المؤمنين بتلك التنبؤات في الوضع الطبيعي، ولكن اذا ما علمنا ان زبائن كتب التنبؤات هذه يصل إلى أضعاف الكتب التثقيفية يصبح الاعتراض عليها واجبا، لأن تصنيفنا كأقل الأمم قراءة هو سبب رئيسي في بقاء تلك النبوءات في سياق كارثيّ.’ كاتب من الأردن