التنبؤ…. ورصد ‘الكوارث’ المعمارية!

حجم الخط
0

د. وليد احمد السيد

مع تقدم العلم الحديث، ووسائله، وتقنياته، بات ممكنا ومتاحا، بل وضروريا، استشراف لمحات وتصورات من المستقبل، لا كضرب من ضروب التخمين ‘العشوائي’ في الغيب، ولكن كعمل منهجي منظم يعتمد العقل والمنطق والحساب كمقدمات أولية، منطقية، تنتقل بعمليات عقلية علمية من شواهد الحاضر لتنقل جوانب من المستقبل القريب والبعيد نسبيا. وبهذا المنطق فالكشف عن المستقبل ليس من قبيل ‘كشف الطالع’ أو الضرب بالرمل أو الفتح بالفنجان، لمعرفة الغيب الشخصي أو من قبيل الشعوذة والدجل، بل أصبح جزءا من أساسيات الحياة المعاصرة، لا ترفا أو كماليات، بل ضرورات أضحت يومية ودورية نعتمد عليها في التخطيط للمستقبل اعتمادا على عمليات تنبؤ ورصد الطبيعة مظاهر الطبيعة المحيطة بالدلالات والإشارات التي تبثها والتي يوظفها العلم والعقل البشري لحاجات مصلحية أساسية. والتبنؤ بذلك هو عملية وعلم يتيح إما الإستفادة من فوائد الطبيعة أو تجنب أو التقليل من أضرارها.

من ذلك مثلا رصد الحالة الجوية، والتي أصبحت ملازمة ومتلازمة مع الحدث الإخباري المتجدد على مدار الساعة، حيث يؤثر في الملاحة الجوية، وحركة الطرق، والنشاطات اليومية المتعلقة بالإقليم والمجتمع المحلي وصولا للمصالح العالمية. وأيضا هناك التنبؤ العلمي لرصد الكوارث أو الحوادث طبيعية التي تؤثر سلبا في النشاطات اليومية والأسبوعية وتكلف العالم وبعض الدول والمؤسسات مليارات الدولارات، بل وتغير مجرى الأحداث اليومية والأسبوعية والشهرية وخطط الافراد والجماعات والشعوب. وهنا نذكر انفجارات البراكين (بركان ايسلندا مثلا والذي تسبب قبل عامين في تغيير خريطة الملاحة الجوية في سماء أوروبا والعالم قاطبة والذي كلف شركات الملاحة الجوية إلغاء الكثير من رحلاتها وغيّر خطط الكثيرين، فضلا عن خسائر بمئات الملايين تكبدتها شركات الطيران جراء إلغاء رحلاتها وما يترتب على ذلك من متعلقات تعويض وفنادق وسواها). ومن مظاهر الطبيعة التي تخضع للرصد والتنبؤ العلمي هناك الزلازل (مثل زلزال اليابان الأخير قبل عام ويزيد والذي كانت له تداعيات محلية على مستوى مفاعلات الطاقة النووية، حيث ترددت أصداؤه على مستوى العالم وجعل الكثير من الدول تراجع برامج مفاعلاتها الذرية وتداعيات الكوارث الطبيعية على قوانين السلامة فيها). هذا التنبؤ والرصد بات أمرا يوميا، بل على مدار الساعة، وأصبح ضرورة من ضروريات الحياة لا يمكن العيش بدونه في عالم اليوم ذي السبعة مليارات نسمة. وهو رصد وتنبؤ يجري من قبل منظمات ودوائر وهيئات متخصصة علميا وتقنيا ومستقلة ماليا وإداريا وتشبه مراكز الأبحاث العلمية بارتباطات مباشرة مع بقية المراكز حول العالم. فإحصائيات هذه ‘المراصد’ يتم تدويرها عبر محطات الإذاعة، كما تقدم نتائجها للباحثين والمختصين وتتاح لمختلف مراكز الأبحاث، ليس للإستعمال اليومي والأسبوعي والعاجل فقط، ولكن من أجل دراسة هذه الأرصاد والتنبؤات كتاريخ مستمر لأجل المزيد من التنبؤ بالمستقبل وإجراء الدراسات العلمية على عوامل المناخ وتغيراتها تاريخيا وارتباطها وتداعياتها على الكوكب الصغير الذي نعيش فيه. فالمناخ السنوي والفصلي واليومي تضعه مراكز الأبحاث على طاولة البحث العلمي والأكاديمي لمعرفة التحولات المناخية في مناطق العالم المختلفة على دورات زمنية متفاوتة، تتدرج من الاسبوع وحتى القرن. وكنتيجة لعلم ‘الأرصاد’ الجوية بات ممكنا دراسة ورصد تداعيات التحولات المناخية على ارتفاع مناسيب البحار ومتعلقات هذه التحولات على الواقع البيئي والعمراني لسواحل المدن والتهديد المباشر الذي يشكله ذلك على حياة وديمومة الكثير من المناطق المحمية والطبيعية والهجرات غير المسبوقة للطيور وأثر ذلك على التوازن البيئي. إضافة لما تشكله هذه التحولات المناخية والتسخين الحراري على مشكلات الطاقة والحياة في المدن وتهديد ذوبان الكتل الجليدية على مدن ساحلية عالمية مهددة منها فينسيا مثلا. وهكذا فالعالم، والعلم وتقدمه واكتشافاته، باتت مترابطة أكثر من أي وقت مضى.

وقياسا على كل ما تقدم، ما تزال العمارة، كفن علمي، تراوح في خدرها، إذ لا تبدو العمارة وأبحاثها وعلومها مواكبة لتقدم العالم والعلم الحديث اليوم، إذ ما تزال تغط في ‘الكلاسيكية’ وقوانين العالم القديم، وضمن ‘مصابيح العمارة العشرة’ في جانبها الكلاسيكي، وبأحسن الأحوال ‘شطحت’ باتجاه الحداثة وواكبت تقنيات استخدام مواد العلم والتكنولوجيا الحديثة – وهذه تبدو فيما تبدو كأنها تجسد نزعات لتوظيف الجوانب الفنية للعمارة، كفن تشكيلي، وتكريس مزيد من الإبتعاد عن شقها العلمي المهم، الذي تكرسه دراسات علمية في العمارة مثل الصوتيات في المباني، ودراسات علم المنظور، أو الجوانب النفسية المتعلقة بالتصميم المعماري، أو الأبحاث الإجتماعية المرتبطة بفن التصميم المعماري وأثر أنماط المباني على حياة وسلوكيات الفرد والقاطنين، ودراسات تأثير التحولات في البيئة العمرانية على الأنماط السلوكية والذهنية، أو دراسات علمية أكاديمية بحثية في أثر التحولات البيئية البصرية في البيئات العمرانية الحديثة وتداعيات ارتقاء المباني الشاهقة في سماء المدينة، إلى غير ذلك من قائمة طويلة لا نهاية لها من ارتباطات العلوم وفتوحات العلم الحديث بالعمارة لا كفن تطبيقي، ولكن كفن علمي، له قواعد يمكن بتتبعها ودراستها دراسات تراكمية من تحقيق ‘فتوحات’ علمية دون شك. فالعلم الحديث لم يقتصر على مبحث أو تخصص دون آخر، بل جاء تقدمه متوافقا ومتكاملا بين صنوف المعرفة التي يرفد تطور أحدها التطور في مجالات أخرى. لكن كل ذلك ليس هو المقصود في هذه المساحة.

ما يعنينا من التنبؤ العلمي والرصد الإستشرافي بما يخص العمارة، كما يشير العنوان ومقدمة هذا المقال، متعلق في الحقيقة بمسألة وجهة العمارة العالمية عموما والعمارة في كل اقليم على حده خصوصا. تأتي هذه الفكرة من وحي ما يجري حاليا على مستوى العالم من التطورات اليومية والأسبوعية والشهرية والسنوية في البيئات المبنية والتخطيط العمراني وانتهاء بالتصميم الحضري فالمعماري. وفي غياب آليات ومنهجيات وسياسات ‘التنبؤ’ ورصد ‘وجهة’ كل ذلك، يبدو العالم المعاصر، بسبعة مليار قاطن، وتغيراته الملحوظة في البيئات الطبيعية، أشبه ما يكون بمحيط هائل متلاطم من الأفكار المعمارية والسياسات التخطيطية والرؤى السياسية التخطيطية العمرانية المعمارية التي باتت تغير من شكل العالم دون جهة أو جهات تتنبأ وترصد هذه التحولات أو تسجلها وتخضعها مخبريا وأكاديميا وبحثيا لأي شكل من أشكال التبنؤ والتحليل والرصد العلمي المنهجي هذا إذا استثنينا بعض الجهود الأكاديمية المبعثرة لطلبة دراسات عليا هنا وهناك بما تتيحه بعثات التمويل وبرامج الدراسة الأكاديمية التي تمتد لسنوات يكون أثناء إعداد مثل هذه الأطروحات شكل العالم المحيط قد تغير أكثر فأكثر.

المقاربة الأساسية التي يطرحها هذا المقال، هي ضرورة تأسيس مؤسسات معنية، منفصلة عن مؤسسات التخطيط من ناحية آلية عملها، هدفها إجراء مسوحات ‘ونثر’ وسائل وآلات الرصد العمراني المستمر للبيئات المحلية، فالإقليمية، تتواصل قطريا وقاريّا وعالميا، لتوفر دراسات منهجية ترصد التحولات البيئية والعمرانية المستمرة وتضعها بين أيدي الباحثين والأكاديميين ومؤسسات البحث العلمي والجامعات، تشكل في مجموعها ‘خارطة معمارية’ للواقع، والتي يمكن على ضوئها، وبمرسومها، استشراف السياسات لتجنب ‘كوارث’ معمارية من جهة، ولتقديم خارطة رصد للواقع العمراني، لا كناتج فيزيائي فقط، ولكن رصدا يستشرف واقع سياسات التعليم، والتحولات في تقنيات مواد البناء، والتطورات التكنولوجية التي يمكن أن تضع بصماتها على البيئة الفيزيائية والعمرانية. فالبيئة العمرانية هي منتج للكثير من المدخلات الأساسية من واقع وطبيعة التعليم المعماري وحجم واعداد الخريجين في مجالات العمارة والتخطيط وما يدور في فلكها، وبدراسة نظم ومنهجيات وواقع التعليم وطبيعة التوجهات المعمارية في سنوات الدراسة ومقاعد الطلبة في الجامعات المحلية ونظم وأدوات وسياسات النقابات المهنية يمكن التنبؤ علميا بدرجة عالية الدقة، كالتنبؤ الجوي وحالة الطقس ليوم غد، بما سيكون عليه حال البيئة المبنية بعد سنوات تخرج هذه الأفواج من الطلبة. وبإضافة الحالة السياسية السائدة في مؤسسات الدولة وصناعة القرار في البلديات وأمانات التصميم والتخطيط، والحالة الإقتصادية المرحلية، والمزاج العام والذهنية السائدة المحلية في الواقع العمراني والمعماري، والتقدم والتخلف في البحث العلمي المعماري واستمزاج سياسات ممارسة المهنة يمكن التنبؤ ورصد ما سيكون حال البيئات العمرانية ‘الإفتراضية’ قبل وقوعها، وبناء عليه يمكن رصد ‘الكوارث’ المعمارية مسبقا، تماما كما يتم رصد الزلازل والبراكين اعتمادا على الراصدات الحساسة المبثوثة في مواقع استراتيجية تمكن مراصد الزلازل والبراكين من تقديم نتائج دقيقة، ونفس الحال من التنبؤ الفلكي في توقيت الخسوف والكسوف وحركات النجوم والأجرام الفلكية في السماء.

قد يقول قائل إن العمارة كمعادلة لها ثوابت لكن متغيراتها، وبخاصة ما يتعلق برصد النواحي الإجتماعية وسياسات صناعة القرار والذهنية المجتمعية ومناهج التعليم كلها متغيرات يستحيل التنبؤ بها ورصدها مختبريا أو كميا أو علميا كما يتم في حال رصد الظواهر الطبيعية. وفي هذا الإحتجاج جانب من الصحة، إذا تقبلنا فكرة أن المجتمع يسير للأمام في حالة من ‘التصادم الطبيعي’ العشوائي كتصادم ذرات محلول في انبوب اختبار. لكن مبدأ ‘التصميم’ بالمفهوم الواسع للكلمة تم إطلاقه قبل عقود وشمل فيما شمل جوانب كان يستحيل التفكير فيها وتقنينها ومنها المجتمع. ففكرة ‘تصميم المجتمعات’ طرحت في الثمانينيات لتعني مفهوما أقرب لحالة التنبؤ والرصد انتهاء بتقنين السلوكيات والذهنيات واعتمادا على وسائل وآليات ‘تحفيزية’ ومؤثرة ومنها سياسات التعليم ومناهجه وتطوير البيئات المبنية. وهكذا فمن الممكن أن تكون عملية التنبؤ والرصد ليست أحادية المنحى أو ذات اتجاه معين أو واحد، بل تصبح عمليات متراكبة ومتكاملة تتم بشكل مواز وبحيث تتداخل فيها معطيات، تكون العوامل المؤثرة فيها ‘أداة’ وقالبا أو ‘محتوى’ في ذات الوقت.’مراصد’ العمارة حسب مقاربتنا هذه، هي مؤسسات محلية تستقرئ الواقع وتقدم صورا وقراءة للمستقبل اعتمادا على معطيات الواقع. وبتجمع وتكامل ‘المراصد’ العمرانية محليا فإقليميا، فدوليا فعالميا، يمكن أن تخطو العمارة المعاصرة خطوات عملية بعيدا عن حالة التكلس ‘الكلاسيكية’ التي ظللتها طوال قرون. إذ وبالرغم من التطورات المرحلية، في أنساق وأنماط وطرز العمارة التي تدرس كتاريخ ونظريات، ما تزال العمارة ‘بمنهجيات’ عملها والرؤى التي تقدمها للعالم من حولنا هي عمارة مغرقة في الكلاسيكية ولم تتطور فعليا منذ عصر الفراعنة سوى ما طرأ على وجهها من تغير في الطرز وبعض التطورات التقنية ‘النوعية’ المرتبطة غالبا بتطورات ‘علمية’ أكثر منها فنية. والفرق بين عمارة الأمس وبين عمارة العالم المعاصر، أن الأولى كانت بطيئة كسولة تراوح محليا وذات قدرة أقل على صوغ العالم المحيط غير المترابط فيزيائيا وعولميا، على العكس من الأخيرة، التي باتت تنذر بأخطار متعددة أقلها أنها تسير نحو المجهول. فلا يمكن لباحث أو أكاديمي أو عبقري التنبؤ بأية ‘كارثة’ معمارية ستحدث وتعليق الجرس لمنعها. كما لا يمكن التنبؤ ورصد خريطة وشكل البيئة العمرانية بعد خمسين عاما من اليوم.

وبرغم ما سبق، فهناك مؤشرات وتطبيقات حالية في العالم الغربي تتعلق بمبدأ الرصد والتنبؤ ولكن من جانب ‘التخطيط’ الإستشرافي. ففي مدينة لندن مثلا، هناك تخطيط مرحلي مستقبلي يتم بموجبه وضع خطط وتصورات ومخططات تبين شكل المنطقة بعد خمس أو عشر سنوات، وهذه يتم توفيرها للعامة عبر وسائل الاتصالات في المكتبات المحلية بحيث يمكن تصفح المخططات ومطالعة ما سيكون عليه شكل المنطقة بعد خمس أو عشر سنوات. لكن هذا ليس مضمون المقاربة الأساسية التي طرحناها آنفا، بل هو مجرد تنفيذ لسياسات تخطيطية أفضل مما يجري في العالم النامي. ما تطرحه هذه المقاربة تتعلق بالتنبؤ والرصد اعتمادا على ‘المتغيرات’ التي تزوغ، لأول وهلة وفي غياب البحث العلمي الجاد، عن الإدراك وتصوغ في نفس الوقت البيئات العمرانية وما تزال، وهي مدخلات في المعادلة تمثل المنظومات الإجتماعية والتعليم والسلوكيات وأنماط حياة المجتمع ونظم وأنظمة السياسة القائمة وسواها.

تأتي هذه الملاحظات من وحي تأملات في الواقع المتلاطم للبيئات العمرانية عربيا وعالميا. وفي زيارة حديثة للكويت، تبدو مظاهر التطور والتحول في البيئة العمرانية بشكل ملحوظ ولافت، من بيئة تقليدية إلى حالة وسط بين التقليدية وبين التسارع المطرد باتجاه أنماط الحداثة، بشكل يطرح تساؤلا مهما حول وجهة العمارة وتحولاتها في المدن العربية بعد خمسين عاما مثلا. وفي مراسلات حديثة مع مدير جائزة الآغاخان للعمارة الإسلامية، السيد فاروق درخشاني، ذكر لي أنه ذهل من التطورات التي طرأت على مدينة بيروت منذ آخر مرة زارها قبل أكثر من عقد من الزمان. والحقيقة أن البيئات المبنية تتسارع في التطور بشكل غير منضبط وضمن سياسات، أو ربما ‘لا سياسات’ للوجهة التي تؤول إليها المدينة والبيئة المبنية، سوى قصر نظر صناع القرار ومحدودية قدرات رصد واستشراف المستقبل ضمن رؤية تحليلية لمعطيات الواقع وإطار ناظم.

باعتقادي أن المؤسسات التي تعنى بتقديس التراث والمحافظة عليه، كجائزة الآغا خان للعمارة الإسلامية مثلا، أو منظمة المدن العربية، والمؤسسات التي تعنى بالحفاظ وتطوير المناطق التقليدية، أنها قد لا تجد مادة للبحث فيها، أو المحافظة عليها وترشيحها للجوائز بعد عقود، في عالم ومدن تسير نحو المجهول الحقيقي. فبمعطيات ‘صناعة’ العمارة الحالية لا يمكن التنبؤ بشكل أو ماهية أية بيئة مبنية في أية بقعة من العالم في عام 2050. لقد راعني في مدينة الكويت مشهد بيت تقليدي تم الحفاظ عليه وتحويله لبيت للخزافين، في وسط بات يتعالى ويتطاول نحو السماء بشكل يتهدد وجود مثل هذه الأبنية التي قد تقتلع من أساساتها يوما ويتم وضعه ‘كمعروضات’ في متاحف العمارة مستقبلا، وبخاصة أن العمارة في العالم اليوم تسير نحو المجهول فعلا، وتبدو كمحيط متلاطم تصب فيه الأنهار والجداول من كل اتجاه وبكل طراز ومنهج على مبدأ ‘من كل روض زهرة’!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية