التنقيب في حقل محصود!
عدنية شبليالتنقيب في حقل محصود!كوينكا، وهي بلدة إسبانية صغيرة تقع في مقاطعة كستيلا لا مانتشا، استضافت في شهر كانون الاول (ديسمبر) الماضي حدثاً ثقافياً عنوانه فلسطين: الأرض، المنفي، والإبداع . وقد ضم هذا الحدث العديد من الفعاليات والنشاطات الفنية من شتي الحقول كالأدب والموسيقي مع التركيز علي السينما والفن. في حفل الافتتاح، وبعد سماع كلمات المنظمين اللطيفة التي أعقبتها كلمات السياسيين الرنانة، قدم الفنان تيسير البطنيجي عمله الاستعراضي رحلة عصية (voyage impoible). ويتكون العمل من كومة رمل يقوم الفنان بنقلها حفنة تلو الأخري بواسطة رفش من موضعها إلي موضع آخر، وما يكاد أن ينتهي من ذلك حتي يعود وينقلها ثانية إلي موضعها السابق وهكذا دواليك، لينجلي بذلك العمل كرحلة سيزيفية لا نهاية لها. غير أنه الرمل، لا الصخر الذي كان يثقل كاهل البطنيجي، والذي استدرج بدوره سيزيفوس إلي خارج أسطورته الإغريقية ليجد له مكانا في حاضره الشخصي، و رحلة عصية بين غزة وباريس. إنما هي عبثية واحدة هي التي تربط بين هذا وذاك واللعنة ذاتها، لا تفرق بين ملك إغريقي ولا فنان فلسطيني، كل ما ينجزه مصيره الدمار، بل ان النبوءة بالدمار تروح تنبثق مع أي محاولة جديدة للبناء، وتنمو بنموه. ثم بمرور الوقت علي مشاهدته، يروح العمل يتحول تدريجيا من رحلة سيزيفية إلي ساعة رملية كلما انتهت حبات الرمل في إحدي جهتيها تديرها يد إلي الجهة الثانية، والتي يصير من الممكن بواسطتها قياس وقت الرحلة العصية ، فما تلبث العبثية ذاتها تستولي علي مفهوم الوقت الذي لا يعود يتقدم في خط مستقيم، إنما في دائرة لا تحمل فوقها أي أملٍ بالنهاية أو بما هو جديد.في الصالة المجاورة لعمل رحلة عصية ، كان يجري عمل استعراضي ثانٍ بعنوان حبس أنفاسي (holding my breath) للفنانة جمانة عبود، حيث تقوم بدفن رأسها في ما يشبه القناع الحديدي حتي لا تعود قادرة علي حبس أنفاسها أكثر، عندها وفي لحظة التماسّ مع الاختناق التام ترفع رأسها لالتقاط نفس يخولها العودة من جديد إلي القناع الحديدي لحبس أنفاسها. إذا كان عمل البطنيجي أشبه برسم لدائرة عبث الحياة، فإن عمل عبود يقرّب هذه الدائرة من خط التماس مع الموت. إن العملين وبالرغم من التناقض البادي بين موضوعتيهما -الحياة مقابل الموت -، إنما يتشابهان في استيلائهما علي فكرة النهاية وإعادة توظيفها كشرط للاستمرار. وهنا ربما تكمن حيلة الدائرة علي طوليّة الخط المستقيم، حيث أي نقطة نهاية فوقها يمكن أن تكون بالدرجة ذاتها نقطة بداية، كما العكس. السؤال الآن كم هو حاضر السياق الفلسطيني، أو إلي أي حد تنعكس فلسطينية الفنانين في عمليهما هذين؟ السؤال ليس جزافيا، إنما محاولة لاستعراض نقاش طويل دار في كوينكا بين الفنانين الفلسطينيين المشاركين والذي أطلقت شرارته ورقة بعنوان إعادة النظر في الفن الفلسطيني ، قدمها جاك برزخيان، وهو مدير مؤسسة المعمل للفن المعاصر في القدس ومنسق معرضي عبود والبطنيجي للحدث في كوينكا. إحدي النقاط المركزية التي طرحها برزخيان في تلك الورقة كانت حول ضرورة تحرر الفن الفلسطيني من موضوعة الهوية القومية والتعامل المباشر مع السياسي، بحيث تصبح صناعة الفن أهم من صناعة فن فلسطيني ، وهمّ الفنان الرئيسي.والنقاش الذي أثارته هذه الورقة بين المشاركين ومن بينهم مريد البرغوثي، محمود أبو هشهش، رلي حلواني، رائدة طه، خليل رباح، فؤاد عصفور، دانا عريقات وأنا نفسي، حمل بدوره العديد من التساؤلات. فمع أن الأغلبية توافق برزخيان علي ضرورة شحذ الفن لكامل حواسه وتفتحها علي أكبر قدر من أشكال الوجود، إلا أن السؤال هل ممكن أن يكون خروج الفنان من سياق الهوية القومية والسياسي المباشر منوطاً بدعوة خارج عملية إنتاجه؟ للبعض بدت هذه الدعوة كالوجه الثاني لدعوة أخري كانت قد وجِّهت في السابق إلي الفن الفلسطيني بأن يكون فلسطينيا أكثر ما يمكن، ذلك إما لأسباب عملية بحتة كالإجابة علي تعطش من لا يألف واقع فلسطين، أو لأسباب أخلاقية كالإحساس بالمسؤولية تجاه ما يجري في فلسطين والرغبة في توثيقه أو في توصيله إلي العالم الخارجي. ورغم تفاوت هاتين الدعوتين في المضمون، إلا أنهما تتبعان المنطق ذاته وهو المحاولة في التأثير علي خيارات الفنان من الخارج وإخضاع عملية الإنتاج الفني نحو التداول بموضوعات معينة دون الأخري. وهكذا لا تختلف مثل هذه الدعوات كثيرا، وإن اختلفت في درجة تطرفها، عن تلك التي توجهها شركات الإنتاج إلي الفنانين بتداول موضوعات دون الأخري للإجابة علي أسئلة كسؤال الأرباح مثلا، أو محاولة الثقافة الرأسمالية بزج عامل الترفيه إلي الفن بهدف المساهمة في عملية استرداد العامل لطاقته الإنتاجية والعودة إلي مكان عمله أشد نشاطا، أو حتي محاولة الدكتاتوريات الغليظة فرض دعايتها علي الفن. فهذه الأمثلة رغم اختلافها، إنما تشير إلي الأنواع المختلفة للضغط الخارجي التي يجابهها الفن وجميعها تفضي إلي التدخل والتأثير علي عملية يفترض بها أن تكون أشد ما يمكن استقلالا وحرية. بالتالي إن قرر فنان فلسطيني ذات صباح بأن يلتهم حذاءه أمام الكاميرا وآخر بأن يصور اجتياح الجيش الإسرائيلي لمدينة رام الله، فهذا الأمر من شأن الفنان وحده وليس قضية خاضعة لسؤال الطلب والعرض. في الآن ذاته، يبقي حكم المشاهد علي أي من هذين العملين يعتمد علي كم استطاع أن يجد في حيزهما مجالا لتأويلاته ولتجربته الذاتية، بغض النظر عن مادة العمل أو مصدره. من جهة أخري، وكدليل علي عدم وجوب حصر الفنان لعمله بالسياق الفلسطيني، اقتبس برزخيان في ورقته رد الفنانة مني حاطوم علي ملاحظة قالها مرة إدوارد سعيد حول أعمالها، بأنها تعبر أكثر من أي فنان آخر عن الوضع الفلسطيني. وقد جاء رد حاطوم بأن سعيد يقرأ أعمالها من سياقه الشخصي كفلسطيني مرّ بتجربة المنفي. بالتأكيد سعيد هنا يقرأ أعمالها من داخل سياقه (كما هي تقرأ ملاحظته من داخل سياقها)، بل لا أعتقد بأن سعيد آمن يوما بأن هنالك مقولة خارج سياق قائلها، أو بأن هنالك نقطة خارج الكون يمكن من فوقها التعبير عما هو خارج السياق، أي ما هو بمثابة الحقيقة المطلقة، وكتابه الاستشراق هو أكبر دليل علي ذلك. إنما أمكن حاطوم، كما برزخيان، قراءة ملاحظة سعيد ليس سلبيا ـ بأنها محاولة لتحديد فن حاطوم، إنما إيجابيا ـ إشارة إلي السياقات اللانهائية للسؤال الفلسطيني، وبأنه ليس أحادي الشكل أو التأويل. بل يمكن القول هنا بأن دعوة برزخيان نفسها الموجهة للفنان الفلسطيني بأن ينتج فنا بدل إنتاجه لـ فن فلسطيني إنما مرتبطة بسياق الخطاب الفني الحالي، وما يسوده من مفاهيم سابقة كالعالمية وأخري أشد حداثة كالعولمة.كذلك، يقتصر نقاش الورقة في محاولة إعادتها النظر في الفن الفلسطيني، علي أعمال فنية علي شاكلة الالتفاف بالعلم الفلسطيني أو التلون بألوانه، في حين حسب رأيي إن كان هنالك إشكالية في مثل هذه الأعمال فهي لا تنبع من سؤال فلسطينيتها ، بقدر ما تتعلق بقيمتها الفنية بشكل عام.إلا أنه مع ذلك الأمور ليست بمثل هذه البساطة، بل انها آخذة في الازدياد تعقيدا. نقاش من نوع آخر ثار بين أفراد المجموعة ذاتها عقب عرض مجموعة من الأفلام الفلسطينية ضمن فعاليات الحدث نفسه في كوينكا. كانت الأفلام المعروضة وثائقية أو روائية ـ وثائقية (روائقية) صُوِّرت غالبيتها بعد انتفاضة عام 2000 وبالتحديد أثناء فترة الاجتياح الإسرائيلي للعديد من المخيمات والمدن والقري الفلسطينية في ربيع 2002.هنا بودي العودة هنيهة إلي كوينكا، المدينة الصغيرة الناعمة هادئة البال التي تعود إلي فترة القرون الوسطي، حيث الناس لطفاء وقد تعرفنا علي بعضهم، فرحنا نلقي عليهم التحية في الطريق من الفندق وإلي صالة العرض. وصالة العرض فيها مقاعد حمراء حالما يجلس المرء فوقها يغطس بداخلها ولا يعود يري أمامه أو خلفه، سوي الشاشة المعلقة بعيدا والتي راحت فجأة تجري فوقها صور من فلسطين: جنود ودوي رصاص وإطلاق قنابل وإصابة بها وهلع وشبان يرجمون الحجارة ومواكب تشييع الضحايا وشوارع وواجهات مطاعم محطمة ومبانٍ ونصب تذكارية وأزقة مظلمة، كلها مألوفة للعين، تعود وتظهر أمام العين ذاتها علي حين غرة في كوينكا الصغيرة.لبرهة، بدت الصور كما لو أنها شبح من الماضي قدم لملاحقتنا نحن المبتعدين عنها منذ أيام، لإرجاعنا إلي البيت بعد أن وجدتنا مغمسين في سحر كوينكا، نستمتع بملذات سكونها. كلا. أنا في الواقع لم أشعر بأن تلك الصور كانت تعود لماضٍ عشته ذات يوم. بينما هي تجري أمامي راحت تبدو كما لو أنها تخص حياة غريبة لم أصادفها من قبل. كل شيء كما لو أنني أشهده للمرة الأولي. لم تكن صورا تعكس واقعا مألوفا بالمرة، إنما خلقت فوق الشاشة واقعها الخاص بها والذي راح يملي عليّ أحاسيس مختلفة تماما عن تلك التي أملاها عليّ الواقع الواقعي، فقد رحت أبكي كلما قالت إحدي الشخصيات شيئا محزنا مع أنني أنا نفسي قد أكون عشت هذا الحزن في السابق لكنه لم يبكني أبدا من قبل.ولم أستطع ترك الشاشة. أردت أن أشاهد كل الأفلام وأعيشها كلها، بينما راحت تلوح في ذهني ذكري رغبة طالما أثقلت وجودي في فلسطين، في أن أترك هذا الواقع، ألا أشهده.أخيرا خضعت لإحساس رهيب بالعطش والذي اجتاحني خلال عرض أحد الأفلام القصيرة. ولقد حاولت مقاومته في البداية، إذ شعرت كما لو أنني سأخرج من حياتي نفسها لو تركت الشاشة لبضع دقائق، لكنني حين شعرت بأن روحي ستخرج من جسمي، ذهبت لإحضار الماء .عندما عدت لأكمل بقية الفيلم، امتد هذا أطول بكثير مما يمكن لفيلم قصير أن يفعل، فملت إلي جاري أسأله حول الموضوع وقال هذا بأن ذلك الفيلم قد انتهي منذ وقت وأن فيلما جديدا قد بدأ خلال الفترة التي خرجت فيها لإحضار الماء. فجأة أدركت الخدعة التي راحت تمارسها عليّ الشاشة. غالبية الأفلام بدت كما لو أنها فيلم واحد يتبع ذات الشخصيات- ذات الجنود والشباب والنساء والأطفال، بل كما لو أنه ذات المخرج وذات المصور وذات المقطع قاموا بصنع غالبيتها. قد يقول البعض أنه أيضا ذات الواقع منذ وقت طويل. لكن أحقا أن كل الحيوات في فلسطين متشابهة، لا خصوصية لدي أي منها لتجعلها تبدو مختلفة عن البقية؟عندها قررت أن أترك القاعة وألحق ببقية المجموعة الفلسطينية والتي كان قد ترك أعضاؤها القاعة قبلي، ربما بعد الفيلم الثالث، ليس مللا مما عُرِض أو استهتارا به، وليس حتي بدعوي أننا نعيش هذا الواقع فلا حاجة لنا لرؤيته، إنما بسبب ذات الإحساس بالخديعة الذي اكتشفته أنا بعدهم. كانوا يقفون عند مدخل القاعة وغضب عارم يملأهم نحو تلك الكاميرا التي قادتها وفرضت خياراتها وجمالياتها ثقافة الأخبار، والتي كان قد انتقدها كذلك برزخيان في ورقته. كاميرا تترك خارج كادرها كل ما هو غير فوتوجيني، في وقت أقل الأشياء فوتوجينية وضآلتها جمالا هي القدرة علي إيجاد سبيل للحياة بالرغم من كل شيء. قدرة خفية يجري التنقيب عنها كما ينقب الفقراء عن بقايا القمح في حقل محصود، في العدم. إنها قدرة عبود علي رفع رأسها في اللحظة المناسبة لأخذ نفس جديد، والبطنيجي علي نقل حفنات الرمل مرة تلو الأخري تلو الأخري. بل كثيرا ما يشبه الفن حقلا محصودا، لا يجدر بالمرء بأن يطالب بأكثر مما يجد فيه هو بنفسه. كاتبة من فلسطين تقيم في لندن0