التنقيح والجثة الهامدة

حجم الخط
0

صبحي حديدي

داليا كاربيل سينمائية إسرائيلية (لها شريط عن إميل حبيبي، بعنوان باقٍ في حيفا ) وصحافية ومعلّقة سياسية ذات أسلوبية خاصة مميّزة بالفعل، تشتغل علي الصيغة الذكية التالية: حَكّ، وبالتالي تنشيط، ذاكرة مَن بقي علي قيد الحياة من مواطنات ومواطني الدولة العبرية مّمن يُعرفون باسم جيل الروّاد؛ وذلك بغرض نبش ما في تلك الذاكرة من وقائع لا تبرهن علي انكسار الحلم الصهيوني فحسب، بل انقلابه علي القِيَم ذاتها التي بشّرت بها الحركة واتكأت عليها وروّجت لها. وعلي سبيل المثال، حاورت كاربيل المواطنة الإسرائيلية دولي غرينبرغ، المولودة في إسطنبول سنة 1933 لأسرة يهودية هاجرت إلي فلسطين سنة 1940 وأقامت في القدس، حيث ستختارها المنظمة الصهيونية المحلية لتكون الطفلة الناطقة باسم المهاجرين اليهود أمام اللجنة الأمريكية ـ الصهيونية التي تأسست سنة 1946 لتقصّي الحقائق حول القضية الفلسطينية. المرء يفهم جوهر الصهيونية علي نحو مختلف تماماً وهو في سنّ الثانية عشرة تقول دولي التي بدّلت اسمها إلي داليا، ودرست القانون وصارت قاضية بارزة وعضواً في المحكمة العليا، وتشغل اليوم منصب رئيسة المجلس الصحافي الإسرائيلي. فماذا عن جوهر الصهيونية اليوم، بعد كلّ هذه العقود، وبعد الحرب البربرية علي لبنان مؤخراً؟ الدولة في نظرها ديمقراطية، بل هي ديمقراطية لأنها يهودية. و حقّ العودة، لليهود طبعاً، مبدأ مقدّس حتي إذا بدا غير عادل وغير ديمقراطي، خصوصاً حين يُحجب تماماً عن الفلسطينيين، بل يتحوّل عند السواد الأعظم من الإسرائيليين إلي خطر محدق يهدد الدولة الديمقراطية ذاتها. ثمّ ماذا عن الصهيونية، أو ما بعد الصهيونية كما في المصطلح الرائج؟ تقول المواطنة الصهيونية التي تجاوزت السبعين: الآن، كما في الماضي، يظلّ بقاء إسرائيل هو أساس كلّ اعتبار، إسوة بقضايا مثل الكرامة الإنسانية والمساواة التامة للجميع. كيف؟ هكذا… كيفما شاءت القراءة الصهيونية، كيفما اتفق! والمرء هنا، في غمرة هذا السجال الإسرائيلي ـ الإسرائيلي حول ما بعد الصهيونية (وكأنّ ما قبل هذا الـ ما بعد كان مختلفاً في أيّ اعتبار) يتذكّر ذلك التيّار التنقيحي داخل الحركة الصهيونية، الذي أسّسه وتزعمه زئيف جابوتنسكي سنة 1925. وكان أبا أخيمئير أحد كبار قادة المجموعة، وفي عداد الصقور المتشددين قولاً وفعلاً، كما كان الأطول لساناً في استمطار اللعنات والشتائم والاتهامات ضدّ حاييم وايزمن و الصهاينة الكاذبين، من اشتراكيين و إنسانيين و أحباب صهيون، وضدّ تسعة أعشار المنظمات الصهيونية أياً كانت وظائفها، من الهستدروت وحتي أصغر المنظمات المعنية بمسائل الهجرة وشراء الأراضي وتنظيم الاستيطان. ومنذ أواخر العشرينيات أعلن أبا أخيمئير أن المنظمة الصهيونية جثة هامدة ينبغي أن تُدفن سريعاً قبل أن تزكم رائحتها أنوف الصهاينة الأطهار. وللإيضاح السريع: الأطهار هؤلاء كانوا شباب الحركة من أمثال مناحيم بيغين وإسحق شامير، أبطال العمليات الإرهابية القادمة ضدّ الفلسطينيين والبريطانيين علي حدّ سواء، وقادة أحزاب اسرائيل ورؤساء وزاراتها في العقود التالية. كراهية البريطانيين كانت الأقنوم الثاني في أفكار أخيمئير، وقد كادت هذه الكراهية أن تقصيه عن فلسفة الحركة، وعن قائدها جابوتنسكي الذي تعاطف مع البريطانيين ومارس نشاطاته من لندن. والمثير أن كراهية أخيمئير للبريطانيين لم تمنعه من الإقرار بأن فلسطين ملك للتاج البريطاني، حتي إشعار آخر. لماذا؟ لأن دماء بعض الجنود البريطانيين أريقت في احتلال فلسطين، والمطلوب اليوم إراقة دماء صهيونية كافية لأعلان حقّ صهيون في فلسطين، قبل سحب ملكيتها من بريطانيا، مرّة وإلي الأبد. وفي هذا السياق بالذات، سخر أخيمئير من أفكار جابوتنسكي حول ضرورة تنظيم حركة جماهيرية، واعتبر أن حفنة منتقاة من الأبطال الفائقين (بالمعني النيتشوي الصرف) كفيلة بتحقيق أداء إعجازي يفوق عشرات المرات ما يمكن أن تنجزه الحشود الغفيرة البلهاء، والقطعان البشرية الهائمة علي وجوهها. العقيدة الفاشية كانت الأقنوم الثالث في فلسفة أخيمئير. والفاشية هنا ليست كناية عن نزعة تتماهي مع الفاشية، بل هي خيار التطابق الصارخ المباشر مع العقيدة الفاشية الإيطالية، ومع شخصية بنيتو موسوليني دون سواه. وأخيمئير لم يتردد في تشبيه جابوتنسكي بموسوليني، بل وأطلق عليه لقب دوتشي يهودا والسامرة. أكثر من ذلك، اعتبر أخيمئير أن صعود أدولف هتلر والنازية الألمانية يقدّم خدمة خماسية للحركة الصهيونية: ـ يخلصها من ميوعة الصهاينة الإنسانيين من أمثال آحاد هاعام ومَنْ يسير في ركابه ضدّ فكرة الدولة اليهودية في فلسطين. ـ يبرهن أن الدوس علي روح الأمة سوف يطلق أفضل ما فيها: أبطالها الأشبه بالأنبياء. ـ يثبت إفلاس الذين يفضلون تحسين أوضاع اليهود في الشتات، بدل نقلهم إلي فلسطين. ـ يقدّم دليلاً جديداً علي استحالة اندماج اليهود في مجتمعاتهم المضيفة. ـ يضعف الشيوعية السوفييتية، ويطهّر ألمانيا، أعظم الأمم في عالم الأغيار، من شبح الشيوعية كما تنبأ اليهودي العاقّ كارل ماركس. وأخيمئير محلّ احترام، وليس البتة موضوع حياء، عدد كبير من الكتّاب والباحثين والأكاديميين والساسة الإسرائيليين الذين يثمّنون فيه ذاك تتعبّد له الذاكرة الصهيونية علي اختلاف أطوارها: قداسة الدولة الفريدة من نوعها، الديمقراطية لأنها يهودية، سواء سفكت الدماء أو سارت في ركاب الدوتشي والفوهرر!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية