بانية (إيران) ـ د ب ا: كمال وعطا ومحمد ثلاثة من الأكراد في منتصف الثلاثينات من العمر يعيشون في مدينة بانية غرب إيران قرب”الحدود مع العراق. وفي طفولتهم عايش أبناء العم الثلاثة رعب الحرب الإيرانية العراقية التي أمتدت من 1980 إلى 1988 وهجمات قوات الزعيم العراقي الراحل صدام حسين على مسقط رأسهم التي حولت مدينة بانية إلى أرض معركة وواحدة من أكثر المناطق المحرومة في البلاد. ولم يتلق الثلاثة تعليما مناسبا وكان عليهم أن يكدحوا مقابل رواتب ضئيلة من العمل كعمال نظافة”أو عمال بناء في العاصمة طهران التي تبعد 650 كم. وقال عطا ‘هذا الوغد (صدام) جعلنا نعاني لسنوات عديدة ولكن الله لم يجعله يواجه الإهانة فحسب، ولكنه أيضا جعل موته مصدر رخاء لنا نحن الأكراد في بانية’. وفي أعقاب الغزو العسكري الأمريكي للعراق عام 2003 وإنهيار نظام صدام حسين لم يعد الناس في المناطق الكردية بشمال العراق مقهورين أو معزولين. فسرعان ما وجدوا وسيلة لتحويل حريتهم إلى إيجاد فرصة عمل تجاري مع الرفاق الأكراد في إيران. وبدأ الأكراد العراقيون يطلبون بضائع من الصين وإندونيسيا ودولة الإمارات العربية المتحدة وشحنها إلى ميناء البصرة بجنوب العراق ثم إلى مدينة السليمانية بشمال البلاد وتسليمها إلى جماعات التهريب المشكلة حديثا. وتنقل هذه البضائع بعد ذلك إلى كردستان الإيرانية مما حول مدينة بانية التي يسكنها 70 ألف نسمة إلى جنة جديدة للتسوق. وتسمح السلطات الإيرانية’للصحافيين الأجانب بدخول الإقليم بل وتدعوهم لزيارته ليشاهدوا الإزدهار الإقتصادي في بانية”، ولكنها لا تسمح لهم برؤية كيف أصبح هذا الإزدهار ممكنا بالفعل. ومع ذلك فإن المهربين يفتخرون بشرح الإجراءات، بل من الممكن في مقابل الحصول على مبلغ 200 دولار أن يوضحوا للصحافيين كيف تنقل البضائع إلى إيران. وقال مهرب إيراني ‘يحمل المهربون العراقيون على أكتافهم”البضائع حيث يحمل كل منهم ما يصل إلى وزن 150 كيلوغرام بضائع مثل أجهزة التليفزيون ذات الشاشات ‘إل سى دى’ كبيرة الحجم وأجهزة المطبخ والكمبيوتر إلى الجبال على الجانب الإيراني ويقومون بتسليمها لنا في الليل عندما لا تكون لدى حرس الحدود القدرة على رؤيتنا’. وأضاف ‘إننا نقوم بتهريب البضائع من منطقة الحدود إلى مكان آمن ونضعها على شاحنات يقوم المهربون بالمدينة بإحضارها وتسليمها إلى أصحاب المتاجر في بانية’. ويستفيد من التجارة غير المشروعة عبر الحدود كل من المهربين على الحدود والمهربين في المدينة وأيضا التجار الذين يبيعون البضائع إلى الزبائن بدون ضرائب حيث لا يدفعون أي ضرائب إلى الحكومة أيضا. والمستفيدون الرئيسيون هم المستهلكون”الذين كان عليهم أن يدفعوا ما بين 25 إلى 50 في المئة أكثر للبضائع الصينية أساسا إذا تم جلبها إلى مدنهم. والشرطة وحرس الحدود في بانية على علم تام بالتجارة غير المشروعة عبر الحدود والمبيعات التي لا يدفع ضرائب عليها في السوق، ولكن من الواضح أنهم يفضلون تجاهل الأمر. ووفقا للمهربين فإن أحد الأسباب هو أن بعضهم يتلقى رواتب من المهربين. وقال كمال ‘سبب أخر هو أن الشرطة وحرس الحدود يفضلون بشكل قاطع أن يكون هناك مهربون أكراد عن أن يكون هناك رجال حرب عصابات أكراد’. وتحول كمال من مجرد عامل نظافة إلى رجل أعمال ناجح يمتلك منزلا جديدا ولديه زوجة وطفلين. وبالنسبة له، فإن التجارة هي شأن كردي داخلي لا يرتبط بالعراق ولا إيران. وقال ‘الأكراد عائلة واحدة كبيرة، بغض النظر عن أين يعيشون وهم يساعدون بعضهم البعض بصرف النظر عن جنسيتهم’ في إشارة إلى ما يقرب من 40 مليون كردي في أنحاء العالم بينهم 7 ملايين في إيران ونفس العدد تقريبا في العراق. ونتج عن ازدهار الأعمال الناجم عن التجارة غير المشروعة عبر الحدود أيضا الإستثمار في البنية التحتية بالمدينة وسيتم إنشاء ما لا يقل عن فندقين من فئة الأربع نجوم في بانية قريبا لاستقبال التدفق المتزايد من النزلاء الذين يقدرون الآن بالالاف يوميا. وعطا ومحمد أبناء عم كمال اللذان يتوليان تنسيق طرق التجارة من الحدود إلى المدينة يكسبان الآن عشرة أضعاف ما كانا يحصلا عليه قبل بدء ازدهار التهريب. وقال عطا ‘بارك الله في الأمريكيين الذين غزوا العراق وقتلوا صدام لأن ذلك غير حياتنا تغييرا جذريا للأفضل’. ووفقا لمحمد فإن التجارة غير المشروعة تعتبر خيرا أيضا للمتزوجين حديثا الذين يمكنهم الشراء من بانية ما يحتاجون إليه لبدء حياتهم الزوجية. وقال محسن الذي قطع بالسيارة أكثر من خمس ساعات من مسقط رأسه في تبريز إلى بانية ‘كنت أعتزم أنا وخطيبتي أن نتزوج خلال ستة شهور لأنه لم يكن لدينا المال الكافي لشراء السلع الضرورية، ولكن هنا في بانية أستطعنا ذلك ووفرنا ما يصل إلى 15 مليون ريال (1500 دولار) وسنتزوج الشهر المقبل’. ويعاني الاقتصاد الإيراني منذ عدة سنوات بسبب العقوبات الدولية المفروضة على البلاد بسبب موقفها المتصلب في النزاع النووي. إلا أن العقوبات لا تلعب أي دور بالنسبة للأكراد في بانية. وقال كمال ‘العقوبات، أي عقوبات؟ كيف تستطيع العقوبات أن تؤثر بأي شكل في شئ غير شرعي تماما وسيظل كذلك”وهو بين ألأكراد وليس بين أي دول؟’.