التوافق المنشود في ارض الكنانة

مرت مصر بأجمل مراحلها في العصر الحديث خلال الحكم الملكي، وكانت أجمل مرحلة في`ذلك الحكم مرحلة الملك فاروق الأول، الذي كان يطلق عليه في ذلك الوقت ملك مصر والسودان. ولم يكن عدد سكان مصر في تلك المرحلة يزيد عن خمسة عشر مليونا، لكن مصر استطاعت أن تستقطب اهتمام العالم العربي كنموذج للحداثة التي يتطلع إليها الكثيرون، فقد اكتمل في تلك الفترة بناء المدن المصرية على أسس حديثة وخاصة القاهرة والإسكندرية التي أطلق عليها عروس البحر الأبيض، كما ربطت مصر بخطوط السكك الحديدية وأقيمت فيها قاعدة إنتاجية واسعة للصناعة في المحلة الكبرى، وخاصة صناعة النسيج، وظلت مصر في المجال الثقافي مركز العالم العربي حيث كان العقاد وطه حسين وتوفيق الحكيم والرافعي والمنفلوطي هم الأسماء التي يتابعها المثقفون في مختلف أنحاء العالم العرب.
ولم تكن مصر في تلك المرحلة تتدخل في سياسات الدول العربية إلا بتقديم العون لها، وقد شهدنا ذلك في السودان حيث فتحت كثير من المدارس والمشروعات البناءة، ولكن تحولا مهما حدث بعد الثورة المصرية في عام 1952، إذ كان أول ما فعلته الثورة المصرية هو شيطنة النظام الملكي وإظهار الأغنياء على أنهم طبقة مستقلة دون التنبه إلى أن أغنياء مصر مثل ‘عبود’ باشا كانوا يقيمون المشروعات التي تستفيد منها البلاد كلها . وظلت الثورة تمني الشعب المصري بالحرية والتقدم من خلال المشروعات الاشتراكية التي كانت وبالا على الشعب المصري حيث وضعت ثروة البلاد كلها في أيدي أناس لم يحسنوا استخدامها، وهكذا بدأت تستشري اتهامات الفساد التي تفوقت على سائر الاتهامات التي وجهت إلى العصر الملكي،
وكان من أخطر ما فعلته الثورة المصرية هو إدارة ظهرها إلى السودان بصفة كاملة بعد أن كانت دعوة وحدة وادي النيل هي التي تحرك الوجدان في البلدين، وتغافلت الثورة المصرية كذلك عن الزيادة المضطردة في السكان، إذ بعد أن كان سكان مصر لا يزيدون عن خمسة عشر مليونا أصبحوا الآن يقاربون المئة مليون، وبدأت مصر في عهد عبد الناصر تؤيد مشاريع الوحدة العربية دون التنبه إلى الاختلافات القائمة بين البلاد العربية من حيث التكوينات الثقافية ومصادر الثروة ونظم الحكم التي لا تلتقي عند خط واحد.
واستمر هذا الأمر دون أن تتحرك الجماهير المصرية التي كانت تؤيد عبد الناصر تأييدا أعمى على الرغم من سياسته التي جلبت بعض الكوارث، كما هو الشأن في حرب الأيام الستة، واستمر الأمر كذلك حتى ثورة الخامس والعشرين من يناير التي أسقطت نظام الرئيس حسني مبارك، ولا يمكننا أن نقول إن تلك الثورة نشأت في ظروف عادية ذلك أنها لم تكن في طبيعتها متحركة بأسباب الفساد والقهر اللذين سيطرا على السياسة الرسمية في مصر منذ ثورة يوليو عام 1953، بل كانت متحركة كامتداد لثورات الربيع العربي التي بدأت من تونس ثم توسعت في ليبيا و مصر . لكن ثورة الربيع العربي في مصر لم تحقق أهدافها كما كان ينتظر بسبب ظروف مصر الخاصة وعدم وجود القاعدة التي يمكن أن يبنى عليها المجتمع الحديث، وبالتالي لم تكن هناك جماعة مستعدة للوصول إلى الحكم سوى جماعة الإخوان المسلمين التي حاربها نظام ثورة يوليو منذ حادثة الاعتداء على الرئيس جمال عبد الناصر بغرض اغتياله.
وتمكنت جماعة الإخوان المسلمين في آخر الأمر من الوصول إلى الحكم، بل ومكنت رئيسا من بين صفوفها وهو الرئيس محمد مرسي أن يحكم البلاد على مدى عامين، واختلفت الآراء في تقويم فترة حكمه، إذ بينما رأته جماعة الإخوان المسلمين الرئيس المناسب لحكم مصر، رأته الاتجاهات العلمانية بداية مرحلة لإقامة نظام حكم لا يعترف بالتنوع الفكري والثقافي، وبالفعل قامت جماعة مدنية بالإعلان عن موقفها المناهض للنظام ولكن رموز هذه الجماعة اختفوا بعد الانقلاب المصري، والسؤال المهم الذي يواجه الكثيرين هو لماذا لم تستطع الجماعات الإسلامية أن تقدم مشروعا للحكم يكون مقبولا عند الجميع، وهنا لا أريد أن أقف عند مشروعات لم تتبلور بصورة كاملة، بل أتوقف عند نظام الحكم القائم في السودان، الذي على الرغم من وصوله إلى الحكم منذ عام 1989 فهو لم يستطع أن يبلور طبيعة النظام الإسلامي الذي يريد إنشاءه، وما زال النظام يحكم بما يسميه الحزب الوطني وهو لا يختلف عن حزب الاتحاد الاشتراكي في نظام عبد الناصر، وهكذا بعد اثنين وعشرين عاما من الحكم توقف النظام ليطلب من سائر الاتجاهات السياسية في البلاد أن تتشارك معه في وضع دستور غير مقتنعة به، بل ويطلب من الأحزاب التي أزاحها من الحكم مشاركته في السلطة، ويأتي ذلك كله لأن القائمين على النظام اكتفوا بالشعارات العامة كقولهم إنهم يريدون تطبيق الشريعة الإسلامية دون أن يكون عندهم تصور سياسي متكامل لإقامة نظام حكم مبني على الشريعة الإسلامية.
ولكن العلمانيين في مصر لم ينتظروا طويلا إذ خرجوا بانقلابهم العسكري الذي كان هدفه المبطن هو الحيلولة دون سيطرة الإسلاميين على الحكم في البلاد، ولا شك أننا نتابع الآن سيلا من المظاهرات والاحتجاجات في مصر ويخبروننا بأن كل هذه الاحتجاجات ضد حكم العسكر، ولكن السؤال المهم هو إذا كان الأمر صحيحا فكيف يمكن لنظام العسكر أن يصمد أمام هذه الاحتجاجات المليونية ،؟وهنا لا بد أن تكون هناك حقيقة غائبة، ذلك أن العسكر لم يحكموا مصر هذه الفترة المحدودة فقط بل ظلوا يحكمونها منذ ثورة يوليوعام 1952، ولم يخرج الشعب عليهم فلماذا يخرج عليهم الآن؟ الحقيقة هي أن مصر تمر بمرحلة تحتاج إلى النظر فيها بمعايير أخرى، ذلك أن الخلاف بين العسكر وغيرهم ليس خلافا بين الشرعية والانقلاب، لأنه لو حصر الأمر في هذا التعريف فمعنى ذلك أن الشرعية هي عودة الرئيس مرسي، أوبمعنى آخر عودة الإخوان المسلمين إلى سدة الحكم، وقد لا يعترض الإخوان المسلمون على هذا الفهم، ولكن هناك في داخل مصر الكثيرين الذي لا يريدون نظام حكم يقوم على أساس ديني ونعرف أن الأقباط يشكلون ثقلا في الأمن الاجتماعي المصري، وهم قد لا يوافقون على ذلك، وبالتالي فإن ما تحتاج إليه مصر في الوقت الحاضر ليس مجرد إزالة العسكر من الحكم بل التوافق على تصور شعبي متكامل يؤسس إلى بناء دولة ديموقراطية حقيقية وحديثة يتعايش فيها الإخوان المسلمون مع غيرهم، ولكننا نعلم أن مصر منذ نهاية العصر الملكي لم تخض تجربة من هذا القبيل، وبالتالي قد يصعب عليها في الوقت الحاضر أن تؤسس لطبيعة النظام الذي ندعو إليه، ولكن العالم العربي كله يتطلع الآن إلى مصر وهو يريد أن تنهي مصر مشكلتها بسرعة لأن الطريقة التي ستنهي بها مصر هذه المشكلة ستنعكس بصورة إيجابية على كثير من الدول العربية التي قد تواجه مشكلات مشابهة في المستقبل القريب، والمهم في كل ما ذهبنا إليه أن تعرف القوى السياسية في العالم العربي أن الأمر لا يتعلق فقط بكيفية الوصول إلى السلطة بل يتركز أساسا في كيفية تحقيق الاستقرار في ظل نظام دولة يستوعب الجميع مهما اختلفت العقائد والمكونات الثقافية.
ويبدو هذا التصور بعيدا في الوقت الحاضر خاصة بعد أن اختفى العلمانيون من المشهد بعد أن ساندوا الانقلاب العسكري، وذلك ما يؤكد أن تحرك الشارع في الوقت الحاضر فيه كثير من الجدية ويستوجب الحرص. وما هو مطلوب من العسكر هو أن يدركوا أن القوى الإسلامية هي جزء مهم في المكون الثقافي للأمة ويجب عدم محاربتها انطلاقا من تصور تقليدي ظل سائدا طوال فترة حكم ثورة يوليو.

‘ كاتب من السودان

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية