العلاقة هادئة بين الصحافة والحكومة بعد اجتماع تصالحي مع رئيس الوزراء.. وحتي الجولة القادمة
لدينا شعور واضح بأن الحكومة لا تريدنا وتحاول في الواقع القضاء علي الصحافة الوطنية. هي تريد فجأة جباية الديون التي غضت الحكومات السابقة النظر عنها، هذا كان احد الادعاءات المركزية التي طرحها قبل اسبوعين المحررون الرئيسيون ومدراء الصحف الوطنية ـ تلك التي تملكها الحكومة ـ تجاه رئيس الوزراء المصري أحمد نظيف في لقاء عقدوه في الاسكندرية.
هذا كان لقاء نادرا وافق فيه رئيس الوزراء علي الجلوس مع محرري الصحف، ليس فقط لالقاء محاضرة أمامهم حول موقف الحكومة. كل واحد سيقول ما يجول في خاطره، اقترح نظيف عليهم. وبالفعل صب كل منهم ما في صدره. تلك الحكومة التي شطبت دينا بـ 13 مليار جنيه مصري (2.3 مليار دولار) للقطاع العام، تُصر علي عدم حل مشكلة ديون الصحافة الوطنية البالغة 6 مليارات جنيه، ادعي محررو الصحف.
الحكومة قررت في اطار سعيها للاثقال علي الصحافة الحكومية اقتصاديا نقل جزء كبير من طباعة الكتب الصحافية الي المطابع الخاصة، فحرمتهم بذلك من مصدر دخل هام. وهناك ايضا مسألة اخري وهي النشر الحكومي المدفوع الذي مُنح في عدة حالات للصحافة الخاصة وليس للصحف الحكومية. اذا لم تقف الحكومة الي جانب الصحافة الحكومية، فكيف سيكون بامكانها أن تقف الي جانبها؟ تساءل المحررون.
علاج طبي في الخارجالصحافة الحكومية ـ صحيفة الأهرام الأكثر قِدما و الأخبار واسعة الانتشار و الجمهورية و روز اليوسف ـ هي في الواقع اتحادات توزع عشرات الصحف والمنشورات وحتي الابحاث والدراسات. ولكن في السنوات الأخيرة أُضيفت لمحلات بيع الكتب والصحف في القاهرة مئات الصحف الخاصة الجديدة، وبعضها من دون ترخيص، بينما يعود جزء منها للمعارضة السياسية أو الدينية، الامر الذي وسّع الجدل الشعبي في مصر.
في السنوات الأخيرة نشرت عدة قضايا فساد في مجال الصحافة. أخطرها كُشف في صحيفة الأهرام عندما اشتُبه برئيس مجلس المدراء السابق، الصحافي المرموق ابراهيم نافع، باختلاس مليارات الجنيهات المصرية من صفقات النشر، وأخذ نصيبه من إمدادات الأوراق والعطاءات بالملايين لبناء مبني الصحيفة. كل الصحف الحكومية غارقة في ديون ضخمة، كانت الحكومة تمتصها في العادة وتواصل تحويل الاموال اليها من دون حساب بما في ذلك إرسال المحررين لتلقي العلاج الطبي في المستشفيات في الخارج. كل هذا لم يمنع الصحافة الحكومية من انتقاد الحكومة ورئيسها، ولكن الهجمة علي رئيس الوزراء الذي عُين في هذا المنصب في 2004، قد ازدادت جدا في الآونة الأخيرة، هذه الهجمة التي تعتبر مؤشرا لمسعي الرئيس لاحداث تغيير في الحكومة وتعيين رئيس وزراء جديد. نظيف تحول في الواقع الي قربان لكل اخفاقات الحكومة وخصوصا سياسة الخصخصة التي تهاجمها الصحافة الحكومية، ليس فقط لاسباب اجتماعية وانما بالأساس بسبب القلق من بيع الصحافة الحكومية مع صحافييها الاربعة آلاف الي القطاع الخاص. احدي الوسائل التي يستخدمها رئيس الوزراء في الرد علي منتقديه من الصحافيين تتمثل في اعادة فحص المترتبات الضريبية علي محرري الصحف ومدرائها. علي سبيل المثال وزير المالية أصدر أمرا باعتقال محمود التهامي، رئيس مجلس ادارة روز اليوسف بتهمة اخفاء الضرائب. تدخل وزير الاعلام أنس الفقي وحده هو الذي أدي الي الغاء هذا الأمر، ولكن ذلك لم يُبعد السيف المسلط فوق رأس التهامي كتهديد مبطن ضد محرري الصحف الآخرين الذين يهاجمون رئيس الوزراء. رئيس الوزراء تحرك هنا ضد صحيفة مؤيدة لجمال مبارك، نجل الرئيس غير الراضي عن أداء نظيف لدوره. رئيس الوزراء نفي في لقاء في الاسكندرية أية نية للمس بالصحافة الحكومية، أو الرغبة في خصخصتها. لا يمكن لأحد أن يقضي علي الصحافة الوطنية، وستبقي قائمة، وهذا وعد مني كرئيس للوزراء بصورة شخصية ورسمية، قال نظيف. ولكن في نفس السياق أوضح ايضا بأن الخصخصة ضرورية للاقتصاد المصري، وأنه لا مفر من جلب الاستثمارات الاجنبية لمصر، اذا لم نكن راغبين بالتوجه نحو القروض. الخصخصة في مصر تتم بصورة مشابهة لما حدث في ماليزيا التي فتحت الطريق أمام كل الاجانب للاستثمار فيها. مصر بحاجة الي استثمارات بعشرة مليارات دولار في السنة حتي تتمكن من توفير 750 وظيفة جديدة سنويا، ذلك لان مداخيلها الحالية تكفي لانتاج 200 ألف مكان عمل فقط. ولكن هذه الامور لم تقنع محرري الصحف الذين تساءلوا الي أين ذهبت اموال الخصخصة التي حصلت عليها الحكومة حتي الآن. أين الاستثمار في البني التحتية والمياه والكهرباء والطرقات؟ كما تساءل المحررون عن عمق الفساد والبيروقراطية في مصر. كل هذه الامور كانت مركزا لانتقاد قوي من الصحافة الحكومية ضد الحكومة وضد رئيسها. وفي الآونة الأخيرة تجندت هذه الصحافة ايضا لمهاجمة التعذيب في أقبية التحقيق في مصر إثر ما نشر في البداية في مواقع الانترنت.
يحافظون علي الشرطةالخلاف بين رئيس الوزراء وعالم الصحافة يُحير من يسعي لاعتبار الصحافة المصرية تابعة للنظام. كيف يمكن ان تكون هذه الصحافة حكومية ومناهضة للحكومة في نفس الوقت، وطنية ومناهضة للأهداف الوطنية، مثل الخصخصة أو انشاء فرص عمل جديدة؟
الجواب علي هذه البلبلة قد يكون موجودا في الامور التي قالها محررو الصحف لرئيس الوزراء في قضية تفسير السياسة الحكومية، هم قالوا له ان هناك فرقا بين الدفاع عن الدولة التي تدافع عنا وبين الحكومة التي يتوجب انتقادها من اجل مصلحة المجتمع. الدولة باقية أما الحكومة فتأتي وتذهب. هذه العبارة تعتبر ركنا أساسيا لكل وسائل الاعلام في الدولة الديمقراطية، ولكن إثر هذه الامور جاء ادعاء آخر من قبل الصحافيين. كيف يمكننا ان ندافع عن سياسة الحكومة عندما لا يكون لدينا أي مفهوم حول هذه السياسة؟.
هذا الادعاء ينطوي علي انتقاد مزدوج. الحكومة لا تعرف فقط كيف تُجند الصحافة لصالحها، وتفسير مواقفها للصحف، وأن تكون في علاقة مباشرة مع المحررين، وانما هي ايضا تأتي بادعاءات حول عدم قيام المحررين بتخمين كيفية التصرف المطلوب، وتعتقد أن عليهم في أية حال أن يتخذوا موقفا مؤيدا للحكومة.
ولكن هذا الموقف يكشف عورة الصحافة التي تدعي أنه لو كانت الحكومة علي علاقة قوية مع محرريها لكان لديهم استعداد فوري للدفاع عنها. لم يتبق أمام رئيس الوزراء إلا أن يُذكر صحفه بأنه يُقدر الصحافة الحكومية جدا، وأنه يعطي اغلبية تصريحاته للصحف الحكومية فقط، والقليل منها للتلفاز، وأنه يحاول الرد علي هجمات صحيفة حكومية من خلال صحيفة حكومية اخري.
ولكن رئيس الوزراء يقول انه يتوجب أن تكون هناك خطوط حمراء للصحافة الحكومية ايضا. من المحظور المس بحقوق الانسان، ولكن يتوجب الحفاظ علي الشرطة التي تحافظ علي الأمن والاستقرار. ومن الذي يحدد الخطوط الحمراء؟ نظيف يريد أن يكون رساما للحدود، ولكن الصحافة الحكومية، التي تدرك ان عليها الآن أن تنافس الصحافة الخاصة غير المقيدة بالخطوط الحمراء، ترغب فجأة بلعب دور الصحافة الحرة بنفسها.
في هذه الاثناء خيّم السرور علي العلاقة بين رئيس الوزراء والصحافة. خرجنا بشعور انه يفهم أن من يجلس أمامه ليسوا شياطين تريد ملاحقته، ونحن خرجنا بشعور انه ليس عدوا للصحافة، كتب كرم جبر، الصحافي في روز اليوسف. كل شيء هاديء حتي الجولة القادمة.
تسفي برئيلمراسل للشؤون العربية(هآرتس) 29/8/2007