التوتر في الاسكندرية مظهر لأزمة الديمقراطية

حجم الخط
0

التوتر في الاسكندرية مظهر لأزمة الديمقراطية

يسري حسينالتوتر في الاسكندرية مظهر لأزمة الديمقراطيةما حدث بمدينة الاسكندرية في منطقة سيدي بشر ليس الأول ولن يكون الأخير، إذ أن النبرة الطائفية ترتفع مع إستفحال الأزمات الديمقراطية وإستمرار قانون الطوارئ وزيادة عدد العاطلين عن العمل وإنتشار الفساد، وثراء الطبقة الحاكمة وتدهور أحوال الفقراء وتردي الأوضاع الإقتصادية.وفي ظل سيادة لثقافة متخلفة، تشيع القيم غير العلمية، تزداد مساحة التوتر حيث يتم تفريغ شحنات الغضب والإحتجاج ضد مواطنين آخرين، هم أنفسهم يعيشون في نطاق الأزمة ويواجهون كافة الأعباء من غلاء وبطالة وتردي مستوي الخدمات. وبدلا أن تتجمع قوي المجتمع وراء شعار التغيير والديمقراطية، نجد أن البعض من الذين يعيشون أزمات الاختناق الاجتماعي والأمراض النفسانية يتورطون في إحتجاج وعنف ضد مواطنين مثلهم ينتمون إلي أرض الوطن، وقد يختلفون في الديانة أو الملة أو العقيدة.وفي الأحياء البريطانية الفقيرة يتجه إحتجاج بعض السكان البيض علي البطالة والفقر بالعدوان علي المهاجرين الفقراء مثلهم القادمين من آسيا وأفريقيا. ويرفع الإنكليزي الأبيض علم إنكلترا ويلقي بالحجارة علي بشر مثله يفرغ فيهم حقده وغضبه علي الحكومة. والإحتجاج يأخذ الشكل الوطني العنصري، وفي بلاد أخري مثل مصر يعبر عن نفسه في الإحتقان بين طوائف الأمة. ومصر، كانت دائما أرض التسامح ويعيش فيها الكل في واحد كما يقول توفيق الحكيم في عودة الروح . والرواية كانت الصدي لنهضة ثورة 1919 ضد المستعمر البريطاني، حيث إصطف أبناء الأمة في كيان واحد ضد الإحتيال رغبة في الإنعتاق والتمرد وبناء مصر الحديثة بمشاركة الجميع في نهضتها، مثل مشروع طه حسين والآخر الذي تبناه سلامة موسي. وأعادت نكسة 1967 قوة للمشروع السلفي الذي تبناه حسن البنا في عام 1928 وفشل في ترويجه حتي جاءت الهزيمة فأعطت لخطابه فرصة لطرح ثوابت وتفسيرات سمحت بهيمنة الدين علي السياسة. وكان هذا الطرح هامشيا خلال نهضة حكم عبد الناصر في التنمية وتأميم القناة ومعركة 1956 وبناء السد العالي. كشفت الهزيمة عن تغلغل الأفكار، التي إستغلت النكسة لحسابها ولترويج تفسيرات دينية عن أسباب الإنكسار الذي حدث وهزيمة الجيش.ومع صعود السادات إلي السلطة تمت تنمية الإتجاه السلفي في تصريحات الرئيس المؤمن، التي كانت تعادي اليسار كله مع المثقفين والمتنورين المصريين. وأطلق السادات مجلة الدعوة مع الإعتصام وعشرات المطبوعات التي شنت حملات ضد التحالف الوطني مع هجوم صريح علي تكامل عنصري الأمة وتراثها. وأطلق الإنتصار في حرب أكتوبر قوي اليمين المتخلف والذي التف حول السادات مثل محمود أبو وافية، والتيار المعادي للتنوير في الثقافة والفكر. ونذكر الحملة التتارية علي الصحافة وإغلاق مجلات مثل الطليعة ثم الكاتب وما ترتب علي ذلك من هجرة كاملة للتيار الثقافي الوطني إلي الخارج، حيث خرج رجاء النقاش وأحمد عباس صالح وأديب ديمتري وميشيل كامل، مما ترك الساحة خالية لاعداء التنوير والفكر العلمي التنويري. وعلينا ندرك أننا نحصد ثمار الحملة المكارثية التي شنها السادات في السبعينات ضد الثقافة المصرية.واعتمد الرئيس المؤمن علي الإخوان المسلمين حتي اختلف معهم نتيجة زيارته القدس وتوقيع معاهدة كامب ديفيد وإستقبال شاه إيران في مصر. لكن تراجع السادات عن التحالف مع الإخوان لم يقض علي الإنتشار السريع لأفكارهم وترسيخ الخطاب الديني المرتبط بالتحريم وفرض السلوكيات علي طبيعة المجتمع المصري، وإعادة طرح مناقشة للثوابت التي كانت سائدة في المجتمع والتي أفرزتها ثورة 1919، بأن الدين لله والوطن للجميع.ومع صعود الجماعات الإسلامية المتطرفة بدأ إصدار الفتاوي ضد الأقباط، والهجوم علي محلات بيع الذهب والكنائس في صعيد مصر، بشكل يتناقض بالكامل مع قيم أصيلة حيث أن الأقباط والمسلمين أبناء وطن واحد وتظللهم سماء واحدة.وشهد عصر السادات التوتر الطائفي، علامة علي إنهيار التنمية والصلح مع إسرائيل وتغير المسار الوطني. ورغم أن النظام كان يستخدم مفردات الخطاب الديني إلا انه كان يلقي بمصالح الوطن وأمنه في الأوحال، مع تراجع عوامل النمو الإقتصادي وزيادة الديون وبداية عصر الفساد، مما زاد من أزمة التوتر وأدي إلي مذبحة سبتمبر للمثقفين ورجال المعارضة الوطنية. وقد انتهت هذه المأساة باغتيال السادات نفسه في قمة صعود التوتر وهو ما صوره هيكل أروع تصوير في كتابه الفريد خريف الغضب .وإذا كان الرئيس مبارك بدأ حكمه بمصالحة سياسية لكافة التيارات، فإن إنعزال نظامه مبكرا عن حركة المجتمع لبناء هيمنة السلطة الحاكمة، ترك كل شيء يسير بلا تدخل، مع هيمنة إعلام وثقافة تدعم السلفية بكل أشكالها، مع قيام دور المؤسسات الحكومية في النشر بطبع الكتاب الديني الذي يتهجم علي القوي الوطنية والأخري القبطية، ويرسخ الأفكار المدمرة داخل عقول الشباب مما كان له أكبر الأثر علي زرع وجهة النظر السلبية عن الآخر الوطني الذي يشاركنا حياتنا ويواجه المصاعب نفسها.زيادة عزلة النظام عن الشعب وتورطه في مساندة الفساد، وطبقة رجال الأعمال الجديدة وإعتماده علي خطاب ثقافي متخلف، بالإضافة إلي مناهج تعليمية تعاني من نفس الأساليب. كل ذلك عمق الإحتقان بين أفراد الأمة. ولعلنا نلاحظ في الوقت نفسه زيادة حجم الجرائم وإستخدام العنف وبروز حالات الجنوح والإنحراف، نتيجة عشوائية تسود مصر وغياب الأمل مع شيخوخة واضحة للنظـــــام وعدم قدرته علي طرح أفكار النهضة التي رافقت ثورة 19 وثورة يوليو عام 1952.إن الإعلام المصري خلال ربع قرن ساده الخطاب المتخلف، الذي إستغل الدين من خلال صفحات متعددة وفتاوي تشجع علي التزمت والإنغلاق وكراهية المدنية الحديثة والعداء لمشروع النهضة والتيارات اليسارية والليبرالية مع نشر الكراهية للآخر والهجوم علي معتقداته وإتهامه بالكفر.وكان أهرام هيكل ينشر لنجيب محفوظ وتوفيق الحكيم وحسين فوزي ولويس عوض بينما أهرام إبراهيم نافع فتح صفحاته لـ زغلول النجار ، حيث تدعي مقالاته العلم والدين، وهي لا علم ولا دين! وعندما زار النجار لندن عبر الأقباط المصريون له عن شكواهم من هجوم مستمر عليهم في مقالاته التي تتخفي بأقنعة العلم ومضمونها يعيد القراء إلي متفجرات فكرية تتعارض مع المشروع الوطني وعن سماحة راسخة في قلب التاريخ لمحبة أبناء الوطن جميعا.إن هناك أزمة عامة للمجتمع تتمثل في غياب الديمقراطية والتنمية وتعثر مشروع الإصلاح ورفض تداول الحكم وطرح قضية التوريث التي أصبحت شغل النظام كله. كما أن خطف رجال الأعمال للسلطة السياسية من قوي المجتمع الحقيقية مع ضياع ثروات مصر، وترك التيار الديني ينشر أفكاره حيث يتمتع بحماية مستترة مع إصرار النظام علي تكبيل وحصار الأحزاب السياسية التي ترفع لواء نهضة الوطن.إن الاسكندرية مدينة الحضارة والحوار الإنساني، وصورة مصر المتسامحة، شهدت هذه الإشتباكات بين أبناء الوطن الواحد. وما حدث إدانة حقيقية للنظام المستمر منذ ربع قرن مجمدا لإرادة التغيير والحراك الإجتماعي والبعث النهضوي. إن التحدي المطروح علي مصر هو الإصلاح بالكامل وإطلاق قوة الوطن نحو العمل والتصنيع والنمو الإقتصادي. وإسقاط الوطن في مصيدة التوتر الطائفي خيانة حقيقية لمشروع مصر الوطني العظيم. وتملك كافة القوي الوطنية المصرية القدرة علي هزيمة هذا المخطط الجهنمي بأداة الديمقراطية والخروج من نفق التعسر السياسي والحصار الذي يمارسه الحزب الوطني علي الأحزاب وأنصار مشروع التغيير لبناء مصر قوية بعلمها وبجميع أبنائها تحت علم الحرية والعلم وحقوق الإنسان وقبول الآخر والإتحاد معا في جبهة واحدة لمواجهة مشروع التخلف والتوتر الطائفي.9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية