التوجهات والقوى الحاكمة في إحياء الذكرى الثانية لثورة يناير

حجم الخط
0

محمد عبد الحكم ديابمصر تنتظر الذكرى الثانية لثورة 25 يناير وهي في وضع لا تحسد عليه، وقد يكون يوما من أيام الشدة والمعاناة الحادة، فالحل الأمني الوحشي جاهز، والمليشيات الإخوانية المدربة مستعدة، والمدد المالي والتسليحي والبشري؛ من بنغازي والخرطوم والدوحة وغزة وغيرهم يصل تباعا، وخلع وزير الداخلية الجديد جلباب سلفه أحمد جمال الدين؛ المهني المحايد، والنائب العام رهن إشارة د. مرسي لوأد المناسبة، والتصدي للمتظاهرين والمعتصمين، الذين يضعون الآن اللمسات الأخيرة لترتيباتهم.الأنظار تترقب ذلك اليوم القريب وهي تأمل أن يخفف الله من وطأته؛ ويحد من سقوط مزيد من الشهداء والمصابين والجرحى. والمتوقع لذلك اليوم أن يكون محكوما بتوجهات أربع قوى رئيسية نراها على النحو التالي:أولا: توجه رسمي وحكومي ذو طابع احتفالي؛ لكنه قلق وخائف ومرتبك، ومحكوم بضيق أفق وانغلاق مرجعياته الطائفية والمذهبية التي اختطفت الثورة وألبستها رداء الثورة المضادة، واتخذت من التقسيم الجغرافي والعزل الطائفي والتفرقة المذهبية طريقا لهدم الدولة والانتقام من الشعب وتصفية الحساب مع المخالفين في الرأي والتوجه والعقيدة؛ بكل ما يترتب على ذلك من اضطراب وعدم استقرار، مع الاعتماد على دعم جماعات مسلحة وكيانات مالية منتشرة على رقعة واسعة من مصر والوطن العربي والعالم الإسلامي، ولها جسورها مع أوساط صهيونية تقربها للدول الغربية، خاصة الولايات المتحدة؛ راعية للمشروع الصهيوني، والعاملة على بقائه وتأمينه وتوفير الحماية لدولته، والعكس بالعكس، ومن أجل ذلك يدور الحكم الإخوانى وروافده في ذلك الفلك، مؤكدا التزامه بـ’معاهدة السلام’ مع تل أبيب..ثانيا: توجه غير رسمي يتعامل مع المناسبة بمنطق شبه احتفالي بين قوى اليمين والوسط، وهي قوى تدعي الانحياز للثورة، وهي لا تمت للعمل الثوري بصلة؛ وتركب موجته إلى أن تحصل على الاعتراف بشرعيتها كمعارضة رسمية للحكم الطائفي والمذهبي، وعليها أن تسلم بـ’غزوات الديمقراطية’ السابقة واللاحقة، ولا ضير من استمرارها على ذلك النسق المعيب في ‘الغزوة الديمقراطية’ القادمة، مادام هناك إشراف قضائي يعززها، وأعلى سقف لهذا التوجه هو تعديل الدستور الحالي؛ والتخفيف من عواره الوطني والتشريعي، ويتطلع لقبول ‘النصائح’ الغربية التي تمكنه من الشراكة في الحكم، وليست لديه مشكلة في مغازلة الصهاينة، وهذا توجه له ثقله في ‘جبهة الإنقاذ الوطني’، التي التقاها ‘مبعوث الشر’ الأمريكي جون ماكين؛ المرشح الجمهوري الأسبق للرئاسة، ورئيس لجنة العلاقات الخارجية بالكونغرس الأسبوع الماضي بالقاهرة، وأشار خلال اجتماعه بها، الأربعاء الماضي إلى سعيه ‘لإيجاد شراكة بين الحكومة والمعارضة’! لإتمام ما أسماه بالعملية الديمقراطية، والعمل على توفير ضمانات لنزاهة الانتخابات البرلمانية، بحسب ما نشرت صحيفة ‘المصري اليوم’ الخميس؛ أول أمس. ثالثا: توجه وطني وعروبي ديمقراطي لكنه راديكالي يرى أن المناسبة هي مناسبة فعل يمسك بتلابيب الديمقراطية ويوجهها لصالح الثورة، ومن موقف واضح لقوى ثورية؛ كثيرا ما عبرت عن نفسها بلسان مؤسس ‘المجلس الوطني’ ممدوح حمزة، الذي قدم مؤخرا مبادرة بعودة دستور 1971، وحذف التعديلات التى أدخلها حسنى مبارك، وإضافة تعديلات تناسب ظروف الثورة؛ وذلك لفترة انتقالية مدتها عامان. ونقل سلطة ‘رئاسة الجمهورية’ إلـى المحكمة الدستورية العليا (في تكوينها السابق على الدستور الحالي المطعون فيه)؛ يعاونها ‘مجلس وطني انتقالي’ يمثل الأحزاب السياسية الكبرى، والحركات الثورية الرئيسية، والمجالس القومية في تشكيلاتها السابقة على حكومة حزب الحرية والعدالة، والمجالس العليا للصحافة، والثقافة، والجامعات في تشكيلاتها السابقة على تعديلات الحزب الحاكم، والنقابات المهنية والعمالية والجمعيات الأهلية، وممثلي شهداء ومصابي الثورة. والجمعيات والحركات النسائية، واتحاد الصناعات والغرف التجارية، وهيئة الرقابة الإدارية، والبنك المركزى، والأزهر والكنائس، والقوات المسلحة والشرطة، وكانت أمانة ‘المجلس الوطني’، قد اعتبرت في بيان لها أن موقع رئيس الجمهورية شاغر منذ أن تلطخت يده بدماء شهداء محيط القصر الرئاسي في أحداث ‘الأربعاء الدامي’ الشهر الماضي، وفي بيان صدر في السابع من هذا الشهر طرح ‘المجلس’ مبادرة دعا فيها إلى ‘إجراء انتخابات رئاسية مبكرة’ تأسيا بالدول الديمقراطية؛ حين تواجه ظروفا صعبة، وأرجعت الأسباب إلى فشل مؤسسة الرئاسة، وخطورة دورها في تقسيم البلاد، وعدائها لـ’النظام الجمهوري’ وكسر هيبته وتصفية مؤسساته، واعتبرت المبادرة أن عودة الاعتصام بالميادين واستئناف المد الثورى، وارتفاع سقف المطالب والمناداة يسقوط حكم الإخوان؛ اعتبرتها نذير خطر يصعب توقع مداه أو السيطرة عليه، بجانب نقص شرعية د. مرسي، التي جاءت نتاجا لمشروعية مخطوفة، فرضتها لحظة فض اشتباك بين الثورة والثورة المضادة، ومحاولة انقاذ ما يمكن إنقاذه، وتدهور شعبية مرسي، وكان أقصى ما وفرته جماعته وروافدها فى جولة الانتخابات الرئاسية الأولى أكثر من خمسة ملايين صوت، وفوزه في الجولة الثانية بأكثر من ثلاثة عشر مليون صوت، بزيادة ثمانية ملايين ناخب من خارج دائرة التأثير الإخواني، وتنكر مرسي لتلك الملايين التي انتخبته. ومن المتوقع أن تسحب ثقتها منه، ويبقى الحل فى إجراء انتخابات رئاسية مبكرة؛ إما أن يحصل على شرعية كاملة بالفوز، أو يعتزل الحياة العامة أو ينتقل لصفوف المعارضة بالهزيمة، وبذلك تدخل العملية الديمقراطية طورا جديدا؛ يخفف من وطأة الاعتصامات في الميادين في 25 يناير ومن مطلب سقوط النظام ورحيل مرسي، وتتجنب البلاد سقوط مزيد من الشهداء والضحايا، وعدم الاستجابة يحمل مرسي تبعة سوء التقدير ومسؤولية ما يحدث للبلاد. رابعا: توجه شبابي ثوري؛ قوته مرجحة في الشارع، ويعمل للصمود والضغط لأطول فترة ممكنة حتى تتحقق مطالب الثورة؛ وخطته تعتمد على زحف مسيرات تدخل قلب القاهرة من ستة منافذ: الأولى من امبابة وبولاق الدكرور والجيزة، والتجمع بميدان مصطفى محمود بمنطقة المهندسين، ومنه إلى مجلس الشورى مطالبا بإسقاط الدستور ثم تستقر بميدان اتحرير. والثانية من شبرا والساحل وروض الفرج والقللي، ومطلبها العدالة الاجتماعية، وتتجه للتحرير مباشرة. والثالثة من حي السيدة زينب والأحياء المجاورة، وتتجه إلى مجلس الشورى غير الدستوري وتطالب بإسقاطه، ثم تستقر بالتحرير. والرابعة من حلوان والمعادي ومطلبها إسقاط حكومة هشام قنديل، وتتجه إلى مجلس الوزراء وتنتهي في التحرير. والخامسة تنطلق من مسجد النور بالعباسية وتتجه إلى التحرير مباشرة. والسادسة من محيط مسجد الفتح بميدان رمسيس إلى دار القضاء العالي لطلب إسقاط النائب العام ثم تتجه للتحرير. هذا بجانب مسيرات الإسكندرية وعواصم المحافظات والمراكز والأقسام في باقي الجمهورية ومن المقرر لها أن تعتصم أمام المقرات الرسمية للمحافظات ومباني الحكومة والحكم المحلي. وهذا يتم في ظروف غير مواتية، وفي أوضاع اقتصادية ومعيشية وأمنية متردية، وهناك تسريبات عن قيام محافظ البنك المركزي الجديد بطبع مئات الملايين من الجنيهات بلا أغطية، مما ينذر بانفلات التضخم وزيادة فلكية للأسعار، وذلك في وقت عاد فيه مسلسل سقوط المباني المخالفة في المحافظات وأهمها محافظة الإسكندرية، وسوء أحوال المواصلات العامة، وهيمنة البلطجية على الحافلات المتوسطة والصغيرة ووسائل النقل الخفيف، وزيادة معدل الكوارث ومأساة جديدة على مشارف مدينة البدرشين القريبة من القاهرة، واصطدام قطار حربي بقطار بضائع سقط فيها 19 شهيدا و117 جريحا، بعد أسابيع قليلة من كارثة مزلقان (تقاطع) منفلوط على خط حديد أسيوط/ القاهرة، ودهس حافلة تلاميذ المعهد الديني، وزاد الضحايا عن خمسين تلميذا، وفي اليوم التالي لكارثة البدرشين حدثت كارثة أخرى على تقاطع أرض اللواء الملاصق لحي المهندسين الراقي.وعلى صعيد آخر شهد يوم الثلاثاء الماضي مظاهرة سياسية ضخمة تمثلت في انعقاد المؤتمر العام لـ’الحزب الناصري الموحد’، وضاقت القاعة الكبرى لنقابة التطبيقيين في القاهرة بالحاضرين ، وكان مقدرا حضور المئات لممثلين من محافظات مصر ومدنها وقراها ونجوعها، وإذا بالآلاف يزحفون على العاصمة، ضمن تحول يجري استشعارا بخطر التقسيم والتفتيت والفتن والتكفير، ولو علم القائمون على المؤتمر بهذا الإقبال لعقدوه في ميدان التحرير.واندمجت الأحزاب الناصرية الأربعة: الحزب الديمقراطي العربي الناصري، وحركة الكرامة، وحزب الوفاق القومي، وحزب المؤتمر الشعبي الناصري في ‘الحزب الناصري الموحد’، واعتبار قياداتها مع ممثلي المستقلين والشباب هم قيادات الحزب الجديد، واعتبار كافة المؤسسات في ‘الحزب الموحد’ مشتركة مع مؤسسات الأحزاب الأخرى في اتخاذ القرارات الانتقالية حتى الانتخابات وعقد المؤتمر الرسمي، المقرر في 23 يوليو القادم. وحضر المؤتمر عبد الحكيم عبد الناصر، ومحمد فائق وزير الإعلام الأسبق ومبعوث الزعيم الراحل إلى إفريقيا. وشخصيات من السودان وسوريا ولبنان وفلسطين واليمن والبحرين وتونس وليبيا. وبذلك أنجزت مهمة الوجود الواقعي، ويكتمل بالوجود القانوني خلال أسابيع.وفي كلمة نقيب المحامين المصريين ورئيس اتحاد المحامين العرب سامح عاشور، وهو يعلن اندماج حزبه أن الحزب الموحد: ‘ليس هدفا في ذاته ولكنه وسيلة لتوحيد الصفوف لإنقاذ مصر، مؤكدا أنه لا تفريط في سيناء، ولا تساهل مع التطبيع، ولا تخلي عن قناة السويس تحت أي دعوى أو إشتراك مع أي دولة عربية أو أجنبية، ولا تنازل عن حقوق الفقراء أو عن العدالة الإجتماعية، ولا تسليم باختطاف الثورة’.وهذا يؤكد أن مصر تمر بلحظة تحول نوعي؛ غيرت من مواقف قطاعات عريضة من المثقفين والكتاب والإعلاميين؛ بما لهم من تأثير، وعادوا يحتمون بدفء عبد الناصر ووطنيته وشعبيته ووحدويته الجامعة من صقيع الطائفية والمذهبية والانعزالية، ولفت نظري ما كتبه الصحافي والإعلامي مجدي الجلاد، ولم يكن ناصريا في يوم ما؛ كتب في ذكرى ميلاد الزعيم الراحل مقالا عنوانه: ‘لماذا لا أحترم سواك؟’ ولولا ضيق المساحة لعرضت المقال كله لتأكيد التحول الذي جرى في المزاج العام. وهذا بعض ما جاء منشورا في صحيفة ‘الوطن’ يوم الثلاثاء الماضي: ‘أتعرف أننى كنت صغيراً، فقلت لأمي يوم رحيلك: لم أركِ تبكين هكذا حتى حين مات جدي.. فأجابت بصوت منتحب: الغالي مات..! كنت غالياً.. فأصبحنا معك أعزاء.. كنت شريفاً، فلم نفسد.. كنت شجاعاً، وكنا أبطالاً.. كنت صادقاً مخلصاً.. فلم نكذب، ولم نتآمر.. كنت رئيساً وزعيماً وأباً وأخاً للجميع.. فلم ننقسم ولم نتصارع، ولم نقتل بعضنا البعض فى الشوارع والميادين.سيدى الزعيم لم يأتِ بعدك رئيس يحمل شيئاً واحداً من صفاتك.. فكيف أحترم سواك؟! ‘ كاتب من مصر يقيم في لندنqraqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية