تيحتشد في القاهرة مؤيدو الاخوان المسلمين، ومن المتوقع أن يواصلوا احتجاجاتهم ضد النظام العسكري في مصر. ومثلما في كل يوم جمعة في الاشهر الثلاثة الاخيرة، هذه الجمعة أيضا سيعتقل متظاهرون. وفي نفس الوقت، فان الحل السياسي بين الجيش والاحزاب الليبرالية من جهة وبين الاخوان المسلمين لا يبدو في الافق. فصياغة الدستور في لجنة الخمسين التي عينت لتنهي مهامها بسرعة، وان كانت تتم الا ان موعد انتهائها ليس معروفا بعد. وهذا الاسبوع وصلت الى القاهرة، للمرة الثالثة في الفترة الاخيرة وزيرة خارجية الاتحاد الاوروبي كاثرين اشتون كي تمارس سحرها المحدود للافراج عن الرئيس المعزول محمد مرسي او على الاقل احداث مصالحة ما، ولكن المصالحة ليست بالضبط امنية الجيش المصري. 2.300 كيلومتر غرب القاهرة، في تونس العاصمة، نشرت هذا الاسبوع صورة ملونة رائعة. ظهرت فيها قافلة جمال تسير ببطء في الرمال الذهبية للصحراء الجنوبية، وهي تحمل المؤن والمياه، والى جانبها غرق في الرمل سفراء عدة دول اوروبية انضموا الى جولة خاصة أجرتها وزارة السياحة التونسية كي تشجع السياحة المتدهورة في الدولة. ‘هذه مبادرة مباركة’، كتب في صحيفة ‘الصباح’ التونسية، ‘ولكن اذا كانت الدولة تستثمر هذا القدر الكبير من المال، حين يفرغ صندوقها، فلماذا لم يكن بوسعها ان تختار موعدا أكثر راحة من ناحية الطقس الحار؟ لماذا تذكروا في اللحظة الاخيرة فقط دعوة سفراء فرنسا، ايطاليا والولايات المتحدة الدول التي نريد ان يأتي منها معظم السياح. ولهذا فهم لا يمكنهم ان ينضموا؟ قد تكون هذه اقوال هامشية ولكنها تدل على الاخفاق’. ممكن بداية تهنئة ‘الصباح’ على نشر انتقاداتها. فقبل ثلاث سنوات فقط كانت جملة كهذه ما كان يمكنها أن تنشر على الاطلاق. حرية التعبير هذه، التي اجتازت ثورة في السنتين اللتين انقضتا منذ اقيمت في الدولة الحكومة الاولى بعد اسقاط الرئيس زين العابدين بن علي، تجعل المواطنين شركاء مباشرين في سر المشاكل السياسية العسيرة التي تحاول الديمقراطية الجديدة ان تتصدى لها من دون أن تدمر الدولة. تدير الدولة ‘قيادة ثلاثية’ يتصدرها حزب النهضة، حزب ديني معتدل نسبيا فاز في الانتخابات بـ37 في المئة من الاصوات، وقريب في ايديولوجيته من الاخوان المسلمين. وفي ائتلاف معه انضم حزب المؤتمر وحزب التكتل العلمانيان اللذان اتفقا معا على تعيين المنصف المرزوقي، الطبيب والناشط في حقوق المواطن رئيسا للدولة.’والتركيبة السياسية للبرلمان وللحكومة، في اعقاب فوز النهضة قبل شهرين من الفوز الساحق للاخوان المسلمين في مصر هي التي قررت عبارة ‘الشتاء الاسلامي’ التي جاءت بعد ‘الربيع العربي’. ففجأة بدا أن نشوى الثورات ورفيف اجنحة الديمقراطية الليبرالية تحطمت في ضوء انتصار الحركات الدينية. آهة خيبة أمل عميقة انطلقت ليس فقط في تونس والقاهرة، بل وايضا في واشنطن وباريس. ولكن رد الفعل المضاد لم يتلبث في الصدور. ففي مصر اطاح الجيش بمرسي وحبس قيادة الاخوان المسلمين. وأمرت المحكمة بالاستيلاء على املاك الحركة ونقل حساباتها البنكية واموالها الى ادارة لجنة وزارية. وعاد الاخوان المسلمون في مصر ليكونوا حركة مطاردة، تقريبا مثلما في الفترة التي سبقت الثورة. اما تونس بالمقابل فتسير في مسار آخر. فيها ايضا تثور منذ اشهر عاصفة سياسية على خلفية سلوك القيادة الثلاثية ولا سيما حزب النهضة الذي سعى قبل بضعة اشهر الى الغاء مساواة الحقوق التي يمنحها الدستور للنساء. والمعارضة الليبرالية التي تتطلع الى اسقاط الحكومة نظمت عدة مظاهرات كبرى في الشوارع، وبسبب الوضع الاقتصادي الصعب بدأت منظمة العمال الكبرى في الدولة في سلسلة من الاضرابات التي هزت الاقتصاد. وبالتوازي مع ذلك، تصطدم الحكومة التونسية بمعارضة عنيفة من الطرف الاخر ايضا، حين تحاول حركات سلفية متطرفة ان تملي نمط حياة متصلب من خلال التهديد، اعمال العنف واستخدام السلاح. ونحو تسعة اشهر استمرت الازمة السياسية التي تفاقمت ايضا في اعقاب اغتيال ناشطين مركزيين: في شباط/فبراير قتل ناشط اليسار شكري بلعيد وفي تموز/يوليو الثوري القديم محمد البراهمي. وفي الحالتين اتهمت الحركات الليبرالية الحكومة بالاهمال، بل قرر بعضها بان ناشطي النهضة يقفون خلف عمليتي الاغتيال. وبزعم هؤلاء لا توجد أية براهين ولكن هذا الادعاء غذى حركات الاحتجاج. وبعض هذه الحركات تجمعت ضمن نطاق ‘ائتلاف الانقاذ الوطني’ الذي يضم احزابا علمانية معروفة وبعضها في اطار حركة ‘تمرد تونس’ التي انضمت اليها ‘حركة العاطلين عن العمل’ وحركة ‘خنقتونا’ ومعا خلقوا محاكاة لحركة ‘تمرد’ المصرية التي بادرت الى المظاهرات في مصر في نهاية شهر حزيران/يونيو وأدت الى اسقاط الرئيس مرسي. يبدو الان انه مثلما شجعت الثورة في تونس واسقاط نظام بن علي الثورة في مصر، هكذا ايضا فان اسقاط نظام الاخوان المسلمين في مصر يبث ريحا قوية في اشرعة احزب المعارضة في تونس، وفي نفس الوقت يوضح لحركة النهضة قيود قوتها. ‘ولكن مقابل مصر، فان حركة النهضة الدينية تقرأ الخريطة السياسية وتنصت لاصوات الشارع. فالتنازل عن الحكم ليس سهلا بالنسبة للحركة الدينية، ومع ان زعماءها اعلنوا في نهاية الشهر الماضي بانهم مستعدون لاقالة الحكومة واقامة حكومة تكنوقراط بعد نحو بضعة ايام أوضحوا بان هذا الاستعداد منوط باستكمال الحوار الوطني وتحديد موعد جديد للانتخابات. ولبدء الحوار اقترح اتحاد العمال الجسم القديم الذي تشكل منذ العام 1946 ويمثل معظم العمال خريطة طريق بموجبها تتشكل حكومة بديلة، يعين رئيس وزراء جديد، يصاغ قانون انتخابي’ ويتقرر موعد للانتخابات. ولكن هذا الحوار علق على مدى نحو شهر حين جمد رئيس البرلمان عمله وهذا الاسبوع فقط استأنفه كي يدفع الحوار الى الامام. ‘ان الفارق الجوهري بين مصر وتونس يكمن في هذه اللحظة في قدرة الحركات السياسية من كل الالوان على أن تدير بينها حوارا ما وتتوصل الى اجماع من دون تدخل عسكري او خارجي. وقال لـ’هآرتس’ رجل حزب التكتل انه ‘مع ان مصر دولة مؤسسات والثقافية السياسية فيها تعتمد على تقاليد كانت تنقص تونس، الا انه في تونس توجد لنا تقاليد علمانية وقانون علماني متجذر اكثر بكثير مما في مصر. فمساواة كاملة في الحقوق للنساء (في البرلمان التونسي تحتل النساء 23 في المئة من المقاعد، اكثر مما في امريكا)، تعدد الزوجات محظور حسب القانون، نحن نتكلم الفرنسية اكثر مما نتكلم العربية، ونحن، رغم أن حزبي هو جزء من الائتلاف، لن نسمح للحركات الدينية بان تغير طبيعة الدولة. ولكننا سنفعل هذا بطرق سلمية بالحوار. ليس في مظاهرات شوارع كبرى، وبالطبع بدون الجيش’. تسير تونس بخطى بطيئة نحو اقامة ‘الدولة الجديدة’، ولكن الانعطافة السياسية للاشهر الاخيرة، ضعف حركة النهضة الدينية، والتوجه الى حوار وطني كمسار لحل الخلافات الايديولوجية، كل هذا كفيل بان يجعل تونس تودع ‘الشتاء الاسلامي’ الذي اخذت تنفضه عنها، وان كان بعنف، مصر أيضا. ‘ هآرتس 6/10/2013