قرأت منذ أيام على صفحة الصديق الشاعر غازي الذيبة في فيسبوك منشورا يقول فيه، إن الوقت حان للتوقف عن الكتابة، لعدم الجدوى من ممارستها.
ما كتبه غازي ليس جديدا في الحياة الإبداعية بلا شك، فمعظم من قُدّر لهم أن يسلكوا هذا الطريق الشائك، فكروا في وقت ما أن يتوقفوا، وأعتقد أن التوقف هنا ليس مرتبطا بالعمر، ولا بعدم النجاح، ولا الإحساس بأن لا أحد يقرأ ما تكتب، بقدر ما هو رغبة في التخلص من عذابات الكتابة المعروفة، عذابات لمها من الحياة المبعثرة من حول المبدع، وقضاء أيام طويلة وربما سنوات، في محاولة ابتكار لغة جيدة لإيصالها إلى المتلقي، ثم معاناة النشر وما بعده من إحباطات كثيرة، تغذي ذلك التفكير السلبي، بأن لا جدوى من كل ذلك.
حقيقة في موضوع هذا التوقف، كنت تابعت مبدعين عديدين توقفوا بالفعل، ولم يعودوا إلى الدرب مرة أخرى، أو توقفوا وعادوا من جديد، أو توقفوا وظلوا متوافرين في الدرب، يطلون بين حين وآخر بهمسة أو جملة أو خاطرة، قد تكون بسيطة، لكن تمنح المتابع فكرة أن ذلك المبدع موجود، ويمكن أن يسير في سكة الإبداع من جديد.
ولأننا جميعا نعرف أن الكتابة في بلداننا ليست مهنة، ولا يمكن ليّ عنقها لجعلها مهنة غصبا عنها، فالمبدع حر في اتخاذ قرار التوقف أو الاستمرار، بعكس المهن الحقيقية التي يظل فيها الموظف، موظفا حتى يحال إلى التقاعد القسري، ونجده يسعى لتمديد بقائه في الوظيفة، خاصة إن كان لديه من يعولهم، ذلك ببساطة أن الوظيفة لها عائدها حتى لو كان بسيطا، والاستمرار فيها، استمرار للحياة الطبيعية.
وأذكر أنني حين التقيت الشاعر نوري الجراح أول مرة منذ سنوات طويلة، وأهديته رواية لي من أعمال البدايات، سألني هل لديك وسيلة كسب غير الكتابة؟ قلت: نعم، فقال: هذا من حسن حظك. وعلى الرغم من أنها كانت جملة أبعدت ذهني تماما عن التفكير في امتهان الكتابة، إلا أنني لم أحس بالإحباط في ذلك الوقت، ولم اقترب من معناها، إلا بعد سنوات طويلة قضيتها كاتبا، وأحس دائما بأنني أعتمد تماما على وظيفتي، وأنني قد أكون تشردت لو استمررت كاتبا فقط.
هناك من يتحدث عن صناعة الاسم والتاريخ الخاص بالكاتب، لتظل كتابته مطلوبة في الصحف اليومية والمجلات، والمواقع الإلكترونية التي قد تمنح راتبا شهريا، لمجرد ظهور كاتب لامع بمقال صغير فيها. أعتقد أن هذا كان رائجا في السنوات الماضية، لو عدنا خمسة عشر أو عشرين عاما إلى الوراء، حين كانت ثمة نجومية تصنعها الكتابة، وثمة أدباء تحولوا إلى محاور، يدور معهم وحولهم نقاش لا ينتهي، ويدخلون في اشتهاءات تلك الصحف والمجلات التي ذكرتها، ثم المواقع الإلكترونية، بعد أن أصبحت الإنترنت منافسا راسخا للورق. وأذكر أنني في تسعينيات القرن الماضي، كنت ألتقي كثيرا بالطيب صالح، نجلس معا ساعات طويلة، لم تكن هناك هواتف محمولة، لكن هاتف الفندق الذي يقيم فيه، كان يرن باستمرار، وثمة عروض جيدة للكتابة هنا وهناك ترد عبره، كان الطيب يرفضها بتهذيب كبير، خاصة أنه كان يؤمن بالمزاج الكتابي، أي أن تأتي الكتابة في لحظة مجيئها، من دون مطاردة ولا لي عنق، والمتابع لزاويته الشهيرة في مجلة «المجلة» التي استمرت سنوات طويلة، يجد ذلك النفس القصصي الرائع، حتى في رواية الحوادث اليومية، ووصف المدن، والمقاهي والمطارات، ما يدل على أنها كتابة جاءت من مزاج، وربما هي مكتوبة أصلا، وفقط تنشر في الوقت المطلوب لنشرها، لذلك ليس غريبا أن تحولت إلى كتب أشبه بالروايات، مثل كتاب منسي.
في الكتابة الدورية، أو الكتابة الراتبة كما يسمونها، أنا شخصيا نسيت معظم من كانوا يكتبون في صحف ومجلات كنت أتابعها، أنا نفسي نسيت أنني كنت مزدحما ذات يوم بكتابة راتبة هنا وهناك، إلى أن تقلصت المنابر.
لو نظرنا إلى الاستكتابات الآن، مع التغيرات الكبيرة التي حدثت في العالم، وحتى قبل انتشار فيروس كورونا، الذي بتنا نجعله سببا لكل الخيبات والانكسارت التي حدثت لنا، نعم هو سبب، لكنه سبب أدى إلى تفاقم الضرر أكثر من إحداث الضرر نفسه، مع تلك التغيرات، توقفت كثير من المصادر عن تمويل الزوايا والمقالات اليومية أو الأسبوعية أو الشهرية، وأظن أن هاجسا كبيرا طرأ على أذهان أصحاب تلك المصادر من صحف ومجلات ومواقع: لماذا يجب أن يكتب أحد؟ لماذا لا تصدر الصحيفة أو المجلة، أو يحرر الموقع الإلكتروني من دون أن يكون فيه مقال لواحد لامع أو غير لامع؟ ماذا يمكن أن يحدث؟
وبالفعل لا شيء حدث، والذي يمكن أن يحدث هنا، أن يفتقد بعض المتابعين مقالات لكاتب يحترمونه، فترة من الزمن، ثم يتضاءل الافتقاد إلى أن يختفي، تماما مثل الموت، نحن دائما نتحدث عن من نفتقده بحرارة، ونبكيه في الأيام وربما الأشهر الأولى لفقده، ثم نعتاد على الفقد، حتى نصل إلى وقت لا نتذكر حتى إن كنا نعرف ذلك الفقيد أم لا؟
في الكتابة الدورية، أو الكتابة الراتبة كما يسمونها، أنا شخصيا نسيت معظم من كانوا يكتبون في صحف ومجلات كنت أتابعها، أنا نفسي نسيت أنني كنت مزدحما ذات يوم بكتابة راتبة هنا وهناك، إلى أن تقلصت المنابر كما ذكرت. لا أريد أن أشجع نفسي أو المبدعين الذين أحبهم مثل غازي، أن يهجروا ضيم الكتابة، أريد أن يستمر هذا الضيم، إنه بتعبير آخر، دليل على وجودنا كأشخاص نحس ونبكي ونكتئب، ونلتصق بقضايا الإنسان، حتى لو كان الإنسان لا يعرفنا أو يتابعنا، شخصيا فكرت كثيرا في التوقف، وفكرت مرة في إمكانية أن تسن قوانين تحدد عمر الكتابة، وتجعله مطابقا لسن التقاعد في الوظائف الحكومية، وكل ذلك هواجس أتمنى أن تظل هواجس فقط، ولا يمتد عمقها إلى أبعد من ذلك..
كاتب سوداني