التوقيع الشفوي: تقرير علني للأمن السياسي في سورية
د. عبد الرزاق عيدالتوقيع الشفوي: تقرير علني للأمن السياسي في سورية لقد رصد ابن خلدون حالة خراب العمران، ومناداة لسان الكون بالخمول والانقباض اذ هو يرثي تداعي عمران الحضارة العربية الاسلامية، عندما شخص عوامل هذا الاحتضار للأمة، فوجد ـ قبل الكواكبي ـ ان أحد عوامل هذا الاحتضار هو الاستبداد أو ما دعاه في مقدمته العسف الذي يؤدي الي خراب النفوس وفساد النوع .ولعل هذه العبارة هي الأشد تجوهرا في تفسير حالة الاحتضار التي تعيشها الأمة منذ ستة قرون ـ زمن ابن خلدون ـ حتي اليوم، اذ هي لا تموت وتترك العالم يتفتح شبابا، ولا تحيا لاحياء شباب العالم. ان خراب النفوس وفساد النوع، كان احدي الاشكالات الانسانية التي رصدها تشيخوف في ظل الأوتوقراطية الروسية الاستبدادية لروسيا العجوز. واني لا أتذكر تفاصيل تلك القصة عن ذلك المواطن الروسي الذي ملؤوا داخله بثقافة الخوف، حتي بلغ حد ان يكتب تقارير بنفسه عن نفسه لأجهزة الأمن! فأعجبتني فكرة تشيخوف هذه عن التكيف مع ممالك الرعب والصمت التي تنال من النوع الانساني وتخرب عالمه النفسي بتغيير وظائف أدائه البشري (ان تكتب تقريرا بنفسك عن نفسك)، بعد ان تلقيت اليوم صباحا تبليغا لمراجعة الأمن السياسي في دمشق، سيما وانه لم يمر أكثر من شهر ونصف تقريبا علي استضافة الأمن العسكري (فرع فلسطين) لي في دمشق لمدة ثلاثة أيام. كان آخر استدعائي لفرعكم (الأمن السياسي)، منذ خمس سنوات، بمثابة مكسب حقوقي للحركة الديمقراطية عندما رفضنا المثول الي فرعكم الا عن طريق وزارة الداخلية، وفعلا تم الاستدعاء رسميا عن طريق قسم الشرطة في حارتي بحلب. لكن يبدو انكم اليوم بسبب انتصاراتكم الباهرة علي جبهة الحماية الداخلية لسورية من أهلها، فقد أعادت لكم الحنين الي عز الثمانينات ونشوتها السادية، فأرسلتم من يبلغنا مراجعة فرعكم في دمشق، ومن ثم ان نوقع علي التبليغ، وعندما طلبنا قرار التبليغ لنوقع عليه رفض، فتساءلنا بحيرة اذن علي ماذا نوقع؟ فأبرز لنا ورقة بيضاء لنوقع (علي بياض)، فقلنا له مادمت بلغتنا شفويا فاننا نهبك توقيعا شفويا؟ وتأسيسا علي ذلك أرجو ان تعتبروا ان حضوري لجهتكم سيكون حضورا شفويا، (فكما بلغتموني شفويا فان توقيعي كان شفويا مثلما سيكون مثولي لديكم شفويا) …!عبرت ذات مرة ان المواطن السوري بل والباحث والدارس ليس بحاجة الي وثائق ومراجع ليثبت حالة التردي الذي آلت اليه أوضاع البلاد من حيث خراب النفوس وفساد النوع، فتكفيه تجاربه الشخصية اليومية مع الادارة، مع التعليم، مع القضاء، مع القانون ـ الحريات، مع المخابرات… الخ ولذلك طالما نظرت بعدم الجدية الي كل تلك الطروحات التي تنعي علي المعارضة السورية عدم توفرها علي البرامج لتعبئة الجماهير، وذلك لقناعتي بان المواطن السوري بتجاربه ومعاشه وحياته تشكل له المرجعية البرنامجية الأكثر صدقا وحرارة من كل البرامج المكررة المجترة لأحزاب لم تعد قادرة سوي علي الرواية والاستظهار والمشافهة. وعلي هذا أستطيع بدون مقابلتكم وتحقيقاتكم ان أعرف بتجربتي الخاصة ـ ماذا تريدون شفويا مني، ومن ثم لماذا كان استدعاؤكم بدون حضوري تحريريا!؟ وبناء علي هذه التجربة الشخصية يستطيع المرء البرهنة علي انكم تعودون الي أساليب الثمانينات، وتنكصون عن أبسط مكتسبات الانفتاح الذي شهدته سورية خلال الخمس سنوات الماضية، وذلك أهم سؤال يطرحه علينا صحافيو الاعلام العربي والغربي حول مدي حقيقة عودة النظام الي أساليب القمع والاعتداء علي الحريات الي ما قبل الخمس سنوات عندما كان النظام يحترم بها العالم والقانون الدولي، ومن ثم تساؤلهم عن دلالة ذلك: ان كان علامة قوة أم علامة خوف وقلق واضطراب (المرتكب) الذي لا يجد ملاذا سوي مزيد من الاندفاع علي طريق ارتكاباته، بعد يأسه من الفرار من الاستحقاقات الموجبة، فيلجأ الي الاندفاع لخراب المعبد تحت الشعار الشمشوني علي وعلي أعدائي . وهذا ما راح يخلص له المحللون الأجانب، وهم يفسرون به حملة الاعتقالات الهوجاء الواسعة والتي تبلغ في هستيريتها حد اعادة الناس للسجن، كما حدث للصديق علي العبد الله وبنيه، واخيرا اعادة معتقل عريق قضي ثمانية عشر عاما في السجن الي السجن وهو الصديق فاتح جاموس، دون أي خجل أو حياء من حقوق الانسان ومن المجتمع الدولي، ناهيك عن المجتمع الأهلي الذي لم يعد له أي حساب في القاموس القيمي لأهل سلطة بلغ بهم التعبد لعجل السلطة الذهبي حد المرض الذي يتطلب علاجا نفسيا وليس سياسيا! وفي سياق التراجعات عن هذه الهوامش البسيطة، كان لا بد لنا من تفسير استدعاء الأمن السياسي لنا شفويا، وفي فترة لم يمض علي استدعائنا للأمن العسكري أكثر من شهر ونصف، حتي غدا السؤال مشروعا ان كان ثمة تنسيق بين هذه الأجهزة، أم انها تتسابق علي اللعب بمصائرنا مع مجيء الصف الثاني المتعطش للسلطة بوصفها (عنطزة وزعرنة وتشبيح) علي اعتبار انها سلطة خارجة عن القانون، لم تعد تهتم بأية رقابة (ضميرية أو وطنية أو دولية)، حيث القاعدة الأكثر شهرة في علم الاجتماع السياسي الحديث: (السلطة بلا رقابة تتحول الي عصابة) …! كان ملفي الأمني خلال ربع قرن، حتي قبل (انشقاقي) علي رسالتكم الخالدة في الصمود والتصدي والممانعة، كان هذا الملف لدي رئيس فرع أمن الدولة في حلب، قبل ان ينتقل هذا الملف الآن الي فرع 235 للأمن العسكري الذي كرمتم الفلسطينيين والقضية الفلسطينية، باطلاق اسمها علي هذا الفرع (فرع فلسطين)! خلال ربع قرن لم يكن ملفي الأمني لديكم (الأمن السياسي)، لكن مع ذلك كانت كل احتكاكاتي معكم استدعاء واعتقالا، انما تتعلق بزياراتي للمنطقة الشرقية (قامشلي ـ الحسكة ـ دير الزور) ولقد نمت علي الأرض بين العشرات في مهجع صغير لدي فرعكم بحلب في أواخر الثمانينات، رغم اني كنت عضوا في أحد أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية التي كانت في أوج تعفنها قبل النضج عندما حلت نفسها في حزبكم القائد، ثم استدعيت ـ من قبلكم ـ أول مرة في منتصف التسعينات بعد الاستجابة لدعوة من التجمع الوطني الديمقراطي في الحسكة لالقاء محاضرة! ثم منعت من القاء محاضرة في منتدي بدرخان في القامشلي، واعتقلتم مهندسا ومحاميا من لجنة المنتدي، وضربا ضربا مبرحا من رئيس فرعكم ذاته في القامشلي …! وكنتم قد تدخلتم للضغط علي منتدي في الرقة لمنعي من محاضرة هناك وارسلتم لي عشرات الرسائل: (التهديد والوعيد) … والأمن السياسي نفسه هو الذي تدخل لمنع ندوة كنت أحد محاضريها في اطار الاحتفال باحياء ذكري ياسين الحافظ الخامسة والعشرين في الحسكة، وهو كما هو معروف، واضع منطلقاتكم النظرية، وكان الموكل لمنع هذا الاحتفال في ذلك الحين ضابط في الأمن السياسي، مما كان لا بد ان يشكل انطباعا لدي بان الأمن السياسي هو المسؤول عن أمن المنطقة الشرقية …! وعلي هذا فانطلاقا من تجربتي الشخصية هذه مثلي مثل تجارب أي مواطن سوري، فاني لست بحاجة لأعرف سبب هذا الاستدعاء، وان ليس له تفسير سوي زيارتي الشخصية منذ أيام لدير الزور بدعوة من أصدقاء عمر الشباب، وكانت ـ بالأصل ـ دعوة ترفيهية، الا ان المصادفة قادت للقائي ببعض الشباب ذوي الميول الاسلامية المدنية الديمقراطية الذين عبروا عن رغبتهم بمناقشة كتاباتي في المسائل الاسلامية حول سلسلة: (سدنة هياكل الوهم : كتاب نقد البوطي أو كتاب نقد القرضاوي). واني اعرف ـ بتجربتي الشخصية ايضا ـ انكم تريدون احكام الحصار ليس علي حياتي الشخصية بل والعائلية عندما بلغت بكم الأمور ارهاب حتي أصدقاء ابنائي بتحذيرهم من الاتصال الهاتفي بهم. وعلي هذا تتكامل الحلقات: فالأمن العسكري يقررمنع سفرنا خارج البلاد، وانتم تريدون منعنا من السفر داخل البلاد: أي الخروج من البيت، تحت صيغة مخابراتية أصبحت قديمة ومكشوفة، كما عبر أحد اصدقائنا من الكتاب المصريين المتضامنين معنا بوصفنا ضحايا الاضطهاد غير المنظور الذي تبرعون به غاية البراعة والذي يستند علي احراج معنوي لـ (المضطهَد) ان لا يعترض لانه ليس لديه وثائق اثبات، ومن ثم اظهاره بمظهر المتشكي الذي يشخصن القضايا العامة، لكن هذه البراعة بدأت تتكشف عن سذاجتها لدي انظار المجتمع، وانظار الرأي العام الدولي الذي خبر هذه الأساليب لدرجة الفضيحة …! بما فيها تبليغاتكم الشفوية التي تريدون من خلالها ان لا تقدموا وثائق تدينكم، متجاهلين حقيقة انكم الأشد ادانة في عالم اليوم، فلا داعي لكل هذه الشطارات …! في البداية كنت أفسر ردود فعلكم الرافضة لزياراتي للمنطقة الشمالية الشرقية (الجزيرة) هو موقفكم الشوفيني المعادي للأكراد، والمعادي لأي تجسير روحي وفكري وأخلاقي: (عربي ـ كردي)، لكن ماذا عن ياسين الحافظ الذي قلنا للضابط الذي أتي لمنع هذا اللقاء ان يحضر الندوة، وليس لدينا تحفظ علي حضوره بل ومشاركته اذا كان لديه ما يشارك به سوي عضلاته!؟ ماذا عن دير الزور التي يفترض انها كانت (صدّامية) وفق معاييركم (المناسباتية والاستنسابية) وقد دفعت هذه المدينة في يوم ما ضريبة كبيرة لهذه التهمة! لكن يفترض انكم تراجعتم عن خط مناهضة الصدَامية اليمينية (العفلقية)، سيما وانتم اليوم تقتفون الخطا الصدّامية بـ الأسلمة القومية ! نعم لقد التقيت بلفيف من الاسلاميين في دير الزور، انتم علي يقين مطلق بانه ليس هناك اسلامي واحد ـ ليس بينهم فحسب ـ بل في سورية من هو قادر علي ان يتحدث بوصفه من الاخوان المسلمين ـ (عدوكم الوسواسي الذي تحرصون علي تثبيت صورة عداوته الضرورية) ـ نقول: لا يمكن ان يتحدث بوصفه اخوانيا مادام قانون 49 القروسطي الذي يحكم بالاعدام علي حق الفرد في حرية التفكير، مسلطا فوق رأس المجتمع منذ أكثر من ربع قرن، وهو لا يزال يعمل به الي هذه اللحظة من عمر سورية الحديثة: سورية التحديث والاصلاح! ولا أدل علي تنوع المشارب لهذه الجلسة من وجود أحد الأشخاص الذي وجه لي لكمات نقدية عنيفة لاني نلت من قداسة شيخه البوطي، الذي هو شيخكم (شيخ السلطة): في كل الأحوال… انني ككاتب وباحث ومفكر لا أضع شرطا علي الحوار ولا أقبل ـ باسمي وباسم المثقفين السوريين ـ أي وصاية علينا تحدد لنا من نحاور ومن نقاطع لا علي المستوي الوطني ولا القومي ولا المستوي الدولي، ولن نقبل خطوطكم الحمراء أوالصفراء أو الخضراء، ولا سقوفكم، ولو ان أساليب الترهيب هذه كانت مجدية مع أمثالنا، لما التقينا علنا وعلي الفضائيات مع المرشد العام للأخوان الأستاذ علي صدر الدين البيانوني، والقيام بلقاء آخر مع مدير معهد الشرق المفكر الأخواني الأستاذ زهير سالم… وانا وأمثالي كثر يراهنون علي ممكنات اسلام مدني تنويري ديمقراطي سوري قابل للتعايش مع العلمانية كالتيار الاسلامي التركي الذي ندعو منذ سنوات ليكون نموذجا للاسلام السياسي السوري. ويبدو ان رفضكم لهذا التيار ليس الا رفضا لمدنيته ونبذه للعنف وقبوله بالتعدد، ومن ثم تفويت الفرصة عليكم ان تذبحوا السياسة في المجتمع تحت راية ذبحه، ومن ثم الاستمرار في تنفيذ احكام الاعدام بمناصريه، بينما تتسولون رضي الاسلام العنفي بعد ان فقدت بضاعتكم الايديولوجية (القوموية) بريقها الخلبي بعد كل هذه الهزائم ا لتي الحقتموها مع رفاقكم القومويين بالأمة، وليس آخرها (فأر الحفر) صدام حسين القائد الضرورة… نحن ندعم اسلاما مدنيا ديمقراطيا، وانتم تريدون اسلاما (جهاديا / عنفيا) ليكون قربانا إما لاستخدامه في مشاريعكم وحروبكم عند الضرورة، او لذبحه لاشاعة الارهاب باسم اقناع العالم انكم تتعرضون للارهاب، وعلي هذا فلكم اسلامكم ولنا اسلامنا… أما رأينا في خدام: فلقد عبرنا عنه في مقال مطول لنا، دعوناه علي البرهنة نظريا ومعرفيا ـ وليس انتهازيا ـ علي تحوله نحو الديمقراطية من خلال النقد الجذري لتجربته السلطوية، أما موضوع تحالف الأخوان معه، فهذا شأن آخر، إذ مجاله عالم السياسة والصفقات والمناورات، والنثر اليومي المبتذل للسياســـة كفعل يومي، مما لا يستحق النقاش الا لمعارضة قليلة عقل، وسلطة غدت تخشي من ظلها ….!ہ كاتب من سورية8