التونسيّون والسلاح

حجم الخط
0

منصف الوهايبي

أخذ كثير أو قليل منّا يتناقلون، منذ أيّام، أخبارا عن انتشار الأسلحة في بلادنا، فيما نحن شعب مسالم، نكاد لا نستعمل الأسلحة النارية المرخص فيها إلاّ في الصيد أو في الأعراس؛ بل إنّ آخر الحروب التي خاضها التونسيون هي الحروب البونيقية. هذا ما قلته لعراقي كان يرافقنا خريف 1982 في البصرة، خلال مهرجان المربد، وقد لاحظ ارتباكنا نحن التونسِيّينَ الخمسة (أنا وحسونة المصباحي ومحمد الغزي وحسين المؤذن وبوجمعة الدنداني)، إذ سمعنا دويّ القذائف، وأزيز الطائرات وهي تحلّق بعيدا. قال العراقيّ: لا خوف عليكم، هذه مضادّاتنا الجويّة تتصدّى للإيرانيّين. وقلت: اعذرنا عن ارتباكنا، فنحن شعب مسالم، نكاد لا نسمع دويّ الرصاص في المدن، إلاّ عندما يتصدّى رجال الحرس الوطني (الدرك) للكلاب الضالة ليلا. وخيرا فعل بورقيبة إذ لم يحشرنا في نزاعات الحدود مع جيراننا؛ ثمّ أنّ آخر الحروب التي خضناها هي الحرب البونيقيّة الثالثة. قال العراقي: بينكم أنتم ومن؟ لم نسمع بها.. متى حدث ذلك؟ قلت: في القرن الثالث قبل الميلاد. ولا أزال أسمع ضحكته المدوّية، ونحن نقطع شوارع البصرة، في ذلك الصباح الخريفي المشبع برائحة البارود والدخان والسلاح كما لا يخفى عليكم كان وما يزال ذا شأن عظيم في تاريخالانسان. وأكاد أجزم أنّه من دون سلاح ما كان للبشرية أن تتناسل وتتوالد، بل لانقرضت منذ زمن سحيق. ولسائل أن يسال كيف للسلاح آلة الموت ان يكونالة حياة؟ لا أحبّ ان أبحر كثيرا في هذا الشأن. ولكنّي أشير إلى أنّ غريزة حبّالبقاء المتأصّلة في الانسان هي التي دفعته إلى أن يسحق الاخر ليبقى؛ وقد يكونمصيبا وقد لا يكون. كما أنّ كلّ الحضارات التي يسمّونها عظيمة بُنيت بحدّ السلاح.

ويُنسب إلى الاسكندر المقدوني الذي احتلّ العالم القديم قوله إنّ من يصنع سلاحا جديدا لا عهد للناس به هو الذي ينتصر. فالسلاح هو صنو الحياة حيث تقول العرب ‘أخذت الإبل سلاحها’ أي سمنت وحسنت. والسلاح أنواع فهناك سلاح البرّ وبعضه لا يسير إلى الأمام، وإنّما يسيرالقهقرى، وهناك سلاح البحر وقد تكدّسه بلاد ليس فيها بحر او نهر، وهناك سلاح الجوّ وقد تكدّسه بلاد ليس فيها جو او جوها خانق مخنق. وهناك السلاح التقليدي وسلاح الدمار الشامل وهناك سلاح الرجل، وليس كل رجل رجلا، وقد يكون بندقية او قبضة او سوطا او لسانا كما هو الشأن في بعض من نعرف من الساسة؛ يشهر قبضته ولسانه في وجه خلق الله البسطاء ويبلعه امام أسياده. وهناك سلاح المرأة ويقال دموعها وهذا سلاح يكاد ينقرض. وهناك سلاح الأقوياء وسلاح الضعفاء ويسمونه الذلة والمسكنة. وهناك سلاح ذو حدّين ويسمّيه بعضهم ‘عليّ وعلى أعدائي’ وهو منتشر بكثرة في البلاد العربية. وهناك سلاح ذو حدّ واحد، وسلاحيفلّ، وسلاح لا يفلّ، وهو كذلك منتشر بكثرة في البلاد العربية. وهناك من يموت بأسلحة عدوّة، وهناك من يموت بأسلحة صديقة، وهناك من يموت بدون سلاح. وهناك سلاح الأدباء ويسمّيه بعضهم القلم، وقد يكون حبرا سائلا أو جافا وشهما أبياّ أو قوّادا لحّاسا يلحس صباحَ مساءَ ثمانية أيّام في الاسبوع، ولا يجفّ ريقه. وهذه والحقّ يقال موهبة فذة وسرّ من الأسرار. ولكن هناك سلاح شرف يتعفف أن َيظلم ويأبى أن يُظلم وقد يكون كلمة، وقد يكون بندقية بسيطة بطلقة أو طلقتين.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية