أطلقت أطراف الإطار التنسيقي وأغلبها فصائل مسلحة مثل ميليشيا حزب الله والعصائب وبدر، تهديدات بتعريض السلم الأهلي للخطر، إذا حاول أحد حرمانها من السلطة.
بغداد ـ «القدس العربي»: عززت الفوضى والنزاعات التي صاحبت افتتاح مجلس النواب العراقي الجديد، قناعة العراقيين بأن المرحلة المقبلة في البلاد ستكون فترة عدم استقرار نتيجة صراع الأحزاب والفصائل الحاكمة على السلطة، التي تعمقت الخلافات والانقسام بينها، مع توفر فرصة تاريخية للتيار الصدري لقيادة الحكومة المقبلة وتحقيق مطالب وحاجات العراقيين.
وقد رسمت أحداث افتتاح البرلمان ملامح المرحلة المقبلة من العملية السياسية في العراق، والتي تتلخص في استمرار أحزاب السلطة في التمسك بالسلطة وسياسة فرض الإرادات على الآخرين. كما رسخت بوضوح انقسام الأحزاب والفصائل المتنازعة على السلطة بين معسكر التيار الصدري المدعوم من حزب مسعود بارزاني والتحالف السني بقيادة محمد الحلبوسي، وبين معسكر يقوده زعيم حزب الدعوة نوري المالكي والفصائل الولائية المدعوم من الاتحاد الوطني الكردستاني (حزب طالباني).
وإذا كان التيار الصدري وحلفاؤه كسبوا الجولة الأولى من صراع الإرادات باختيار رئيس البرلمان، فإن هناك جولات صعبة أخرى منها اختيار رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء والحكومة المقبلة، التي ستظهر حجم ثقل كلا الطرفين المتنافسين. وبسبب غياب أسس الديمقراطية الصحيحة في عراق اليوم، وأبرزها وجود أحزاب فائزة في الانتخابات تقود الحكومة وأحزاب خاسرة تكون في المعارضة، فإن الأخيرة، التي تضم الأحزاب والفصائل العسكرية الشيعية، تهدد بجر البلد إلى مخاطر لا تحمد عقباها إذا جرى إقصاءها من السلطة. ويبدو ان المخاوف من تدهور الأوضاع الأمنية واردة جدا ولم تعد مجرد هواجس، لعدة أسباب منها ان كنز السلطة تجعل الأحزاب غير قادرة على التنازل عنها، ولكون كلا الطرفين لديه فصائل مسلحة، وخاصة مع تمسك الصدر بنزع سلاح الفصائل وحصره بيد الدولة، رغم علمه بان سلاح الفصائل مرتبط بأجندات إقليمية.
وقد أطلقت أطراف «الإطار التنسيقي» وأغلبها فصائل مسلحة مثل ميليشيا حزب الله والعصائب وبدر، تهديدات بتعريض السلم الأهلي للخطر، إذا حاول أحد حرمانها من السلطة. وفيما حذرت «كتائب حزب الله» من «الأيام العصيبة التي ستمر على العراق» فإن التطبيق العملي للتهديدات ظهر عبر سلسلة خروق أمنية وقعت في بغداد، أبرزها قصف موقع السفارة الأمريكية في المنطقة الخضراء بالصواريخ، ومهاجمة مقرات الأحزاب المتحالفة مع الصدر، حيث جرى إلقاء قنابل على مقر الحزب الديمقراطي الكردستاني في بغداد، وعلى مقر تحالف «تقدم» بزعامة محمد الحلبوسي، في منطقة الأعظمية، ما تسبب بأضرار مادية. وهو ما عزز قناعة العراقيين بان بعض القوى السياسية والميليشيات، تقف وراء الحوادث الأمنية كالتفجيرات والاغتيالات من أجل تحقيق أهداف سياسية، كلما برزت خلافات بين القوى السياسية الحاكمة.
وقد أطلقت قوى الإطار المعترضة على نتائج الانتخابات وعلى أحداث الجلسة الأولى للبرلمان ، حملة تهديدات وادعاءات بوجود مؤامرات خارجية ضد «المقاومة» و«الحشد الشعبي» معلنة عدم اعترافها باختيار محمد الحلبوسي ونائبيه لرئاسة البرلمان، بحجة حدوث خروق قانونية وفرض إرادات من بعض القوى (وتقصد التيار الصدري) رغم ان هذا الأسلوب هو السائد في العملية السياسية منذ 2003 وخاصة من قبل الفصائل. فيما عمدت القوى المعترضة أيضا إلى رفع دعوى لدى المحكمة الاتحادية التي وجهت بوقف عمل رئاسة البرلمان مؤقتا للتحقيق في ادعاءات وجود خروق قانونية. إضافة إلى عقدة الكتلة البرلمانية الأكبر التي تشكل الحكومة المقبلة، والتي قدم كلا التيار الصدري والإطار التنسيقي، للبرلمان قائمة بانه يمثل الكتلة الأكبر.
وكان الصدر، أعلن في تدوينة في أعقاب انهيار المفاوضات بين أتباعه والإطار التنسيقي حول تشكيل الحكومة، إن «اختيار رئيس البرلمان ونائبيه هي أولى بشائر حكومة الأغلبية الوطنية» مكررا ان «لا مكان للميليشيات والتبعية» ومؤكدا ان إرادة الشعب هي «حكومة أغلبية وطنية». وقد شدد الصدر أن «أية تهديدات أو ضغوطات خارجية لن تثنيه» في إشارة إلى تدخلات خارجية من إيران أو غيرها. وحتى الآن يبدو ان اتفاق الصدر – الحلبوسي – بارزاني، الذي نجح في انتخاب الحلبوسي ونائبيه على الرغم من مقاطعة كتلة الإطار وحزب الطالباني، قد ينجح مرة أخرى بالنسبة لمرشحي رئاسة الحكومة والجمهورية.
وبالنسبة إلى موقف نواب حركة تشرين الاحتجاجية، عما جرى في البرلمان، فإنهم انتقدوه واعتبروه بداية غير موفقة من القوى السياسية المتحكمة بالمشهد السياسي، وتأكيدا على عدم تغيير سلوكها في تفضيل مصلحتها على المصلحة الوطنية. وذلك رغم ان الدورة الحالية للبرلمان العراقي، جاءت نتيجة انتخابات مبكرة، في أعقاب احتجاجات ضخمة انطلقت في أكتوبر عام 2018 وأدت إلى استقالة الحكومة.
وعموما فإن المراقبين يتوقعون ان تكون هناك تداعيات سياسية وأمنية كبيرة على الأوضاع في العراق كلما تعمقت الخلافات بين أحزاب السلطة على تقاسم المناصب والوزارات، مع انتشار تسريبات بوجود وساطات شيعية إيرانية ولبنانية، للتقريب بين مواقف جناحي القوى الشيعية، من أجل الحفاظ على هيمنة الأحزاب والفصائل الشيعية على السلطة في العراق.
ومع زيادة مشاعر الإحباط لدى العراقيين لانشغال الأحزاب بصراعاتها بعيدا عن احتياجات ومشاكل الشارع، إلا ان هناك أملا في قدرة السيد مقتدى الصدر، الذي لديه أغلبية برلمانية وتحالفات قوية، على السير بعمل البرلمان والحكومة المقبلة رغم مقاطعة الأحزاب والفصائل الولائية، ورغم الضغوط الخارجية، حيث سينال دعم المواطنين والنواب المستقلين، إذا كانت قرارات البرلمان والحكومة المقبلة لصالح الشعب ومطالبه المشروعة. وبالتالي فإن التيار الصدري لديه فرصة تاريخية لكسب ثقة العراقيين به وبدء مرحلة جديدة معهم، إذا نجح في لجم الفصائل وحيتان الفساد وعزز مكانة الدولة وتمكن من تحسين الاقتصاد، وهي الشعارات التي رفعها الصدر قبل وبعد الانتخابات الأخيرة، والتي ستضمن له وقوف الشعب بأكمله معه.