‘ماء العينين سيدي بويه كلما رجعت الى مطالعة بعض كلمات مقاطع استقيتها من بعض اعمال الروائي الراحل ‘عبد الرحمن منيف’ هتف قلبي وشط فكري، وترحمت عليه.
ان اعمال هذا المبدع تحتاج إلى انشاء مركز للدراسات الادبية باسمه، وجائزة أدبية سنوية باسمه تكريما لاعماله النادرة في نوع الرواية العربية.
لقد كنت تائها في ليلة فكرية بين بعض الكتب اللئيمة التى استدرجتني لقراءتها، ولما شدتني اليها توقفت عني، ودلفت إلى دروب فكر قضت مضجعي. فما ان استسلمت للنوم واستقبلني رقادي، حتى استيقظ فجأة شيء غريب في فاكرتي او ذاكرتي. لم يهدأ حتى وجدتني بين ثنايا دفتر دونت فيه بعض الملاحظات نثرتها من كتاب الشاعر ادونيس ‘الثابت والمتحول’، والى جانبها تلك اللمع المضيئة التى استرقتها من ‘خماسية مدن الملح’ وخاصة الجزء الثاني ‘التيه’. نعم وكنت تائها ووجدتني في التيه رفقة متعب الهذال الذي هج في الصحراء بعد ان رفض تقبل معرفة الامريكان للهجة البدو، ظهورهم وغيابهم، ثم جلبهم للحفارات التراكتورات، قلع الاشجار (ص106)، ورفقة صويلح، حين يتساءل من اين جاءت هذه البلايا وكيف نقدر عليها (ص191)، ثم مع ابن حران وابن نفاع ومحيسن وابن الزامل وخباز الفرن، وام الخوش، ومع الدباسي وابن الراشد وسر اشترائهما للأراضي ‘ركز على العقارات أولا، ثم على التجارة’. وايضا وجدتني مع انسان شبه الجزيرة العربية، قبل ان يغير البترول – الذي حفره الامريكان والانكليز حياته، وكيف استقبل الأجهزة التكنولوجية خاصة التلفاز أو الصناديق حين قال ابن نفاع لما وصله خبر هذه الصناديق، ان العفاريت داخلها ولا بد ان تخرج منها وتستقر في البيوت على شكل قطط او حيات او ربما بأشكال اخرى (ص270). وربما هي الاشكال التي نعيش اليوم. هنا ومن خلال المقطع يتأكد لنا علاقة الذات الكاتبة بين التاريخ والرواية.
ثم ايضا، قصة السيارة، وكيف استقبلها خيال الانسان العربي، عندما أكد الامريكي هندرسين للأمير ان لهذه السيار اسما، وهو ‘فورد’ بدا شديد السرور فالتفت الى نائبه وقال بثقة ‘قلت لك’ وبعد ذلك حرص على توجيه اسئلة اخرى دقيقة: كم تعيش الفورد؟ وهل يستعمل البارود في دفعها ام لا، وهل يمكن ان تستجيب لغير سائقها، وهل هي مروضة من الاساس ام تحتاج الى ترويض؟ (ص424). تبدو اسئلة الامير العربي الموجهة للامريكي المتقدم حضاريا ساذجة او تعبر عن تفكيره البسيط الذي لم يستوعب التكنولوجيا والمكنة الا في مخياله ومعيوشه، فالسيارة لها اسم مثل الخيل وتعلف بالبارود، وتنقاد لصاحبها، وتروض كما تروض الخيل… يا الله الا انها – الاسئلة – تبقى ذكية ونافذة من طرف الروائي في ضمير التاريخ العربي المعاصر.
فدخول السيارة الى شبه الجزيرة العربية، كان اعلان نهاية البداوة وبداية البترول الذي لا يدفع السيارة فقط بل والاقتصاد العالمي ككل. وصارت رأس العلل والبلايا التي اصابت الانسان العربي، بدلا من ان تلعب الدور الذي لعبته الخيل في قوة وغزوات الانسان العربي. فكما قال ابن نفاع ‘قلت لكم: الأمريكان هم أصل العلة والبلية’ (ص 582). بهذا السير المتدفق من الذاكرة والى اليوم ما زال متعب الهذال هاجا في الصحراء، وقد طرح الكثير من الأسئلة عن سر وجود الغرباء على صحرائه وواحاتها وثمارها وتنبئه بالمستقبل الغامض لها… لقد توفي منيف وهو منفي، وكأن القدر قد ساق هذا التوليف العجيب بين اسمه وبين مصيره: منيف – منفي. توفي ولم يشهد ثورات تونس ومصر وليبا واليمن و… التي تنتظر صحراء مدن الملح ان تنضمّ اليها وتقدملها المدد.