يغلب ظني، أن صد الثقافي في تجليه العقلاني والحداثي بشكل معلن وخفي، غدا جاريا، طبعا يتعلق الأمر بالبيئات العربية المليئة بالتناقضات السياسية والاجتماعية، فامتد ذلك للثقافة، هنا يمكن طرح السؤال: هل الدول العربية لها مشاريع متكاملة للثقافة؟ نعم هناك أندية وجمعيات، لكنها تحت الإشراف والتوجيه أو قل المراقبة، وبالتالي، فالتصورات للثقافة كآليات عقلية وحداثية غير واضحة، بل ملفوفة بالنوايا، وحين ننظر للمجتمع أو المجتمعات العربية، سنرى الثقافة تطرح في هوامش متناثرة، تشتغل تحت الضغط والإكراه، فالأحزاب السياسية اليسارية، التي تقول بالديمقراطية والعدالة والكرامة، لم تطبق هذه المبادئ في تعاطيها في برامجها، أو في الحضور النادر للأشكال الثقافية في مقرات الأحزاب، لتداول ملفات وأسئلة حارقة، منها علاقة الثقافي بالسياسي، ومن ذلك الأحزاب والسلطة؛ دون أن يشتغل البعض بالآخر، وفي المقابل، يسود الادعاء والموسمية في الاشتغال الثقافي.
أما العمل الثقافي في الجمعيات المدنية، فظل ثابتا، دون أن يتوغل ويمتد لدواليب المجتمع فهذه الجمعيات تبقى لصيقة القاعات المغلقة وبالآليات نفسها، بل أكثر من ذلك، فالمسيرون لا صلة لهم بالثقافة فتتعدد أشكال الضحالة والتفاهة، إلى حد إفراغ هذه الجمعيات من محتواها، بل تشويهها فغدت تابعة، أو موجهة أيديولوجيا. أما الفريق الثقافي الآخر، الآتي من قوى اليسار، فقد حولوا (الأشباه) الجمعيات إلى قبائل، بشكل حداثي فغابت التصورات المجددة، في سعي إلى فلكرة العمل الثقافي، إلى حد تحولت معه، بعض الجمعيات إلى ملحقات لوزارات أو هياكل الدولة، فتحولت هذه الجمعيات، إلى مطايا للانتهايين، للوصول بسرعة إلى مناصب أو امتيازات أو فتات، إنها قفزات مفضوحة، على الرغم من أن لا غبار لها، أو ما يدعى في الدارجة المغربية بـ»التلباد». واضح، حين يتراجع الثقافي، في ظل وضعية معطوبة بنيويا، تأتي التغييرات السياسية مبتورة، وهو ما يثبت أن المعركة معارك، فلا بد من خلفية اجتماعية ونفسية وتاريخية مؤطرة لأي توجه، فالثقافي لا يهم المبدعين والكتاب فقط، بل لا بد من امتداد المجتمع: فالمحامون لا يقرأون، والأطباء لا عمق لهم أو تواصل لديهم، والإداريون تحولت إداراتهم إلى ملكيات خاصة فتسود العلاقات الميكانيكية والآلية، رفعا من شأن الاستهلاك والجري وراء «المال» دون قيم وضوابط فغياب آليات الضبط، امتد بدوره، لكل شيء حتى للثقافي، ما أدى إلى الاستسهال والادعاء، فالشاعر مثلا يغدو كذلك، من خلال صورة يصنعها المبدع لنفسه، من صور وعلاقات وإخوانيات الكل يشتغل معطوبا، وفي المقابل، النقد غاب دوره.
بناء عليه، فالكل يشتغل في المجتمع، وليس في كوكب آخر، ما يقتضي التجاور الخلاق بين الثقافي والسياسي؛ بل بين الثقافي وأشكال الخطابات الأخرى، قصد بناء متكامل، وبعيد عن الشعارات الموسمية، فالثقافة تحليل، وتأمل وتفكيك في أفق إنتاج الأفكار ضمن مساحات تداول حقيقي، وحين يدخل الثقافي لإطار ما، لا بد من حضور ذلك، لهذا يسيجون هذا الثقافي ويبعدونه بطريقة غير إنسانية، في الكثير من الأحيان. لا بد من ذاك الحضور المكثف للأشكال الثقافية، بشكل منتظم ومؤسساتي، في إطار التعاون والتنسيق، لمكافحة قيم الانتهازية التي تتغذى من الجهل المركب والفساد المستشري، فالفساد لا يفسد نفسه فقط، بل هو عملية إفساد طويلة وعريضة، والثقافي في مرماه البعيد والأصيل لا يغير جلده، كما الأشخاص. فالمعركة ثقافية في الأساس، فمتى يرفع الكل «الثقافة أولا» دون ادعاء أو أقنعة.
شاعر وناقد مغربي