الثقافة الرقمية والأسئلة الثقافية
زهور كرامالثقافة الرقمية والأسئلة الثقافيةكلما تطور الفكر البشري وتطورت آليات تفكيره، تغيرت أشكال تعبيره، ومن ثمة تغيرت إدراكاته للأشياء ورؤيته للحياة والعالم وهو مبدأ يستقيم مع التطور التاريخي المنطقي للحضارات لكن تبقي الإشكالية في مدي الإمكانيات الذهنية والثقافية والمادية، التي يتوفر عليها الفرد أو المجتمعات، لكي يتم الانخراط في هذا المبدأ الانتقالي من خلال القدرة علي الإنتاج، والتحرك في مساحة الخيارات المتاحة من أشكال التفكير الجديدة، بدون إكراهات تاريخية أو سياسية أو ذهنية، تعطل عملية الانخراط بإيجاب في اللحظة التاريخية الجديدة. إن انتقال الحضارات من مستوي تواصلي إلي آخر، أكثر استثمارا لتطور الفكر البشري- الذي فيما هو يطور أدوات تفكيره، يسعي إلي حياة أكثر انفتاحا علي الخلق والإبداع والإنتاج- يولد أشكاله التعبيرية التي تعبر عن حالة الوعي بهذا الانتقال. يشهد زمننا الراهن شكلا جديدا في التمظهر، بسبب تطور الثقافة التكنولوجية، التي سرعت إيقاع التعاملات الفردية والجماعية، كما سمحت بوسائطها الإلكترونية والرقمية بجعل الكل منفتحا علي بعضه، ضمن شروط الثقافة الموحدة رقميا وهذا ساهم في تحرير الإبداعية الفردية التي تحت فيض إمكانيات ما تقدمه هذه الوسائط من خدمات مبهرة ومدهشة، بدون قيد أو رقيب يعطل عملية الانطلاق في التعبير والاكتشاف والبحث، قد وجدت فضاء خصبا لاستثمار رغبة الذات في التعبير. ولعل هذا التحول في أدوات التواصل مع المعرفة، بالشكل الخدماتي السريع والفعال، يساهم في خلق أشكال ثقافية جديدة تستند إلي اللغة الجديدة في التعامل مع المعرفةوهي أشكال لا شك أنها تعبر عن لحظة التحول في رؤيا العالم. إذا كان هذا التحول لم تتم صياغته بعد بالشكل الإنتاجي المفروض في مشهد الذهنية العربية، نظرا لافتقار هذا البعد التحولي إلي تراكم إنتاج هذه الأشكال التعبيرية من أجل رصد منطق التحول فيه، فإنه أصبح الآن سؤالا مستفزا لراهنية شكل التفكير السائد. هو تحول يتم ببطء في شرط تعرف فيه المجتمعات العربية استهلاكا متواترا لشروط هذا التحول، أي استهلاك الوسائط الرقمية أكثر من العمل علي إنجاح تجربة توظيفها، لصالح تطور التفكير والممارسة، وذلك بسبب معيقات الفكر الحداثي، التي ما تزال تعرقل كل انتقال حقيقي وفعال نحو الحداثة باعتبارها ممارسة حياتية وذهنية وفكرية ولكون كثير من مفاهيم الحداثة كما ظهرت في الغرب، ما تزال مهيمنة علي الفكر التنظيري، وتجد صعوبات في الواقع والممارسة، ولا شك أن هذا الوضع هو الذي قد يعيق عملية الإسراع في الانخراط المرن والإيجابي والفعال والمنتج في الزمن التكنولوجي، وتوظيف وسائطه لصالح تجربة العقل العربي. ولعل الأمر يتعقد مع استمرار السياسات الرسمية العربية في الدفع بأدمغتها التكنولوجية للهجرة إلي الخارج، مما يحول العالم العربي إلي شبه مراكز لتكوين الأدمغة التكنولوجية المهاجرة ويجعل العالم العربي في أغلب دوله عبارة عن اليد العاملة بصورة أدمغة تكنولوجية موظفة في الخارج، وكأننا هنا نعيد نفس تجربة بناء أوروبا الغربية التي بعد أن أخذت الدول العربية استقلالها السياسي استغلت الوضع الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، وأخذت العمال كيد عاملة كما حدث مع الاستعمار الفرنسي للمغرب والجزائر وتونس. هل قدرنا في المشهد العربي أننا مع كل تحول فكري صناعي معرفي- إيديولوجي معلوماتي تقني عالمي، أن نظل نعيش الحداثة تنظيرا وسعيا في الفهم؟ هل قدرنا أن نظل نعيش تبعات التحولات الحياتية والمفهومية التي تعرفها البلدان التي تبادر إلي الانخراط في التحول الحضاري بإيجابية مؤسساتها ومجتمعاتها ورهاناتها؟ غير أن الشرط التاريخي الراهن للزمن التكنولوجي ، قد يختلف عن الشرط التاريخي بالنسبة للواقع العربي إبان سؤال النهضة نظرا لكون العالم بفضل التطور السريع للتكنولوجيا أصبح منفتحا علي مكتسباته المعرفية، وعلي انتصاراته علي الانغلاق والمحلية، ولم تعد للدولة سلطة القرار في السماح بترويج معرفة دون أخري، لأن مجرد حركة بسيطة علي جهاز الكومبيتر، تمكن الفرد من الاطلاع علي آخر المعلومات، وبطرق متعددة وبجميع اللغات، بل المؤسسات بجميع وظائفها أصبحت متجاوزة أمام سلطة الفرد الذي أصبح باستطاعته أن يتدبر شأن معلوماته بنفسه، وأن ينشر أفكاره بطريقته، وأن يقوم بتسويق شخصيته وأسلوبه في التفكير، شريطة أن يكون لديه اهتمام بثقافة التكنولوجيا، وأن يستطيع التحرك في الشبكة العنكبوتية. في مثل هذا الوضع، هل يمكن الحديث عن ملامح تشكل الفرد داخل التجربة التكنولوجية العربية لا الفرد كقيمة وحق داخل المنظومة التشريعية أو الدستورية، بحكم هيمنة قيمة الجماعة وإنما الفرد باعتباره يمتلك حرية التصرف في المعلومات الزاحفة كل ثانية من كل بقاع العالم؟ يتولد عن هذه الممارسة التي تمنحها التكنولوجيا ووسائطها الإلكترونية، ممارسة للحرية في أبعد حدودها بما فيها حرية المبادرة والاختيار والكتابة والتعليق والإبحار في فضاءات مواقع الشبكة العنكبوتية والنقاش والتواصل اللامفتوح مع ثقافات وحضارات وتجارب في الحياة وحرية الحوار التي ناضلت الشعوب العربية من أجلها في سبيل بناء نهضة عربية مبدعة وخلاقة، ودائما كانت الحرية تثير الخوف والرعب لدي السياسي العربي، لكونها قد تسمح بإبداع الاختلاف واللامألوف، غير أن ممارستها قد تثير ـ أحيانا ـ بعض الإشكاليات فيما يخص توظيفها، نظرا لكون الفرد العربي يدخل هذا المجال في شبه غياب ثقافة تدبير الحرية. هناك أطروحات تتجه إلي ضرورة ترك المجال مفتوحاً أمام التصرف الحر كيفما كان، كما هو الشأن مع ممارسة حقوق الإنسان، لأن الوضع سيؤدي إلي شبه اغتسال من زمن القمع والكبت، ومن ثمة يتم إدراك الحرية كقيمة إنسانية فعالة في ممارستها للفرد وللآخر وللمجتمع ومن ثم للحياة ككل. ولعل المسألة تبدو معقولة وموضوعية ما دام الوضع التكنولوجي يفتح إمكانياته للمبادرة والخلق والتحرر من الرقيب والقيد الذاتي قبل قيد الآخر لكن بالموازاة لا بد للسؤال الثقافي من أن يرافق هذه التجربة، ليس باعتباره موجها ومتحكما في لعبة تحديد التوجهات، وإنما من باب التحسيس بالحرية كبعد فلسفي وجودي للفرد كقيمة ذاتية وجودية إيجابية والزمن التكنولوجي كمكتسب حضاري تاريخي للإنسانية، ولهذا فإن توظيفه في بعده الإنتاجي سيمنح لهذا الزمن أصالته وشرف انتمائه إلي هذا العصر. وباعتبار السؤال الثقافي يشتغل علي الأفق والمستقبل مستفيدا من كل التجارب السابقة، فإن تنشيط حركية أسئلته والاهتمام بالتحولات التي تطرأ علي مستويات الذات والفرد والحرية، والممارسة التكنولوجية لا شك أنه سيساهم في تحقيق التوازن الطبيعي في المشهد العربي، بين إمكانيات الزمن التكنولوجي وخدماته وبين استثمار هذا الزمن في النهضة الذهنية والفكرية التي ما تزال تطرح نفسها باعتبارها من أكبر رهانات التحدي الحضاري بالنسبة للتجربة العربية… عندما يغيب السؤال الثقافي، ويتعطل مع رهان الانخراط في تجربة الزمن التكنولوجي، فلا شك أن الفكر العربي سيظل يعيش الازدواجية والتناقض الذي عرفه في مختلف مرجعيات النهضة العربية بين النظرية والممارسة.كاتبة من المغربQMK0