محمود وتد لا يسع أي مراقب لأحوال العرب الا ان يستنتج مدى خطورة ظواهر التهميش والاقصاء في الثقافة العربية. فجميع انظمة الحكم العربية في تاريخنا الحديث على اختلاف أشكالها وصيغها سواء كانت امنية، عسكرية، عائلية، أومافيوية-حزبية، أو حتى الانظمة الملكية التي تتوافر على حالة شبه ديمقراطية مثل الكويت أو المتنكرة بالنكهة العراقية-المالكية، ارتكزت على الاقصاء ومارسته ورسخته بشقيه وهما تهميش الشعب (التجويع او الامية او كلاهما معا) وسحق البديل (الاعدام او السجن او النفي لاي ند او مخالف للرأي). وبالطبع فإن ممارسة التهميش ليست محصورة فقط على ثقافة سائدة لدى العرب بل هي موجودة في كل الحضارات، ولكن التهميش يتسم عند العرب بأنه متجذر ويمارس استراتيجيا بينماعند بقية الشعوب يمارس تكتيكيا وبشكل محدود. ان ترسيخ سياسات التهميش والاقصاء والإضطهاد يقوض مقومات حياة العزة والكرامة ويلغى مكوناتها من العدالة والحرية. وبالتالي فان غياب العدالة والحرية يؤدي الى وأد إمكانيات الابداع والابتكار الجماعي التي هي من اهم أعمدة التطور والبناء وهذا بدوره يؤدي الى حرمان الامة من تأدية دورها في العالم واخذ مكانتها بين الامم. وتحضرني الان قصة عنترة بن زبيبة بن شداد التي سردت لنا في طفولتنا وكانت جزءا من مناهجنا الدراسية في المرحلة الإبتدائية الحساسة. كان تركيز الراوي ينصب دائما على بطولة وشجاعة عنترة وتمجيد الفرد، وليس على تمجيد المجموعة او التركيز على الملابسات الاجتماعية والاقتصادية في تلك الحقبة من تاريخنا أو التركيز على سلبيات وتأثير فقدان القيم الانسانية كالعدالة والحرية على ثقافتنا العربية ومن ثم على تطور الامة.ولد عنترة لأب عربيّ من بني عبس وام حبشية في القرن السادس الميلادي. ولد عنتر عبداً، لأن العرب لم تكن تعترف بأبناء الإماء. وقد ذاق عنترة مرارة الحرمان والتهميش والإضطهاد ليس على يد الغريب او العدو وإنما على يد أبيه الذي كان أيضا سيده، يعاقبه أشد العقاب إذا ما إقترف اتفه الاخطاء. ويقول الراوي أنه عندما بخسوه حقه في الغنائم، رفض او تقاعس عنترة عن الخوض أو المشاركة في معارك قبيلته. وعندما اشتد الخطب على بني عبس، يسرد الراوي، صاح بعنترة أبوه قائلاً: ‘كُرّ ياعنترة!’، فأجاب عنترة : ‘العبد لا يُحسن الكرّ، إنما يُحسن الحِلاب والصرّ’، وحينئذ صاح بعنترة أبوه قائلاً: ‘كُرّ وأنت حر’. فكر عنترة وانتصر بنو عبس. المغزى من تجربة عنترة انه فقط عند تحقيق العدالة (لا نبخس حقوق المواطن) والحرية (حق تقرير المصير وحرية الرأي) تنهض وتتنتصر الشعوب.فلو نظرنا في العوامل المساهمة والمؤثرة في تكوين ثقافة شخصية الانسان العربي، وتحققنا في كيفية ترسيخ بعض سلوكيات التهميش والاقصاء في الشخصية العربية لوجدنا ان هناك عدة عوامل بعضها متراكم قديم وبعضها مكتسب جديد ولكن من الصعب معالجتها والتطرق لها جميعا في هذا المقال. فمثلا لو سأل صبي والديه في أي من الدكتاتوريات العربية المعاصرة هل من الممكن ان اصبح رئيساً او اميرا او وزيرا في بلدي عندما اكبر، فكيف ستكون إجابتهما على هذا السؤال البريء؟من الواضح ان سلة امال وطموحات اولادنا وامكانية تحقيقها محدودة من لحظة الصفر. في ظل واقع وجود نظم التهميش الحاكمة فإن استحقاق المشاركة بالحكم يأتي مع الولادة والنسب وليس بالجدارة عن طريق الجد والاجتهاد والابداع في العمل. فلو فرضنا ان هذا الصبي رفض واقعة المنقوص وقرر تغييره، فهل من وسائل شرعية او قانونية متاحة له؟ طبعا لا يوجد. فخيارات هذا الطفل محدودة، إما الإنطواء او العنف العشوائي او التمرد الفردي، واي من هذه الخيارات الثلاثة في الغالب لن يعود إلا بنتائج سلبية على صاحبه. واما خيارات الحاكم فهي كامنة في ابداعه في تطبيق سلة سياسات الامية او التجويع المقنن والمنضبط، فمحاربة المواطن في رزقه تجبر المواطن ان يركز جل تفكيره وطاقته في تأمين رزق عائلته، وهكذا يفقد المواطن الجرأة لقول كلمة الحق في وجه سلطانه الجائر. وفي المقابل يكرس الحاكم جل وقته وطاقته في حماية كرسيه فيبني ويهندس جيشه ومؤسسات امنه لحمايته وليس لحماية الوطن او المواطن. المؤلم ان الحاكم لا يكتفي فقط بأجهزته الامنية التى تراقب المواطن ويراقب بعضها بعضا لتكريس سياسات التهميش والاقصاء بل انما ايضا يسخر الدين والاعلام لتحقيق ماّربه.قبل تطبيق اتفاق اوسلو، كان عدد رجال ومتعهدي الامن في الضفة الغربية صفرا والان فكوادر الامن تعد بعشرات الالاف وتستهلك ثلث ميزانية السلطة. الموجع في الامر ان حصة الاسد فيها مخصصة لحماية الاحتلال وترسيخ سلطة الحاكم وليس…. لمنع تفشي سرطان الاستيطان في جسم الضفة او الدفاع عن الوطن. مثال اخر، ما حاجة دول الخليج لشراء وتكديس الاسلحة وتسمين جيوشها في ظل زرع قواعد اجنبية في شبه الجزيرة العربية وفي ظل وجود قرار استراتيجى بتوكيل حماية هذه الدول للقوى الغربية؟ فما يضير امن الضفة او الخليج لو نقصت ميزانية الامن وضوعفت مخصصات التعليم العالي؟ في عام 2011 خصصت السلطة الفلسطينية للجامعات الفلسطينية 20 مليون دولار فقط (حصة الأمن تساوي 60 ضعفا من حصة التعليم العالي). بالمقابل تبلغ مخصصات التعليم العالي لدى اسرائيل من ميزانية عام 2011 ما يقارب 2000 مليون دولار (حصة الأمن تعادل اقل من7 اضعاف حصة التعليم العالي علما انه يقال أن لدى اسرائيل خامس او سادس اقوى جيش في العام والسلطة لا جيش لها). فاذا اخذنا بعين الأعتبار شح موارد السلطة واردنا اتباع منطق اسرائيل في البناء والتطوير فعلى السلطة اما ان تضاعف مخصصات التعليم العالي بتسع مرات او خفض مخصصات الامن بتسع مرات (طبعا اخضعنا هذه المضاعفات لعمليات الحساب المجردة ولكن لو اخذنا بعين الإعتبار منطق المعايير النوعية لوجب على السلطة مضاعفة مخصصات التعليم العالي 900 مرة وليس تسع مرات فقط). اهمية هذه الارقام بانها تعكس عقلية الحاكم وتلقي نظرة ثاقبة على اولولياته. ان سياسات موازنة السلطة ليس فقط تؤدي الى التهميش بل الى ما هو اسوأ من ذلك وهو تهجير العقول الفلسطينية القادرة على الإبتكار وهكذا يفقد الوطن قدرته على خلق عوامل ارتكاز للتطوير والمنافسة. الواقع في اقطارنا العربية يشير إلى انه بين إنشغال الحكام بتأمين سلطتهم وانشغال المواطنين بتأمين رزقهم لا يبقى هناك وقت ولا طاقة لشعوبنا للإبتكار والبناء فتستهلك امتنا ما ينتجه الغرب، وبثرواتنا الطبيعية أهل الشرق والغرب يتنعمون. في ايامناه هذه من اهم المسلمات انه لا تطور وارتقاء بدون ابداع وابتكار (الإبتكارهو المحرك الرئيسي للنمو والتنمية في المجتمع). والمقصود هنا الابتكار الجماعي على مستوى الشركات والمؤسسات والشعوب وليس الابتكارعلى المستوى الفردي. في العالم العربي الأغلبية العظمى من المتقدمين للحصول على براءات هم أفراد وهؤلاء المبتكرون يضيعون جل وقتهم في البحث عن مؤسسات لتتبنى إختراعاتهم. في المقابل في الدول الصناعية فإن الأغلبية العظمى من المتقدمين للحصول على براءات هم شركات تعرف إحتياجات السوق. مسلمة اخرى هي ان الإبتكارات لا تحدث بالصدفة ولكن يخطط لها من خلال منظومة متكاملة. من اهم اعمدة هذه المنظومة هو تحويل نظام الابتكار الفردى إلى منظومة إبتكار جماعي على مستوى المؤسسات. وهذا لا يتم الا بارادة سياسية على اعلى مستويات السلطة تنعكس في وضع خطة وطنية شاملة تضع الابتكار في مقدمة الأولويات.من الإجحاف عدم الإشارة إلى أن بعض الدول العربية أطلقت مبادرات لتحفيز الابتكار ولكنها محدودة وليست مدعومة بميزانيات عالية او استراتجيات شاملة. هذه المبادرات يجب ان ترقى الى مستوى تجارب بعض الدول مثل البرازيل وكوريا الجنوبية. على حكومات الدول العربية ان ترتقي بنفسها وتشرع قوانين لتسهل انخراط المواطن في منظومة تطوير بلده. في الوقت الذي نجد فيه مثلا الولايات المتحدة تشرع القوانين لاستقطاب اصحاب العقول بغض لنظر عن دينهم واعراقهم والوانهم في المقابل نجد ان سياسات الدول العربية تكرس التهميش وتبخل حتى على ابناء جلدتها ودينها بحقوق المواطنة حتى لو قضوا جل عمرهم في خدمتها. فمثلا أصدر مجلس النواب الاميركي في نوفمبر 2012 تشريعا لتخصيص نحو 55 ألف بطاقة إقامة دائمة (غرين كارد) لخريجي جامعات الأبحاث الأميركية الأجانب من الذين يحصلون على درجات علمية متقدمة في العلوم والتكنولوجيا والهندسة، أو الرياضيات، وهو ما يمنحهم حق المواطنة. والهدف من هذا التشريع هو تعزيز الابتكار والابحاث والاستثمار في الولايات المتحدة. في نظر المشرع الأميركي فإن الإبقاء على الأجانب اصحاب الكفاءات العلمية والمدربين تدريبا عاليا ومنحهم حقوق المواطنة الكاملة هو أمر أساسي للنــــمو الاقتــصادي والحفاظ على القدرة التنافسية للولايات المتحدة. طبعا علينا ان لا ننتظر حتى يستيقظ حكامنا من سباتهم ويكفوا عن عنادهم إذ أن السؤال المطروح هو: كيف تستعيد الشعوب العربية وعيها الذي جمد لمدة طويلة لتقوم بتغيير واقع التهميش والاقصاء والإضطهاد المؤذي وتتمكن من تصحيح مسارات نخبنا الضالة لطرق التطور؟ طبعا ليست هنالك حلول سحرية ولكن المفرح ان الحل بايدينا، والحل يكمن في طريقة تربيتنا لاولادنا. لنبدأ ببيوتنا ومدارسنا ونتبنى مناهج تعكس قيم العدالة والحرية ونعلن على الملأ انه ‘لا تهميش بعد اليوم’، سندوس على النفاق وسنعمل سوية على تجفيف منابع الإقصاء والإضطهاد والفساد ،ونعمل على التعايش بثقافة الرحمة. ‘ استاذ جامعي في الولايات المتحدةqraqpt