بثينة خالدي
صدرت هذا العام مجموعة جديدة من مؤلفات الدكتور محسن الموسوي باللغة الانكليزية، صرف عليها السنوات الأخيرة بحثاً ودرساً وتحليلاً: أولها كتابه الذائع الآن في أوساط أقسام تدريس العربية وعلومها والدراسات الشرق أوسطية. ذلك كتاب (الرواية العربية ما بعد الاستقلال) أو (رواية ما بعد الاستقلال العربية). ونشرته دار Brill المعروفة بسلاسلها في الاسلاميات والنصوص الأساس في العلوم العربية. ودخل الكتاب طبعته الثانية.
أما الكتاب الثاني فصدر عن دار روتلج البريطانية – الأمريكية بعنوان (الشعر العربي: جادات القدامة والحداثة). أما الثالث فهو (قراءة العراق: صراع الثقافة والسلط)، وصدر الأخير عن دار أي. بي. تاورس وبلغريف.
ويقع الكتاب الأول في قرابة ستمائة صفحة، وفي عدد من الفصول الغنية بمباحث نظرية لم يألفها النقد الأدبي العربي من قبل. فنظرية ما بعد الاستقلال، كما يكتب الموسوي، لا تعني المرحلة الزمنية التي تقترن بالتحرر السياسي، وإنما هي منحني ثقافي له علاقة بالوعي التحرري، أو الوعي العميق بمسببات تحرر الذهن وانعتاقه.
هذا الانعتاق يتم في مجالات يسهب المؤلف في متابعتها تحليلاً وتفصيلاً. فالذهن العربي الذي ترصده فصول الكتاب هو الذي يأتينا سرداً، والسرد عند ذلك لم يعد فقط انعكاساً للمجتمعات، إنه استيحاء لمكنونات ذاتية وجماعية، فردية واجتماعية، وطنية وقومية ودينية أو معتقدية تنشأ على مراحل وتظهر أو تغيب على مراحل. والتاريخ يبدو مهماً من خلال هذه الاعتبارات والمحطات وليس خارجها.
السرد، أو الأدب الروائي، إذن هو مجال واع حتى وإن كان هذا الوعي هو ما يسميه الدارسون الجدد (الوعي السياسي الغائب). يحشد الموسوي اتجاهات هذا الوعي المعلن والغائب في ستين رواية أو أكثر، ويقدم قراءات مفصلة لكتابات لم يتكرر ذكرها من قبل، من بينها رواية الدكتور إبراهيم لذو النون أيوب، وروايات عراقية ولبنانية ويمنية، بالإضافة إلى الروايات المتداولة.
وغالباً ما يتم أخذ الروايات التي تفصح عن مساقات (رواية ما بعد الاستقلال)، أو الوعي المتحرر القادر على تخطي حدود معينة تشتغل ككوابح تعيق النوع أو الجنس أو المعتقد أو السلوك.
ولشد ما استهوتني بعض الفصول التي تخص المرأة. فالكتاب يتناول موضوع شهرزاد بصفتها (مجازا) تجتمع في داخله قضية الوعي المذكور، أي موضوع الكتاب. إنها المجاز الحاضن لهذا الوعي وطرائقه في التحرر والانطلاق.
ولا غرابة أن يكون الفصل الأول والأخير يتخذانها عنواناً. فالأول يبحث في القضية، أي قضية شهرزاد مجازاً (استقلالياً)، والأخير يتخذ من ليالي ألف ليلة لنجيب محفوظ خاتمة للمناقشة لما تنطوي عليه رواية محفوظ من جمع لخيوط متناثرة ومبعثرة. محفوظ الذي لم يكن شغل الكتاب الشاغل ظهر في الفصل الأخير كأنه المجاز البديل، الذكر الذي عز عليه أن يبقي خارج الضوء، فعاد لتوليف الحكايات وجمعها في رواية واحدة تعني صراحة بقضية التحرر من حكم الرجل الواحد، الأسد الهصور، والقبول بالشراكة ما بينه وبين المرأة والناس. خاتمة أراها موفقة لقراءة الوعي العربي.
لكن الكتاب فيه فصل واسع أيضا عن كتابة المرأة، وفيه عن المكان والزمان، وكذلك الغرب والشرق، والهامشيين وأنماط السرد. الفصول العشرة هي حشد لذيذ وممتع لمعرفة عميقة، ومؤلف غني، تعتز به المكتبة العربية، كما تعتز به المكتبة الانكليزية الآن، فهي تحتفي بمجهودات الموسوي.
كانت جامعة Yale التي أعمل فيها قد دعت المؤلف في السابع عشر من أفريل 2006 ليعقب علي هذا الكتاب الذي أصبح مقرراً دراسياً في عدد من أقسام الدراسات العربية الاسلامية والشرق أوسطية. وألقي الموسوي محاضرة موسعة عرضت قليلاً للكتاب، لكنها كانت تعني بما يمكن أن يضيفه في كتاب لاحق، فلا نهاية لهذه الرحلة المعرفية، كما يقول في تقديم محاضرته.
والأهم في هذا الكتاب يتعدي الاطار النظري، أي الوعي السردي العام، من خلال التركيز علي شبكة واسعة من استراتيجيات الكتابة، كما يسميها المؤلف. ويري أنها تتحرك كمكونات مادية هي الأخري تتخطي الشعر، وتبني لنفسها دوائرها ودوافعها الخاصة: فكل مجال له لغة، ولكل لغة ثقل ما، ونستجمع الكلمات والعلامات نفسها، كما يعرض الكتاب، في بؤر رؤيوية مكثفة، تجعل من هذا الوعي قائماً باستمرار، فارضاً حضوره علي القارئ.
ولربما يلتقي القارئ بقطار في (موسم الهجرة الي الشمال) للطيب صالح، أو بقطار في (الدكتور ابراهيم) لذو النون أيوب، ويتصور أن أمره عابر.
الكتاب يقول لا. إنه وعي بالماكنة، جاء مبكراً في مناطق لم تلحق بالركب الصناعي والمجتمع التجاري الحديث إلا قريباً. أما ما يدور داخل هذا القطار فليس غير تكثيف للابتداء والمرور والعبور إلى الضفة الأخرى، المجتمع الآخر.
الكاتب يريد أن يقول أن الرحلة ليست من مجتمع رعوي إلى مدني، إنما هي وعي بالذات، شديد وكثيف، فلم يفرح الصبي السوداني في ذلك المشهد بإجادة القس للغته الإنجليزية، وإنما شعر بما تحتمله من افتراض معاكس أيضاً. الهوية تتأكد من خلال المقارنة والمعاكسة، كما يقول المؤلف، أما في (الدكتور إبراهيم) فالمناقشة الجارية داخل القطار تصنع مثقف الصفوة، الهجين الإمبراطوري، أمام مغامرته الجديدة: أي، كيف يتلبس قناع الإمبراطورية؟
تأكد له أن الأمر ليس سهلاً، وأن أهل البلاد يميزونه عنه حتى عندما يحمل شهادة الدكتوراه من جامعة لندن ويتزوج امرأة إنجليزية يقول له أبوها (لشد ما تبدو إنجليزياً لولا لون بشرتك!). الاندماج الكلي مستحيل، هكذا يرى ذو النون أيوب في كتابة رائدة في (رواية ما بعد الاستقلال). ويعرض الكتاب لقضايا أخرى مختلفة تخص التعلم، ورحلة التربية التي تتكرر في الولايات المتطلعة إلى التغيير.
وبينما يبدو المنحى الذاتي للاندماج بالمعرفة الجديدة واضحاً في عشرات الروايات بقلم الذكور والإناث، ثمة دور للمجتمع التقليدي لتكريس التاريخ، الوعي به، في لحظة أريد فيها للدولة القومية أن تظهر قوية بجيل قوي يعي إمكاناته الثقافية، هذه الرحلة الشاقة هي مادة روايات عديدة خصها الكتاب بالذكر والدرس، كما خص ظهور الوعي الأنوثي بالاهتمام، والكتاب لا بد منه لفهم معنى مجتمع ما قبل الدولة القومية، وظهورها، ومحنها، كما لا بد من قراءته لنتحرر من فرضيات عادية ألحقت تخلفاً بالنقد وممارسته.
فكتب الموسوي كما يقول في تقديمه لهذا الكتاب: تريد أن تجعل الأدب العربي في المساقات الأساس للثقافة العالمية الحديثة، لكي يقرأ ويفهم ويستوعب، وهذا يعني أدوات في التحليل والمعالجة تتيح مثل هذه النقلة وتيسرها للقارئ الأجنبي. وليس كتاب (الشعر العربي: جادات القدامة والحداثة) بأقل من سابقه اهتماماً بهذا الهدف. نحن لا نقرأ هنا استعراضاً لمجموعة أسماء وقصائد قديمة أو حديثة ـ لا.
الكتاب، كما يصفه الكاتب كقديمه، لا يختار مفردة جادات أو مسالك عبثاً. الطريق والغابة، الاشتباك والتقاطع، الاستمرارية والانقطاع، هذه هي محركات الكتابة في ثمانية فصول شغلت 326 صفحة.
ويعني الفصل الأول بمعني الجادات الشعرية، وقضية الحداثة والعلمنة، والعامل الحداثي. أما الفصل الثاني فيخص ازدواج الموروث والحداثة، وتجسيدات ذلك في الذكريات والأقنعة والترجمة، والانشقاق، ومشاهد الائتلاف والفرقة في الشعر الحديث، وعودات الأسلاف في الشعر. ويتعامل مع شعراء مختارين من هذا المنظور. أي كيف يطل الأسلاف ثانية؟ ولماذا هذه الاطلالة؟ وكيف يعرض لهم الخلف؟ وما علاقة ذلك بالمدونة التاريخية؟
أما الفصل الثالث فهو خاص بالاستراتيجيات (الشعرية)، ولا سيما بعتبات القبول والرفض. ويتم ذلك من خلال قراءة متمعنة في القصائد، عمودية أو حداثية، لاستطلاع هذا الاشتباك ما بين الماضي والحاضر.
أما الفصل الرابع فيري أن الشعر يمكن أن يكون (حوارياً) اذا أراد الشاعر ذلك، وما تعدد الأصوات في قصائد معينة الا امتحان لوعي اجتماعي سياسي في لحظة ما من عمر الدولة القومية. ولهذا لا يبدو الأسلاف غائبين ضرورة، كما يناقش الفصل الخامس، الخاص بالاهداءات. وتجري هنا اضافة فريدة للنقد الأدبي، ليس العربي فقط، انما الغربي أيضاً، الاهداءات ليست شكلاً، وعتبات، ومحطات فحسب. لا. انها شديدة التعقيد. واعترف أنني كلما تمعنت في هذا الفصل أرتجت لدي فرضيات قديمة. نعم لم تعد القراءة الشكلية الفرنسية كافية. ولا قراءة هارولد بلوم النفسية. نحن هنا بازاء نقد كثيف فعلاً يعطي أهمية كبيرة للشعرية العربية ويرتقي بها نقدياً. لابد للقارئ أن يلم بمعني أن يهدي البياتي قصيدة لحاوي ليفهم ما أقول.
أما الفصل السادس فيخص (شعرية المنفي). وليفرح أهل المنافي وهم يرون المؤلف يقيم لهم أوطاناً شعرية من خلال قراءة متمعنة لكتاباتهم. عدد كبير من الشعراء يحضرون هنا، لا محمود درويش وحده، أو البياتي، وانما هناك أمجد ناصر ونيازي وعدد من الشاعرات. الشعراء يظهرون في هذا الكتاب بأعداد ليست اعتيادية، لكن هذا الأمر لا يعد مثلبة. نحن نحتاج الي أجيال متفاوتة تطل علي الساحات المثقفة الغربية.
أما الفصل السابع فيريد أن يحسم العلاقة بالغرب وت. اس. اليوت خاصة. فلماذا هذا الولع؟ وكيف توقف؟ ومن رواده أصلاً؟ وفي أية مرحلة؟ والأهم كيف تجسد شعراً؟ وما يعنيه التفاوت مع اليوت تارة والأخذ عنه تارة أخري.
ولكني أضيف، أن الفصل جعلني أعجب باليوت، بقدر اعجابي بالشعراء العرب. ولا أظن أن هذه حالة سلبية: إذ لا يمكن للنقد أن يتجلي مؤثراً إلا من خلال الإيمان بما يناقش.
والفصل الأخير ينتهي باستجماع خيوط القدامة والحداثة، نظرياً: من خلال قراءة ملخصة للنظرية الشعرية العربية، وتطبيقياً من خلال رؤية الافتراق عنها في الشعرية الحديثة. هنا ترد أمثلة من التقاطعات الشعرية، لا سيما في الشعر الحديث، وهي تسترجع القديم أو تلغيه. ولمن يريد أن يعرف كيف تشتغل الذاكرة الشعرية عليه أن يقرأ هذا الفصل ليتحرر من الكلام الذي درجنا عليه لفترة ليست قصيرة.
الآن النقد له أسس، وله مسند نظري، وركائز الاجتماع… علينا أن نهييء للخطوة القادمة. وكفانا الحشو الذي لا معنى له. وكتاب الموسوي يضعنا في الطريق الصحيح، ولنا أن نأخذ منه فنحن أمام جهد نقدي عميق وجاد، كما قالت الدكتورة أمينة غصن في جريدة الحياة (11 ايار ـ مايو 2006).
الكتاب الثالث الذي صادف نشره هذا العام أيضاً والذي يقول المؤلف إنه على خلاف الكتابين السابقين اللذين شغلا الفترة من 1996 إلى 2003، فهو حصيلة السنوات التالية. والكتاب اتخذ عنوان (قراءة العراق: صراع الثقافة والسلطة). أو يمكن أن نضع له عنواناً ينقل لنا معناه كما جاء بالانجليزية: كيف نفهم العراق من خلال صراع الثقافة والسلطة؟
الكتاب ليس سرداً تاريخياً أو تكديساً للمعلومات. إنه معالجة أخرى للمكونات الثقافية التي تضع العراق أمامنا بكل معطياته وأمته وثرائه ومعنوياته وقسوته وعذوبته ورقته. إنه الكل المتناقض المنسجم.
وإذا كان هناك من يعرض لهذا الأمر كأنه آفة الآفات فإن الموسوي يرفض ذلك. إنه يراهن على القوة الكامنة في هذا الأمر. الرغبة في عدم الانسجام التي أرقت القادة والملوك منذ أيام الإسكندر. ألم يكن الإسكندر يسأل أرسطو عن سر هذه الصعوبة عند أهل العراق؟ هذا ما قاله أدباء بني العباس على الأقل، وما كرره الحصري القيرواني.
ولكن هذا ما التقطه العالم الاجتماعي علي الوردي الذي خصه الموسوي بذكر واسع. نعم. السؤال الذي يتكرر دائماً في الكتاب يخص الازدواجية وتأويلاتها: لكن الموسوي يرى فيها رغبة شعب مبتكر يعاكسه أهل السلطة بدل أن يغرفوا معه من هذه الرغبة في الابتداع والابتكار.
المعاكسة للتيار هي المحنة، وليس الاحتدام والعنفوان الداخلي القائم كما يبدو تاريخياً. هذا لا يعني التسليم بحتمية تاريخية. ذلك لأن المؤلف يلجأ إلى منهجيات ميشيل فوكو، كما يلجأ إلى أساليب علماء الاجتماع الجدد ومناهجهم ليعرض لانعكاسات هذا العنفوان في الحياة العراقية منذ الاستقلال الوطني السياسي أو الشكلي، وليضع الكتابات المختلفة في سياقات الجدل الثقافي.
يعرض الموسوي لمنهجيات المربين العراقيين: القوميين منهم كالحصري، و(الليبراليين) الآخرين كفاضل الجمالي ومحسن مهدي وعلي الوردي. هؤلاء جميعاً اشتركوا مع ابن خلدون وأخذوا من منهجياته وحاولوا أن يعرضوا لازدواجية البداوة والحضارة … إلخ. والمؤلف يغاير هذه بملاحظة السياق الآخر: أو النتائج التي ترتبت عن التربية الحديثة: قومية كانت أم ليبرالية.
فماذا نقول بشأن حملة الشهادات العليا في الثلاثينات وحتى الخمسينات؟ ما هو دورهم؟ وما دور الطبقات المتعلمة الجديدة؟ وكيف تأثرت الجماعات السياسية بالتربية وبالأفكار التي جاءت إلى العراق أو انبعثت فيه؟ ولماذا بدت جميع هذه بدون استثناء كأنها شتلات ليست عميقة الغرس.
المؤلف يعترف بالعنف الذي طال الجماعات السياسية والمفكرين، ولكنه يرى أيضاً محنة العسكر وظهور المحترف السياسي كمنتوج غير مكتمل، نوع من (الخدج) الذي لم يستكمل فترته بعد فداخله الفرح بالاكتمال. وهكذا أقحمت البلاد في محن ومشكلات لا قبل لها بها.
هذه المحن حالت دون استكمال التربية على نطاق التعليم الجماعي العام. وكان أن تزايدت الفئات غير المتعلمة أو الهامشية جداً والتي تتحرك بغرائزها ويجري ملؤها بسهولة كما يجري أبطالها بيسر أيضاً.
هذه الحركية ما بين الامتلاء والفراغ السياسي والاجتماعي، يصيغها المؤلف بإسهاب، ويعززها بما يرد في القصص والقصائد والمسرح والفنون على مدى عدد من العقود منذ 1920 التي يتخذها الكتاب نقطة تكثيف خاصة تهم العراق ولازمة لهذا الموضوع.
الكتاب غني ومشوّق أيضاً، ويعيدنا ثانية إلى العراق من خلال أمنيتنا في أن نراه معافى، ليس في أذهاننا أو على أرض الواقع فحسب، ولكن أيضاً في سياق المكتوب والمنشور عنه.
وكما قلت في المقدمة فالكتاب يستكمل مسيرة المؤلف في كتبه الأخرى، ليضع الثقافة العربية والعراقية هذه المرة في السياق الأساسي أو التيارات الثقافية السائدة عالمياً، لكي يفهم كما هو، لا كما يراد له.
إن العراق في هذا الكتاب لم يعد هامشاً غريباً، عبئاً ملقى على الطريق، لا، إنه من قلب الحضارة، إلى نبضها، لا بد منه، ولا بد له من الحضور، ولكن هذه المرة بحصيلته الثقافية، بزخمها وتناقضها، باحتفاليتها وبنفعها، وبكل ما يجعلها حيوية وطافحة بالتناقض ما بين الخيبة والأمل.
محاضرة في جامعة Yale الأمريكية