للثقافة أوثانها وأيقوناتها ببساطة لأنّ لها أنبياءها أيضاً فالثقافة رسالة وليست سباحة في الفضاء. تدخل الثقافة في أزماتها حين تبدأ أفعى الثقافة وهي بالمناسبة رمز للحكمة بطرح جلدها طلباً للتجدّد إنّها ولادةٌ عسرة في كل الأحوال! يوصل المثقف رسائله عبر أدواته على قمّة الهرم تتربّع الكتابة، وحيث أنّه لا يمكن سحب الثقافة من ميادين الحياة فهي تعيش وتترعرع هناك وإن كانت تمدّها بماء الحياة وأسباب الإستمرار والبقاء. هذا الإنغماس الممتع والمؤلم في آنٍ معاً هو ما يرسم للمثقّف دوره الطليعي فقلمه يبني ويهدم ينسّق أو يبعثر: إنّه يجدد ويعيد التشكيل أو يسند بكفّهِ البنى القائمة بدافع الولاء والإيمان أو حتّى الحفاظ على الذات فغرائز البقاء لا يمكن التحايل عليها إنّها حاضرة دائماً وبقوّة ومن هنا تنبثق التصنيفات والخصومات الثقافيّة: رجعي، تقدّمي، ثوري، يساري ويميني! فبينما ينشغل المثقّف بأفكاره ينشغل الآخرون، قوى إجتماعيّة وسلطة سياسيّة، بإلباسه ثيابهم التصنيفيّة، لاستيعابه، أوتقييده، أو نفيه ربّما خارج الفعل! وحين تتحوّل الأيقونات من رموز إلى غايات، ويتشبّث بها المثقف تمسّكَ الطفل بالدمى، هنا يتحوّل المثقّف نفسه إلى أيقونة في متحف الزمن! لقد ابتليت ثقافتنا العربيّة بهذه الآفة، وحين دخلنا عصر الثورات، فشل الم ثقّف العربي، في أن يمدّها بالوقود، لقد علق في شرنقته، الّتي نسجها الإنتماء السياسي والحزبي، إنّها الوشائج القديمة إيّاها الّتي تحوّلت إلى أغلال، وجعلته يقف عاجزاً، ليرجم الثورة بالحجارة، فقط لأنّها التقت مع الدّين، في لحظة تزاوجٍ نادرة ولأنّه عاجزٌ عن فهم هذا القرآن التاريخي، فهو يسارع إلى البراءة منه، أشبه برجم الزناة للمجدليّة إنّ خياله لا يمسك باللحظة! لم يخط مسيح ثقافة إلى المشهد، ليزجرهم ويعرّيهم أمام أنفسهم. آه إنه الوعي، لحمة الثقافة وسداها، وهو الذي نشهد غيابه المفجع، في مملكة يهوذا هذه! في المعمعة الآن، مثقفون متحولون، متطوعون ومغامرون جدد، يحاولون ملء الفراغ، ولذا تجد المقالة والمقالة التحليلية بالذات، على رأس الأنواع الرائجة، إنها تأخذ دور الكرازة والتبشير والتحريض، وتقلب الطاولة على كهنة المعبد. هؤلاء الثوار يقولون: أنتم لستم كتبة إنما أنتم تجارٌ ولصوص! المشهد حتماً سيكتمل بتراكم الوعي واستمرار الحركة التاريخية بإيقاعها المتسارع سيطرح الجلد القديم الباهت، ويحل محله الجلد الجديد بألوانه الزاهية، التي سيأتلف فيها المتضامنون والمقاولون الجدد! نزار حسين راشد