ناصر عراقالعجب الشديد الذي يعتري المرء كلما تأمل وقائع ثورة 25 كانون الثاني (يناير) المجيدة ونتائجها المدهشة، يتبدى تحديداً في مستوى الهزال الثقافي الذي بلغه أولئك الذين آل إليهم حكم مصر في لحظة تاريخية بائسة. الأمر الذي يجعلنا نقول بثقة أن الجماعة التي سيطرت على مقاليد الأمور في (أم الدنيا) في العقود الأخيرة هي أغبى جماعة حكمت مصر على امتداد القرون.
لماذا؟
قبل أن أجيب، تعالوا نستعرض معاً مهمات وأحلام الحكام في دول العالم الثالث التي تنتمي لها مصر وأخواتها العربيات.
أبهة الحكمفي ظني أن أهم شيء ينبغي على الحاكم في بلادنا أن يحافظ عليه ويحتفظ به هو أن يظل حاكماً أطول فترة ممكنة، ما دمنا محرومين من ثقافة تداول السلطة عبر انتخابات حرة ونزيهة. لذا يخيل إليّ أن الرجل الذي يكدح للوصول إلى السلطة مدججاً بطموح لا حدود له، سيكافح من أجل الحفاظ على كرسي العرش بكل الوسائل. لكن ما إن يتذوق صاحبنا لذة الحكم وأبهة العظمة حتى يغرق في بحر الغطرسة، وتدغدغ ذاته نسائم الغرور، فلا يرى المصائب التي تتجمع تدريجياً في وطنه مهددة إياه بالطرد من عرين السلطة في أفضل الأحوال، أو اغتياله وهو قابع في قصره في أسوئها.
ثاني الأمور التي يجب على الحاكم في العالم الثالث أن يحافظ عليها هي أسرته: أبناؤه وزوجته، مثله في ذلك مثل رب أي أسرة من بسطاء الناس يكد ويشقى لحماية أهل بيته من المخاطر التي قد يتعرضون لها، فضلاً عن كفاحه من أجل أن يوفر لأبنائه الحياة اللائقة والكريمة.
أما ثالث الأمور التي يتحتم على الحاكم في دول العالم الثالث أن يهتم بها اهتماماً شديداً، فتتمثل في قدرته على الحفاظ على كيان الدولة التي يحكمها والشعب الذي يترأسه، حتى يظل مستمتعاً بهيلمان الحكم وعطر المجد.
هذه الأمور الثلاثة هي التي ينبغي على أي حاكم حصيف أن ينتبه لها حتى يظل قابضاً على جمرة السلطة من دون أن يتعرض لمخاطر كبيرة تهدد وجوده أو تجرح كبرياءه.
صدّام والساداتبسقوط بغداد في التاسع من نيسان (أبريل) سنة 2003، وهروب الرئيس العراقي صدام حسين، ثم القبض عليه ومحاكمته وإعدامه، تم تدشين أول الحكام الأغبياء من العرب وفقاً للمفاهيم التي ذكرتها تواً. ذلك أن صدام بسوء إدارته للأمور نظراً لثقافته المحدودة وديكتاتوريته البغيضة، فقد كل شيء: كرسي العرش، ثم خسر أبناءه قصي وعدي اللذين قتلتهما قوات الاحتلال، ثم فقد حياته نفسها من دون مجد، وأخيراً أضاع بلده العظيم، وجعله رازحاً تحت قسوة الاحتلال الأمريكي. لا تقل لي من فضلك إن الغرب كان يتربص بصدام، وأن كثيراً من العرب خدعوه وضللوه وباعوه. وأن اللعاب الأمريكي كان يسيل بشدة على بترول العراق، ذلك أن السياسة هي فن الممكن، وكيفية إدارة الأمور بطريقة لا تؤدي إلى كل هذه الخسارات الباهظة التي تكبدها صدّام حسين شخصياً نظراً لإخفاقه في قيادة بلده.
الرئيس المصري الأسبق أنور السادات ابتـُلي أيضاً بغباء سياسي شديد حين أقدم على إبرام معاهدة (سلام) مع إسرائيل بصورة منفردة، بعد أن سدد للتوازن الاجتماعي في مصر سهاماً قاتلة بانحيازه إلى الأثرياء، ثم قام باعتقال كوكبة معتبرة من أبناء مصر الشرفاء عارضوا سياساته المتخبطة وتوجهاته المشبوهة قبل أن يلقى حتفه بشهر واحد فقط، الأمر الذي أدى في النهاية إلى اغتياله من قبل الجماعات الإسلامية المتشددة وهو يختال على العالمين ببزته العسكرية وسط جنود وضباط جيشه العرمرم، فخسر بذلك كرسي الحكم بعد أن فقد حياته نفسها! مبارك وزبانيتهلا يمكن تفسير ما يجري الآن لمبارك وزبانيته من كبار رجال الحكم الساقط إلا إذا انتبهت إلى بؤس المستوى الثقافي الذي وصلوا إليه، فالرئيس والذين معه حرموا أنفسهم من نعمة القراءة والاطلاع، وأزعم أن مبارك شخصياً لم يقرأ كتاباً واحداً في الأدب أو الفكر أو التاريخ أو السياسة، لأن القراءة في الأدب، على سبيل المثال، كانت سترقق مشاعر الرئيس المحبوس الآن، فتجعله يترفق بشعبه فلا يتركه يموت في طوابير الخبز، أو يشرب مياه المجاري! وإذا كان هذا الرئيس قد أخذ بنصيب من كتب الفكر، كان قد ملأ عقله وروحه بما يدفعه إلى تدبر الأمور من كل النواحي، قبل أن تحرقه نار التهلكة التي ألقى بنفسه فيها.
أما لو كان مبارك قد ألم بتاريخ مصر، لأدرك على الفور أن صبر الشعب المصري العظيم على المكاره لا يعني الانصياع التام لشرور الحكام وجبروتهم إلى الأبد، وأنه سيثور يوماً ليزيح أولئك الذين ظلموه وبطشوا به ونهبوه.
تبقى كتب السياسة التي تأفف أن يقربها مبارك والذين معه فيما أعتقد، لأنهم لو قرأوها لأيقنوا أنك لا يمكن أن تحكم شعباً بالقهر فقط، كما أنه من المحال أن يتسامح المصريون على الإطلاق مع فكرة التوريث الخبيثة، التي ظل النظام يروج لها ويدعم بطلها الأغر جمال مبارك، بعد أن قتلوا جرثومة التوريث نهائياً في اللحظة التي تخلصوا فيها من ملوك أسرة محمد علي، وأعلنوا قيام الجمهورية سنة 1953. دعني أسألك بصراحة أكثر: هل تتخيل أن حسني مبارك قرأ شعراً للمتنبي أو شوقي أو محمود درويش؟ هل اطلع على روايات نجيب محفوظ أو ماركيز؟ وهل الرئيس المخلوع تابع بلهفة مصير أبطال مسرحيات توفيق الحكيم أو نعمان عاشور أو سعد الله ونوس؟ هل سمع عن موسوعة جمال حمدان المدهشة (شخصية مصر… دراسة في عبقرية المكان)؟ هل قرأ عن الثورات الكبرى في التاريخ وأسبابها؟ هل طرقت أذنه أسماء مثل الجبرتي وابن إياس؟ هل عندك أي إشارة توحي بأن الرئيس المحبوس كان يشاهد الأفلام ويستمتع بغناء أم كلثوم وعبد الوهاب؟ (لاحظ من فضلك أن عبد الناصر والسادات كانا يطالعان الكتب وينصتان إلى أم كلثوم وعبد الوهاب بشغف، ويشاهدان السينما باهتمام وتقدير وينفعلان بالأفلام المتميزة). في تقديري أن الرئيس السابق لم يقرأ ولم يسمع ولم يشاهد ولم ينفعل لا بأدب ولا بفن، الأمر الذي جعله محدود الخيال، كما وصفه لي الناقد الكبير المرحوم رجاء النقاش عندما سألته عن رأيه في شخص الرجل الذي حكم مصر ثلاثين عاماً كاملة! المؤسف أن المجموعة التي أحاطت بمبارك الأب أو الابن، كانت تضم بينها حفنة من الكتاب والأكاديميين والمثقفين والإعلاميين، ولا شك عندي في أن أولئك وهؤلاء يدركون تماماً أسرار التاريخ وقوانينه، وخبايا السياسة وألاعيبها، وقدرات الشعوب وغضبها، لكن الطمع في ذهب المعز أعماهم، والصراع على خطف قطعة من كعكة السلطة والنفوذ حجب عنهم ما تعلموه في المدارس والجامعات، وما طالعوه في الكتب والأبحاث، الأمر الذي أدى في نهاية المطاف إلى أن يراهم الناس وهم يدخلون في سجن طرة أفواجاً!
الفضيحة التاريخية36 رجلاً من قيادات ورموز النظام السابق محشورون الآن في الزنازين الموحشة، (أكتب هذا المقال فجر 26 نيسان / أبريل 2011)، بينهم رئيس وزراء ووزراء ورئيسا مجلسي الشعب والشورى ورجال أعمال ونجلا الرئيس المخلوع وقيادات حكومية كبيرة، فضلاً عن حسني مبارك نفسه الذي يرقد في المستشفى (محبوساً) على ذمة قضايا قتل وفساد وكسب غير مشروع. فإذا أضفنا إليهم الذين تمكنوا من الهرب خارج البلاد قبل القبض عليهم، فإن عدد القتلة والفاسدين يرتفع إلى أربعين، ويبدو أن الرقم قابل للزيادة، في سابقة هي الأولى في تاريخ مصر منذ عهد مينا موحد القطرين! أذكر أنني حين خرجت من القاهرة لأول مرة متوجهاً إلى دبي للإسهام في تأسيس مجلة ‘ الصدى’ عام 1999، أنني فوجئت بالمستوى الرفيع للنظام والنظافة التي ترفل فيهما لؤلؤة الخليج الساحرة، فكتبت وقلت لأصدقائي، متحسراً على الوضع المزري الذي بلغته عاصمة المعز: (إن الذين يحكموننا في مصر مجموعة من الفاشلين، لأنهم لم يستطيعوا أن يضعوا نظاماً مرورياً في القاهرة يرحمها ويرحم أهلها من الفوضى والضجيج والقبح الذي يعتري المدينة التليدة). لكن مع اندلاع الثورة المجيدة في 25 كانون الثاني (يناير) الماضي، أيقنت أنهم ليسوا مجرد فاشلين فحسب، بل إنهم يمثلون عصابة غبية وجاهلة، يتزعمها رجل لم يقرأ كتاباً، حاولت أن تنهب مصر وتذل أهلها الطيبين. وقد حقق أفراد العصابة نجاحات كبيرة بعض الوقت، لكن ثقافتهم الضحلة وغباءهم السياسي وهزالهم الفكري، فضلاً عن غطرستهم واستعلائهم على الناس… كل ذلك أدى إلى الثورة عليهم، وجرجرتهم خلف القضبان، ومن ثم سيدخلون التاريخ من أردأ أبوابه باعتبارهم أغبى جماعة سياسية حكمت مصر على مر العصور! كاتب من مصر