الثقافة بوصفها عناوين عريضة

حجم الخط
0

الثقافة بوصفها عناوين عريضة

شاكر لعيبيالثقافة بوصفها عناوين عريضةمن يراقب المشهد الثقافي العربي، سيصاب بخيبة أمل كبيرة، بسبب أن الثقافة تتحوّل إلي محض (عناوينَ) لمقالاتٍ صحفيةٍ تزعم معالجة قضايا فكرية وفلسفية وسيوسيولوجية كبري، ويغيب عنها، إلي حد بعيد، الفحص الرصين الجدير بمعالجة تلك العناوين عينها.الإشارة العجولة إذن تحلُّ محلَّ التحليل، والبداهة محلّ نقد البداهة، القراءة الجادة هائمة وينتزع مكانها تقليب الجريدة أو صفحة الأنترنيت، بينما العنوان العريض، المُغـْرِيْ، الزاعمُ انحناءً علي قضية كبري يغيّبُ كل قضية، لكي يحتل الكلامُ العابر مقامَ اللسان الحَذِر.عمومية الفرضيةهذه لها ما يبررهايكفي لنا اليوم، للتأكد من الحقيقة، النظر إلي صحافة الأنترنيت التي تلتقط وتجمّع من الصحافة المطبوعة ـ أقول تكاد تسرق ـ مقالاتها ذات الموضوعات العريضة التي هي لفرط اتساعها تضم اللا معني نفسه. هنا أمثلة: (عصر الطغيان)، (العبودية في موريتانيا.. الحقائق الغائبة)، (هــل يتوقف التاريخ عن الدوران؟)، (التطرف اللغوي في المغرب)، (أزمة العقلانية في الخطاب الثقافي)..إلخ. هذه مقالات صحفية مطبوعة معاد نشرها في صحف الأنترنيت. إننا في عالم السندويشة الثقافية التي لا طعم لها إزاء أصناف المطبخ العريقة. لنعترف، أقلها بذلك، دون مكابرة، مع ملاحظة أن العالم الاستهلاكي الغربي، بصفته نموذجا للعرب ولغيرهم عن حق أو باطل، يضع لذا مكانا ولذاك مكانا ولا يخلط بين السندويشة والمائدة الوطنية. نحن نخلط خلطا، وتهجر جماعةٌ ثقافيةٌ ستصير الأغلبية بعد قليل معاني تلك العناوين ـ وحتي ما قد كُتب عنها من بحوث جادة ـ مكتفية بالمقالة الصحفية أعلاه. لو أنك أخذت القطار من مدينة عربية في جنوب بلد مغاربي إلي شماله، تطول ست ساعات تقريبا، لرأيت أن ورق الجرائد الذي يُغطِّي وجوهَ ركاب القطار طيلة الرحلة الطويلة، ليس إلا صحافة الفضائح والمشهورين والجرائم والموضة لا غير. وهو ما لن تراه تماما في قطار فرنسي أو ألماني، يقطع ربع المسافة. ما يحصل في القطار العربي، ثقافيا، هو تلخيص للمقروء في الثقافة العربية. إنها استعارة بليغةغير أن في ذلك دلائل أخري أكثر أهمية: أن العالم العربي منصرف، شيبا وشباناً تقريبا إلا حيوات تكاد تنقرض، عن المشكلات الجذرية التي تطرحها ثقافة رصينة جديرة باسمها. لهذا السبب بالضبط وليس سواه لم تكف تلك القلة عن التحدث عن حجم القراءة المأساوي في العالم العربي، وعن مستوي الأساتذة الجامعيين العرب، وعن هجران الإرث الفكري والفلسفي التاريخي، العربي واليوناني والأوروبي، لصالح حداثة غائمة الملامح معادية للحداثة، وعن دُرْجة الكتلة والكتلوي في قصيدة النثر (التي لم يفهما أحد إلا بعد توضيحات محمد بنيس مؤخرا في القدس العربي وفيها دلالة وأيّ دلالة)، وعن الأخطاء اللغوية والإملائية الفادحة لجمع من الشعراء والكتاب، وعن أدب منحنٍ علي الشبقيّ المحض والمحرّم المبتذل والمشروع في آن، يريد القفز إلي مستوي حركة تحرر نسوية متأخرة جدا وجد مخادعة، وعن… أي موضوع آخر سنسمي، فكلها تندرج في إطار هذا الهجران الحثيث، المراوِد، البطيء للثقافة بمعناها العالي، واللجوء ببراعة إلي ما يشابهها…؟شاعر من العراق0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية