محمد الجابلّيمن المعلوم أن الزمن الديكتاتوري يخرب كل شيء، ويسارع الإعلام للحديث عن الخراب المادي، لكن الخراب الأعمق هو ذلك الخفي والذي غالبا- ما يكون مقدمة لكل الخرابات الأخرى، تخريب العقول بدءا باستهداف القوى الطامحة التي تحمل مشروع التغيير، لذلك يكون البدء بالثقافة في جذورها العميقة، عبر التهميش والتوظيف، تهميش المعترض منها وتوظيف الممكن ليكون في خدمة الآلة لدعائية…وفي تونس بعد الثورة كثر الحديث عن البوليس السياسي، وتم تجاهل البوليس الأخطر والأكثر دهاء وهو البوليس الثقافي، تلك التشكيلة المائعة في تركيبها والناجعة في أثرها الفاعل: بوليس من قبيل العنقاء والغول، ماثل في كل مكان لكنك لا تراه في أي مكان، طيف واسع فيه إعلاميون وكتاب وسينمائيون وموظفون سامون…يعملون تحت آلة دعائية مغلفة بالنوايا الحسنة وشعارها الظاهر والخفي هو ‘تلميع الصورة’ في الداخل والخارج: صورة ذات بعدين وجهها الوهمي هو الوطن ووجهها الواقعي هو النظام، صورة إعلانية سمجة تتمظهر في كل شيء تتفرع لتلتقي في مقولة ‘ الفرح الدائم’ صورة صناعها المختلفون يندسون في مسام الفعل الثقافي، احترفوا التزيين والتزويق والتلفيق والتوفيق…حراس البوابات الخلفية ومنظموا الولائم، خبراء في ترصد النوايا وقراءة ما بين السطور، بارعون في فن الإصغاء والتحبير والتنوير، تنوير عقل السلطان الغافل بالتنبيهات والتنويهات والتقارير الممهورة بالغيرة على البلاد من شر العباد…هذا الطيف الواسع، اكتسب حرفية ودهاء كما اكتسب نجاعة من هلاميته، فهو حاضر فاعل في كل مكان تحت الشعار الأعظم، وهو أخطر من البوليس السياسي لقدرته على التخفي والإندساس والتلون، لأندماجه في كل الفيئات والطبقات ولاكتسابه تعددا لسانيا، يذكر بمقولات باختين- في الخطاب الروائي…وزيرنا المستقيل، الباحث في التراث، الذي أتت به رياح الثورة، السيد ‘عزالدين باش شاوش’ صاحب النوايا الحسنة- كجيله- من سلفنا البورقيبي القديم، يعرف كل شيء لكنه لم يقرر شيئا، بل كان جسرا عائما عبرت فوقه القوى القديمة بحذر من خلال النصح والخبرة- إلى برّ الأمان ‘الثوري’ فتميع المشهد الثقافي بعد الثورة عبر الأسهل، وهو تغييب الثقافة لتكون القاطرة الأخيرة في القطار المنهك…ثورة بلا رأس-كما نظر لها البعض- في المستوى السياسي الإيديولوجي، بلا قيادة: هي ثورة بلا عقل في المستوى الفكرى الثقافي، حيث انطوى الكتاب والمبدعون وعموم المثقفين للفرجة على شاشات الإسهال السياسي وسماع الثوار الجدد الذين عبروا من خلال الفضاء الإفتراضي، مدونوا اللحظات الأخيرة، وثوار الفيسبوك والراب…مشهد داخلته رياح شتى يخلو من الجديد الإبداعي، أعادنا الى الذاكرة من خلال نفض الغبار عن فرقنا ‘الملتزمة’ التي عرفناها في شبابنا الجامعي، والتي لم تتجدد غير أن إعلامنا ‘الثوري’ فتح لها الأبواب بعد أن أن كانت محجوبة في الفضاء الطلابي…وزيرنا ‘المستقيل’ وربما بحكم تخصصه، باحث في التراث، غرق وأغرقنا معه في تراثنا المنهوب، حتى خلناه مفتشا من نوع جديد- استعاد لنا بل نبهنا لحجم الكارثة في سطو العصابات على تراثنا وماضينا، لكنه سكت عن سطو العصابات على عقولنا وحاضرنا…من مداخل الدعاية لثورتنا الجديدة، ومن مداخل ريادتها، الجلسة محكمة التنظيم حيث جلس كل وزير ‘مقال’ الى جنب الوزير الجديد، وانتبهت الى حسن الجوار بين وزيرنا المستقيل ‘ السيد باش شاوش’ ووزيرنا الجديد ‘ السيد مهدي المبروك’: مسافة بين التراث والحداثة …وزيرنا الجديد حسناته كثيرة فهو باحث في الإجتماع، والإجتماع كما علمنا بن خلدون هو الجامع لكل العلوم والفنون والآداب، وهو الحاضن للعمران البشري- والعارف بدوافع رقي الأمم وبأسباب انحلالها…زمن محاسن وزيرنا الجديد قربه من الحراك انخراطه في الشأن العام، ومساهمته النضالية ‘موقعا وموقفا’ ينظاف الى ذلك استقلاليته- المعلنة إلى حد الساعة عن التجاذبات السياسية العاصفة بطبقاتها …وزيرنا الجديد هو الأول في تاريخ وزارة الثقافة الذي يدخلها عبر شرعية انتخابية آلت الى شرعية توافقية، ومن حقنا أن ننتظر منه الكثير- بعد أن استعدنا وجوهنا في مرآتنا- وبعد أن استيقظت أحلامنا الدفينة، من حقنا أن ننتظر شأنا جديدا في شأننا الثقافي المدخول برياح عدة، أن يستعيد الإبداع مكانته في تهذيب الذوق والعقل، أن يستعيد المبدع حريته السليبة وأن يستعيد توازنا مفقودا بين التفكير والتكفير… من حقنا أن نتساءل عن دور الثقافة المعطلة منذ زمن، وعن إدارة الآداب ومكاتبها التي تخلو من العاشرة صباحا…وعن اللجان الإخوانية التي تبدد الأموال القليلة في الحفلات والمهرجانات …وعن الدعم المشبوه لسينماء لا تعرفنا ولا نعرفها…وعن الأموال لمسرح لا شيء فيه غير التلفيق والإدعاء…وعن أموال تصرف لاتحاد كتاب فعل الكثير من أجل الصورة المشوهة للكاتب…آن للثورة أن تدخل من الباب العريض لوزارة الثقافة…بابا كان موصدا بحكم عوامل عديدة، أملنا كبير في إعادة هيكلة لآليات بالية وفق نظرة جديدة ترتقي بالشأن الثقافي الى مستوى المأمول…أملنا في لجان منتخبة وفي استشارة وطنية حقيقية تطمح إلى خلق ثقافة بديلة تقطع مع السائد …أملنا في مجلس أعلى يمثل كل القطاعات تمثيلا شرعيا يرسم خطط المستقبل الثقافي…كل ذلك منوط بعهدة وزيرنا الجديد وكل ذلك منوط بإرادته الشخصية في إبعاد المصطنعيين الذين أشار إليهم بن خلدون في المقدمة بقوله: ‘ …فنجد كثيرا من السوقة، يسعى في التقرب من السلطان ويتزلف بوجوه خدمته، ويستعين على ذلك بعظيم من الخضوع والتملق له ولحاشيته وأهل نسبه…فيميل الى هؤلاء المصطنعين الذين لا يعتدون بقديم ولا يذهبون الى دالة ولا ترفع، إنما دأبهم الخضوع له والتملق والإعتمال في غرضه متى ذهب إليه، فيتسع جاههم وتعلو منازلهم…’كاتب وروائي من تونس