وزير الثقافة السوري رياض نعسان آغا:
دمشق ـ “القدس العربي” ـ من أنور بدر: منذ تسلمه وزارة الثقافة ونحن نسعي للقاء الوزير د. رياض نعسان آغا الذي حالت مشاغله دون ذلك، فهو كإعلامي وسفير سابق يدرك أهمية نسج روابط ثقافية حقيقية مع العالم، وأهمية الحوار الثقافي مع الآخر، والتي شكلت استراتيجية عمله الجديد، مع محاولة تكريس البعد المؤسساتي للوزارة. لكنه فاجأنا بحضوره الآسر في مدينة تدمر، إذ كنا مجموعة صحافيين في فندق هليوبولس، ذهبنا إليها لتغطية مؤتمر صحافي لأسرة فيلم المهد الذي بدأ المخرج محمد ملص بتصويره مؤخرا عن نص الدكتور رياض نعسان آغا، حين وصل الوزير، وأدار حديثا مطولا حول شؤون وشجون الثقافة السورية، استأذناه بنشره فرحب مشكورا.
آليات عمل جديدةتحدث الوزير في البداية عن آليات جديدة للعمل في الوزارة، قائلا: لدي أسلوب ما في العمل يكرس البعد المؤسسي في الوزارة، كل من جاء قبلي كانوا مثقفين، بالنسبة لي لدي رغبة كبيرة في توطيد الأسلوب المؤسساتي في العمل، أي عدم اتخاذ قرارات فردية، لذلك تجدون الآن عددا كبيرا من المستشارين في الوزارة، لكي لا أرتجل قرارا وكي لا أقع في خطأ.
أريد للوزارة أن يكبر دورها.. فهي كان لها دور ولم ينقطع ولم يتوقف ولكن أريد أن يتصاعد هذا الدور، لكي يشمل كل مكامن الإبداع الممكنة أو المتوقعة في سورية وفي العالم العربي، فنشاطنا في وزارة الثقافة لا يحد في سورية، نحن نعمل في إطار واسع جدا، لذلك كان في استراتيجيتنا أولا: تعميق الصلة العميقة بين ثقافتنا في سورية وبين الثقافة العربية ومع الثقافات العالمية، وهذا ما بدأنا العمل عليه منذ سنوات، ولكننا الآن ربما نكون في مواجهة أكثر حرارة مع القضايا الراهنة، مثلا لدينا اهتمام كبير في الحوار الثقافي مع أوروبا، وهذا أمر له أولوية علي سواه لوجود بعض سوء التفاهم بين الثقافتين، ولا سيما بعد الرسوم والمقالات التي تشوه الإسلام والعروبة، ولذلك وضعت في مقدمة أهدافي في هذه الوزارة: إيجاد برنامج أو آلية عمل لتعميق الصلة الثقافية مع الغرب، الأمر الثاني هو البحث عن وسائل تشاركية ثقافية مع الشرق، ففي الإطار الأول ذهبت إلي النمسا وإسبانيا، وفي الإطار الشرقي سأذهب إلي الصين.. فنحن ندرك أن العالم غرب وشرق، أي علينا العمل ضمن كل الدوائر (العربية أولا ثم الإسلامية ثانيا، والعالمية ثالثا)، والدائرة الثالثة أصبحت أكثر يسرا في التحاور بسبب ثورة المعلوماتية وثورة الاتصالات الآن، مثلا نحن نستطيع التحاور مع ثقافة اليابان بسهولة بسبب ثورة الاتصالات ووجود الموبايل والانترنيت والفضائيات…. الآليات الجديدة في وزارة الثقافة هي توسيع دائرة العمل المؤسساتي وإعادة هيكلة الوزارة، وقريبا ستنتهي هذه الهيكلة، الآن لدينا مشروع ضخم هو توسيع الملاك العددي، ونفكر الآن بتحويل عدد من المديريات إلي هيئات، مثلا مديرية الآثار سيتم تحويلها إلي هيئة عامة، وكذلك مديرية المسارح، لنعطي هذه المديريات مزيدا من الاستقلالية والصلاحيات وبالتالي توسيع الملاكات، و لدينا مشروع ضخم أيضا هو الهيئة العامة للكتاب.. ولدينا مشروع آخر أدعو إليه كل المثقفين السوريين والعرب وبعض الأجانب، وهو مناقشة مشروع ثقافي يحدد مستقبل الثقافة في سورية والوطن العربي.. فنحن في بداية الألفية الجديدة ما زلنا بحاجة لأن نعيد النظر بكثير من الاولويات الثقافية، ولذلك نحن نعدّ لمنتدي دولي كبير، وبحوزتنا أيضا مشروع جديد وهو تعميق الصلة بين المثقفين العرب كي تكون الثقافة هي الجسر الذي لا ينقطع مهما كانت ظروف السياسة.
الثقافة لا ترتهن بالسياسةوهنا أخص بالذكر لبنان، فهناك بعض الجسور منقطعة في السياسة، لكن جسر الثقافة يجب أن يبقي يعمل، ونحن نحاول توسيع هذه الصلات، وهذا الأمر ينطبق أيضا علي العراق، فنحن نري أن الاضطراب السياسي الحاصل يجب ألا يؤثر علي التفاعل الثقافي العربي، فالثقافة هي القاعدة الأساسية للهوية، ومن هذا المنطلق أريد أن تبقي العلاقات الثقافية قائمة بين البلدان العربية دون النظر إلي طبيعة العلاقات السياسية بين الدول، هذا الأمر جربناه في الثمانينات عندما كنا في قطيعة سياسية مع مصر، كانت الثقافة علي اتصال دائم، العمل الإبداعي في ظل القطيعة السياسية مع مصر بعد اتفاقات كامب ديفيد استمر، وهذا التواصل الثقافي الذي استمر أتاح للشعب ألا يشعر بأن هناك قطيعة علي الصعيد الشعبي.. ما هي إجراءاتكم بصدد تفعيل العلاقة الثقافية مع لبنان؟ تهاتفت مع زميلي وزير الثقافة اللبناني حول ضرورة أن يعمل المثقفون علي تمتين الروابط الثقافية الموجودة بينهم منذ أعماق التاريخ، وبحثت الأمر مع السفير السوري اللبناني نصري خوري (سفير لبنان في سورية وسفير سورية في لبنان) ووضعنا أفقاً لبرنامج عمل مشترك مع لبنان، كما اتصلنا ببعض مثقفي لبنان (غازي قهوجي) مثلا، وطلبت منه ترتيب لقاء مع الفنانين اللبنانيين، واتصلت بمنصور الرحباني ودعوته لتقديم عرض مسرحي ضمن ملتقي حلب عاصمة الثقافة الإسلامية، واتصلت مع الأستاذ جوزيف حرب، ودعوناهم مع اتحاد الكتاب للمشاركة في هذا المنتدي الذي نعمل علي أن يكون خارج إطار السياسة. وهل العلاقات الثقافية مع لبنان تشمل كل الأطياف؟ أكدت علي الأستاذ غازي أن ينوع ويمثل كل الشرائح اللبنانية في الملتقي، فأنا لا أريد أن أتحاور مع المؤمنين بأفكاري سلفا، ومع من يشبهني، أنا أبحث عمن يخالفني لكي أتحاور معه، وأتمني أن يلتئم هذا الملتقي خلال العام الجاري فالأمر يحتاج إلي تحضير.. أنا أري كمثقف وكوزير أن ما يحدث الآن بين سورية ولبنان هو سحابة صيف في سماء العلاقات السياسية، إذ لا يمكن علي الإطلاق لهذا الاضطراب أن يستمر، وهذه فتنة خارجية كان هدفها قطع المسار السوري اللبناني وزعزعة قوة لبنان بصلتها مع سورية، وأما المستهدف الأخير فهو المقاومة، ولذلك نحن (الشعب اللبناني والشعب السوري) سنبقي مصممين أن يبقي المسار واحدا والمصير واحداً، بل الأمر لا يحتاج إلي تصميم لأنه قدر. لكن البعض يتحدث عن أخطاء هنا وهناك؟ أقول لكم بأن الأخطاء كانت مشتركة وكثيرة لأنها مرحلة حرب، فعندما دخلت سورية إلي لبنان دخلت والحرب قائمة، وفي الحروب تكثر الأخطاء إلي درجة يبدو معها أن الصواب قليل، أو تصعب رؤيته، فالحرب حالة من الفوضي، ولكن ما الذي حدث بعد ذلك؟ انتهت الحرب إلي الاستقرار، ودائما في الحروب يظهر علي الساحة من يسمون أثرياء الحرب، وهؤلاء ظهروا في سورية وفي لبنان، وهذا أمر لا أقول إنه طبيعي ولكنه يحدث، وهل كانت القيادة في سورية ولبنان راضية عن ذلك؟ أقول لا، ولماذا لم تقاومه القيادتان؟ أقول إن مقاومة هذه الأخطاء ليست بالأمر اليسير فهو يحتاج إلي تحقيق ومتابعة، وهذه المتابعة كانت تتم، وأنتم تعلمون جميعا أنه مع انتهاء الاحتلال الإسرائيلي للبنان (طبعا بقيت مزارع شبعا) بعده بقليل بدأ الانسحاب السوري من لبنان، ووصل عدد القوات السورية لأقل من 14 ألف جندي، طبعا لم يكن الانسحاب ممكنا بعد عامين من اتفاق الطائف كون الجيش الإسرائيلي كان يحتل جنوب لبنان، وحتي اللبنانيون لم يكونوا يريدون من الجيش السوري الانسحاب لكي لا يختل التوازن، وكان من الضروري دعم المقاومة.
الخروج من أزمة السينما والمسرح بالعودة إلي الشأن الثقافي، منذ سنوات طويلة والحديث عن أزمة المسرح والسينما مستمر، فهل هناك خطة إنتاجية للخروج ولو قليلا من الأزمة؟ أنا أعتقد الآن أننا خرجنا من الأزمة، ونحن لا نواجه أزمة لا في المسرح ولا في السينما، الأزمة عندما نقع في مشكلة ليس لها حل، ونحن غير مأزومين في الوزارة، المسارح في سورية موجودة، آليات وعناصر وأدوات العمل المسرحي موجودة (فالكاتب موجود والمخرج موجود والفرق المسرحية..) والعمل الذي يحتاج إلي دفع هو تنظيم هؤلاء ووضعهم في بوتقة عمل.. والميزانيات موجودة، وما أنفق علي المسرح في أربعة أشهر يصل للملايين، وما لم ينفق هو أكثر بكثير مما أنفق، وما قصّرنا علي أحد بالمال، ولا توجد إطلاقا أية أزمة مالية، ونحن بدأنا بربط الإنتاج الثقافي بالنشاط الاستثماري. من جهة أخري بدأنا نفعل دور المجتمع الأهلي في الثقافة وفي دعم الثقافة، مثلا بعد تسلمي وزارة الثقافة بعشرين يوما فاجأت الجميع بتشكيل فرقة الاوركسترا السورية للموسيقا العربية، هذه الفرقة لم تكن ضمن خطة عام 2006 المالية، وليس لها رصيد مالي أبدا، ومع ذلك أقامت حفلاتها، فماذا قدمت وزارة الثقافة لهذه الحفلات؟ لا شيء.. فالمجتمع الأهلي هو من دعم هذه الفرقة، وحفلات الفرقة قدمت مجانا، ولو فكرنا ببيع هذه الحفلات لن تغطي عشرة في المائة من التكاليف، لكن هناك رعاة للفرقة، هذا التفكير بتفعيل المؤسسات الأهلية لدعم الثقافة يمكّننا من تجاوز أزمات مالية كبيرة، وهذا متوفر الآن، لأن سورية تشهد نهضة في المجال الاستثماري، وما حصل مع الفرقة ينسحب علي المسرح، وسنجد رعاة لكل العروض المسرحية… لدينا مهرجان سينما ضخم وليس لدينا إنتاج سينمائي، أليست هذه مشكلة؟ الحقيقة أنا قلق بشأن السينما، وأدرك تماما أن من المشكلات الصعبة مواجهة هذا النزيف المادي الذي يستهلكه فيلم واحد أحيانا، لذلك وجّهت المدير العام لمؤسسة السينما بأن يدرج في الخطة أفلاما جديدة تصور بالديجتال، وذلك تخفيفا للنفقات، وأمامنا في خطة العام القادم ثمانية أفلام ستصور بالديجتال، هذا لا يعني أنا سنتوقف عن إنتاج أفلام (35) ملم، ولكن لن ندع هذه الأفلام تستهلك الموازنة، الأمر الثاني دعوت لمشاركة القطاع الخاص في الإنتاج السينمائي، ولدينا الآن شركاء سيكونون معنا في إنتاج هذه الأفلام. كذلك الصالات فهي قيد الدراسة، وقمنا برفع مذكرة للسيد الرئيس الدكتور بشار، و شكلنا لجنة عليا لدراسة واقع السينما عامة، وتكرم السيد الرئيس بالموافقة علي كل طلباتنا، ومن بين الطلبات إعفاء الصالات من الضرائب تشجيعا للمستثمرين، وهذا الموضوع سنقدم فيه مشروع قانون إلي مجلس الوزراء لإقراره أصولا. شعب صغير كشعب البحرين لا يتعدي عدد سكانه سكان مدينة سورية، أقام مجمع سينمات يتعدي العشر صالات، فإلي متي نستمر في سياسة ترميم الصالات والترقيعات الأخري؟ وماذا يمنع وزارة الثقافة من التقدم بمشروع مجمع صالات سينما؟ ما هي خطتنا لاسترداد الجمهور؟ أنا أدرك أن المشكلة ليست جديدة، فالسينما لم تأخذ حقها جيدا في السنوات الماضية، والمؤسسة العامة للسينما كانت تنتج أفلاما للمهرجانات وليس للشعب، حتي أن بعض الأفلام عرضت لأيام قليلة فقط. الصالات في وضع مؤسف، كلها تحتاج إلي تأهيل، وكل الوزراء السابقين عقدوا اجتماعات كثيرة مع أصحاب دور السينما الذين وجدوا أن تحويل دورهم إلي مطاعم وبوتيكات أربح لهم، هناك قرار بمنعهم من هدم أو تحويل هذه الصالات، دون أن يكون لدي الدولة أية بدائل، ذكرتم البحرين، فهل كانت حكومة البحرين هي المبادرة لبناء الصالات؟ بالتأكيد لا، وأنا أعرف من بناها، أنا لا أريد من الحكومة أن تبني صالات، لأن الفن عمل اجتماعي شعبي، وعلي الحكومة تقديم الدعم فقط، لذلك طلبنا من المستثمرين الذين أتوا إلي سورية أن يكون في مجمعاتهم عدد من السينمات، وخلال أعوام ستشهد دمشق بناء حوالي 25 دار سينما مختلفة الحجوم والاتساعات. هذا عن دمشق وماذا عن المدن الأخري؟ في كل المحافظات ستكون هذه المشاريع، والمسألة مسألة وقت، وأنا كوزير ثقافة لا أريد تكرار تجربة سينما الكندي، أريد للمجتمع أن يقوم بهذا العمل ويستثمر في الثقافة، ومبدأ أن الدولة مسؤولة عن كل شيء أصبح من الماضي، ودور الدولة هو الإشراف وتقديم الدعم اللوجستي، ومثال بشار زرقان الذي افتتح دارة الفنون مثال ناجح، فنحن قدمنا له كل الدعم والرعاية الممكنة. نحن نفتخر بإنتاجنا التلفزيوني، ومع ذلك لا يوجد لدينا مهرجان للدراما التلفزيونية؟ الحقيقة نحن كنا نريد إنشاء مهرجان للتلفزيون في أواخر الثمانينات، ولكن وجدنا أن مصر ترغب في إقامة مهرجان القاهرة التلفزيوني، ويريدونه مهرجانا عربيا وليس مصريا، فقلنا هو مهرجاننا إذا، وهذا سر مشاركتنا الواسعة به وحصدنا الجوائز، ولوجود هذا المهرجان بالقاهرة لم أعد أشعر بالحاجة لوجود مهرجان آخر في دمشق لنفس الغاية.
عودة المراكز الثقافية إلي الوزارة إلي متي ستبقي المراكز الثقافية مزدوجة العائدية (وزارة الثقافة ووزارة الإدارة المحلية) وما نجم عن ذلك من ترهل ومشاكل في المراكز؟ أعتقد أننا قيد الانتهاء من حل هذا الإشكال، فالخطة الخمسية العاشرة لحظت عودة المراكز الثقافية إلي وزارة الثقافة، والخطة صدرت وأصبحت قانونا، بمعني أننا قيد ترتيب إعادة المراكز الثقافية إلي الوزارة، أي العودة عن المرحلة الثانية من نظام الإدارة المحلية، فهذه التجربة قيمناها ورأينا أنها لم تحقق أهدافها، ولذلك نحن نتوجه الآن إلي استعادة المراكز الثقافية، نحن لدينا ( 416 ) مركزا، وهي في تزايد مستمر، ومن حقنا بل من واجبنا كما أعتقد تقويم هذه التجربة، وستعود هذه المراكز قريبا إلي وزارة الثقافة.