الثقافة والتسوّل!

قبل سنوات، كنت بصحبة الصديقين العزيزين واسيني الأعرج وأمير تاج السر، لتقديم محاضرة في الخرطوم ضمن النشاط الثقافي لجائزة الروائي السوداني الطيب صالح. وكانت القاعة تغصّ بجمهور الحضور. تكلّم كل من الأعرج والسر قبلي، وحين بدأت كلمتي قلت: «في الكويت فقراء كما في السودان!» وكانت جملتي هذه كفيلة بأن تجعل الدهشة والصمت المطبق يحطّ على صخب القاعة وضجتها.
بيّنت أن الكويت كأي بلد في العالم فيها الغني وفيها الفقير، وغنى المليونير يختلف عن غنى الموظف متوسط الحال، والمليونير والموظف متوسط الحال يعيش كلاهما عيشا، لا يمت بصلة لعيش ثالث فقير ينتظر راتبه الشهري، وعيش الثالث الفقير، لا يمت بصلة لعيش مغترب معدم بالكاد يحصل على لقمته.
الوضع عينه أقوله اليوم، بحق المؤسسة الثقافية العربية الخاصة؛ مجموعة أشخاص يؤمنون بالفكر والإبداع والثقافة، يجتمعون ويتخذون قرارا بتأسيس شركة أو تجمع أو مؤسسة تتعامل بالأنشطة الثقافية، وفي هذه اللحظة يبرز السؤال المستحق: منْ الذي سيموّل هذه المؤسسة أو الشركة؟ وقبل الخوض في تفاصيل الرد، فإن الإجابة الصحيحة والمباشرة تقول: «لا أحد».
جميع أقطار الوطن العربي، فيها مؤسسة رسمية تعنى بالثقافة، سواء كانت وزارة ثقافة، أو مجلسا وطنيا للثقافة والفنون والتراث، أو أي جهة ما تكون مسؤولة عن الثقافة والفنون. وهذه المؤسسة تستلم ميزانيتها السنوية من الدولة، وفي جميع الدول العربية، الغنية والفقيرة، فإن إجمالي ميزانيات وزارات أو مؤسسات الثقافة لا يصل إلى (٪1) من إجمالي ميزانية الدولة، وأن هذا الـ(٪1) البائس يذهب (٪80) منه إلى باب الرواتب، وبالتالي فإن المؤسسة الثقافية العربية تعاني عجزا/ عوزا دائما، وبما يعيقها عن تحقيق أهدافها، وإذا كان هذا حال المؤسسة الرسمية، فكيف يمكن أن يكون حال المؤسسة الثقافية الخاصة؟

إن أراد أي مفكر أو مثقف عربي أن ينشط بإقامة فعاليات فكرية أو إبداعية أو ثقافية، فإنه ملزم بتمويلها من جيبه الخاص، أو تقبّل أن يكون شحّاذاً يقف بباب الجهات المانحة أشخاصا كانوا أو مؤسسات، ليسفح ماء وجهه متسوّلًا!

للحقيقة، المؤسسات الثقافية الشخصية والخاصة في المجتمعات العربية، تعيش من تسوّل «الصدقات» وتحيا بفضل تفضّل المتفضلين عليها، فأي مؤسسة ثقافية عربية خاصة، ليس من جهة في الدولة تساعدها ماليا لتنفيذ مشاريعها وأنشطتها، وبالتالي فهي تخطط لهذه الأنشطة، ثم يشدّ المسؤولون عنها الرحل، لطرق أبواب المؤسسات المالية الثرية، كي ينالوا الفُتات، الذي يُقيمون به أنشطتهم!
نعم، إذا قُدِّرَ لمؤسسة ثقافية عربية شخصية، أو خاصة أن تمارس دورها فهذا يعني أن صاحبها يصرف عليها من جيبه، أو أن علاقات شخصية بينها وبين مؤسسات مالية غنية، تضمن لها تمويلًا مالياً يمكّنها من سدِّ رمقها. طبعاً، هناك مؤسسات دولية، وتحديدا من بعض الدول الأوروبية، تموّل بعض المشاريع الثقافية والفنية، لكن بعد دراستها، وبعد مقارنتها بمشاريع مماثلة لها، للوقوف على أحقيتها وفوزها بنيل المساعدة المالية، وبعض هذه المؤسسات الدولية، تميل، وهذا ميل مبرر ومفهوم، تميل للمشاريع التي تصبّ في مصلحتها وتخدم مصالح دولها.
إن النشاط الفكري والثقافي والفني العربي مشلول، لأن المؤسسة الرسمية فقيرة وتعشش البيروقراطية والشللية بين جنباتها، والمؤسسة الخاصة، سواء لفرد أو أفراد، تموّل مشاريعها من جيوب أصحابها، أو تشحذ مالاً بائساً من شخص أو جهة متفضلة عليها لإقامة أنشطتها! هذا الوضع البائس والمؤلم، الذي ما عاد يصلح لعصر ثورة المعلومات، وحروب القوى الناعمة، وعالم شبكات التواصل الاجتماعي، قد يكون سبباً أساسياً وكافياً يسهم في تأخر نهضة الشعوب العربية. لكن، ما يؤلم حقاً أن المسؤولين في الأنظمة العربية، لا يدركون هذه الحقيقة البسيطة والساطعة، أو أنهم يدركونها تماماً، لكنهم يدركون أكثر خطورة الوعي والفكر والفن المتقدم على أنظمتهم!
نعم، إن أراد أي مفكر أو مثقف عربي أن ينشط بإقامة فعاليات فكرية أو إبداعية أو ثقافية، فإنه ملزم بتمويلها من جيبه الخاص، أو تقبّل أن يكون شحّاذاً يقف بباب الجهات المانحة أشخاصا كانوا أو مؤسسات، ليسفح ماء وجهه متسوّلًا!

كاتب كويتي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية