لا تؤول الأشياء دوما الي ما نتوخاه ونرتجيه ونأمله. منطق الحياة يأبي تسليم مفاتيح النجاح لكل (هاب أو داب) أو تابع أو مريد. وقد قال عمر بن الخطاب: ان السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة. كما أن الأرض لا تنبت بَرْسِيمًا بالتمني ولا تؤتي أكلها بالرجاء. فتاريخ الانسان بوجه عام، كان سيرورة لاهثة وطويلة من أجل تدبير علاقة الانسان بالطبيعة والمحيط والحياة. وأول ما تؤكده هذه السيرورة، هو أن الحياة مُمَانِعَة ومتمنعة بشكل كبير، ولا تستقيم في نهاية المطاف الا لمن أقدم علي اعتلاء صهوتها بالمكابدة والمجاهدة والاقدام وحسن البلاء. ورغم أن هذه حقيقة واضحة سافرة كقرص الشمس في أديم السماء، الا أنها تظل رغم ذلك من نوع الحقائق التي لم تتحول في حياتنا اليومية الخاملة، الي آلية فكرية وسلوكية واعية ومدرَكَة. لأن تنشئتنا الاجتماعية وقيمنا المكرورة السائدة والمهيمنة، تأخذ بخناقنا وتمسك بتلابيبنا وتغرقنا في حمأة الاتكالية والقدرية والخمول والغفوة الفارهة المستعلية عن جدلية الواقع واختبارات الحياة. وقد لا نجانب الصواب ان قلنا ان جزءًا كبيرًا مما نحن عليه من تخلف وضمور وكدر وعياء، نابع أساسا من تخلف القيم التي نتبناها ونعيش بها ونرتاد بها مدارات الكينونة في هذا العالم. فالتخلف بشتي أشكاله وتشكلاته ليس في عمقه وحقيقة مؤدياته ومستأنفات أحواله، الا تخلفا قيميا بالدرجة الأولي. فالمبادرة الحرة ـ مثلا ـ التي تغذي حركية الاقتصاد الغربي وتمده بدفق التفعيل والتطور ومراكمة الثروات، هي في عمقها قيمة ثقافية واجتماعية بالدرجة الأولي. وهي تتقابل لدينا مع قيمة ثقافية مستشرية كالطاعون، هي الاتكالية التي تفرز واقعًا آسنًا مشبعًا بقيم رديفة هي الخمول والوهن والكسل والاسترخاء. لدرجة أن هذه القيم قد تتحول الي نهج فاعل ومؤثر في تمثلاتنا وتنشئتنا الاجتماعية ومجمل السلوكات التي نجابه بها العالم، وذلك حين تصاغ هذه القيم الرثة البالية في شكل قاعدة سلوك ونهج حياة من خلال أمثال باطلة عاطلة من قبيل: النوم والكسل أحلي من العسل.
ان آفة التخلف هي أنه ينتجك بقدر ما تنتجه، يمنحك بقدر ما تمنحه. وكلما اختمرت الذات بقيمها العديمة الرثة البالية البلهاء، كلما كان واقعها مخسرةً واستلابًا وانتفاءً. والواقع أن التأمل الحصيف في مشهدنا الثقافي والفكري والاجتماعي والاقتصادي وتوابعه ومستتبعاته، يكشف أن مكامن الخلل والزلل، تتمثل أساسًا في منظومة القيم المغذية لمواقعنا ومواقفنا وردود أفعالنا أو ما يشبه الأفعال. وقد سبق لعبد الرحمن الكواكبي أن تنبه لذلك وصاغه صياغة بلاغية قوية في كتابه طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد حين قال: وهذا ما صرنا اليه بعد أن ألفنا الأدب مع الكبير ولو داس رقابنا، وألفنا الثبات ثبات الأوتاد تحت المطارق، وألفنا الانقياد ولو الي المهالك. ألفنا أن نعتبر التصاغرَ أدبًا، والتذللَ لطفًا، والتملقَ فصاحةً، واللكنةَ رزانةً، وتركَ الحقوق سماحةً، وقبولَ الاهانة تواضعًا، والرضا بالظلم طاعةً، ودعوي الاستحقاق غرورًا، والبحثَ عن العموميات فضولاً، ومدَّ النظر الي الغد أملاً طويلاً، والاقدامَ تهورًا، والحَمِيَّةَ حماقةً، والشهامةَ شراسةً، وحريةَ القول وقاحةً، وحريةَ الفكر كفرًا، وحبَّ الوطن جنونًا.
سعيد أراق أغادير ـ المغرب6