محمد بنيـــس
أيها السيدات والسادة أشكر الإخوة المشرفين على توجيه الدعوة لي كي أشارك في ندوتكم، وأعتذر للجميع عن عدم تمكني من الحضور. نحن في نهاية السنة الجامعية، والواجبات في هذه الفترة لا تسمح بالسفر. هذه الكلمة، التي أبعث بها لكم، تحية للثورة التونسية، ومشاركة صديق لأصدقاء في تأمل هذا الحدث الفريد، الذي تنبئ علاماته الكبرى بأنه سيغير مساراً تاريخياً. وإني من بين الذين يرجون للتغيير أن يكون بقدر حلم الشعب التونسي بالحرية والكرامة وبقامة روح البطولة، التي أعلن عنها الشهيد محمد البوعزيزي. أتمنى أن تستقبلوها بما عهدته فيكم من تسامح، لأن ما تتضمنه صادر عن المودة وحدها. 1. أقصر الحديث، منذ البدء، على الثورة التونسية. ذلك ما أستخلصه من الثورات العربية نفسها. فأولى سمات هذه الثورات التي نعيشها، اليوم، هي أنها ذات خصوصيات محلية، ضمن واقع عربي ثوري مشترك. سمة يمكن أن تكون، في الوقت نفسه، مدخلا إلى قراءة هذه الثورات والمنظورات التي يمكن أن تتراءى لنا من خلالها. نحن بحاجة إلى ذلك. إن اشتعال الثورة التونسية، كمقدمة مدهشة لثورات متلاحقة عبر بلاد عربية تكاد تكون شاملة، أدت إلى أوضاع سياسية ونفسية جديدة لا أحد يستطيع التكهن بالمدى الذي ستبلغه، بفعل قوة الانفجار، في بعد زمنها أو مكانها. شيء مما يفوق خيالنا، الذي كانت تعتقله نماذج مستقبلية مختلفة تماماً عما هي عليه الوضعية الآن.
أسبق ما يواجهنا، اليوم، هو التسمية. كيف نسمي هذا الذي حدث في تونس من يوم 17 دجنبر 2010 حتى يوم 21 يناير 2011؟ ومن الذي يعود له الحق في التسمية؟ سؤالان مستعجلان. ثمة تسميات عديدة أخذت مكانها في الخطاب الإعلامي أولاً، ثم جاء دور خطابات تتداخل وتتقاطع. تسميات نعرف بعضها. منها تسمية ‘يوم الاستقلال الثاني’، التي رفعها تونسيون عاش أغلبهم فرحة اليومين. ومنها تسميات ‘الربيع العربي’، ‘الثورات العربية’، ‘الغضب العربي’، ‘التمرد العربي’. تسميات تسابقت نحوها خطابات إعلامية، سياسية، قانونية وحقوقية، أو خطاب الدراسات الإستراتيجية، في المراكز الدولية للبحوث وجهات القرار الدولي. يشترك فيها جميع هذا الذي يحدث عبر البلاد العربية. إنها، باختصار، أكثر التسميات تداولاً. ولعل الانتقال من تسمية ‘الثورات العربية’ إلى ‘التمرد العربي’ هو ما يثير المتأمل، وهما متباينتان من حيث دلالتهما الفكرية والاجتماعية والتاريخية في آن. لأن إطلاق تسمية ‘الربيع العربي’ يعود إلى شحنة استعارية، تفجر ضوابط التسمية السياسية أو الفلسفية. 2. فهل نحن أمام ثورة أم تمرد؟ سيطول نقاش المختصين في الشأن السياسي والإستراتيجي، ثم الاجتماعي والفلسفي بهذا الخصوص. لكن علينا أن نستحضر سياق الثورات العربية عموماً. سياق محلي، مطبوع بسلطة استبدادية، لها تاريخ عريق في المجتمع العربي والإسلامي، وسياق الحل الإسلاموي الذي كان يطرح نفسه كبديل وحيد، قادر على دحر الهيمنتين المحلية والدولية على شعوب المنطقة، وسياق خطاب استشراقي استعماري، يبرر سيادة العبودية في العالم العربي بالثقافة الإسلامية نفسها، وخطاب العولمة الاقتصادي، الذي لا يعنيه سوى ارتفاع مؤشرات الإنتاج والاستهلاك. استحضار هذه السياقات يفيد أن تونس أصبحت نقطة انطلاق فعل استثنائي، لا نعرف كيف وقع. وهو يعيد إنتاج نفسه في بلاد عربية. على أن ما يميز كل ثورة على حدة، من تونس إلى مصر، ثم ليبيا واليمن وسوريا، ولا يفلت منها أو من آثارها أي بلد عربي، هو ما يستدعي قول إن القراءات الإعلامية أو السياسية أو القانونية أو الحقوقية للثورة التونسية ينقصها الثقافة، القراءة الثقافية، تبعاً لخصوصية الشعب التونسي وتاريخه. ليس الأمر متعلقاً بتبديد الوقت في لعب مجاني بالكلمات. لا، أبداً. نحن لا نعرف الوقائع إلا من خلال اللغة التي تسميها. وفي غياب التسمية، تتحول الوقائع عن مقاصدها أو ينعدم وجودها. والتسمية التي تأتي من الثقافة، في الفكر والإبداع معاً، هي الأقدر على مساعدتنا في تعيين معنى الثورة التونسية. فلنوضّحْ. 3. ما نلاحظه عبر الإعلام، من وقائع ما بعد الثورة التونسية، يدل على ذلك. ثمة خشية تنتشر، داخل تونس وخارجها، من أن تتحول الثورة عن مقاصدها، من أن ينهبها قطاع طرق في منتصف الليل، من أن تأكل أبناءها وهي تدري أو لا تدري. خشية لا عدد لدرجاتها، عبّـر عنها الشعب التونسي نفسه، طيلة الشهور التي تلت الإطاحة بالرئيس زين العابدين بن علي. وليست الخشية سوى الحرص على حماية الثورة من أن تأخذها من جديد بقايا النظام السابق إلى الأقبية، انقضاضاً على الثورة وإمعاناً في التنكيل بها، أو تنهشها بلاغة إسلاموية تتربص بالإبداع في الكلمات والعلاقة بين الكلمات، حتى تستديم سيادة استبداد غالباً ما يستعمل خطاباً شعبوياً، يسهل ترويجه في غياب ثقافة تحررية، متنورة، أو تخنقها ثقافة استشراقية لا تتوقف عن اختزال الشعوب العربية وثقافتها وتاريخها إلى مجرد خطإ في سلوك العبيد.
ألم تهتد الثورة التونسية بلغة شعرية، هي بيتان لشاعر تونس أبي القاسم الشابي؟ كان ذلك منذ البداية واضحاً. إن رغبة التونسيين في كسر الصمت عثرت في هذين البيتين الشعريين على قوة للتعبير عن ثورة شعب على المنع من الكلام، من قول ‘لا’، من النطق بكلمات النشوة، كلمات الحرية، التي تضاعف من سموق الجسد مثلما تمنح الخيال أجنحة لا سبيل إلى عدها. هذان البيتان هما بحد ذاتهما بوصلة توجهنا نحو معنى الثورة، التي أرادها الشعب التونسي. لكن هذا المعنى كان لحظة كتابة القصيدة، في الثلاثينيات من القرن الماضي، باعثاً على تكفير الشابي من طرف علماء دين يعملون على استدامة الاستعباد. ولا يمكن أن نثق في أي خطاب يدعي الالتحاق بالثورة فيما هو يصر على تجاهل الشاعر الشابي أو تكفيره، ومن خلاله ثقافة الديمقراطية والحداثة، في السياسة والمجتمع، كما أخذت في النشوء منذ القرن التاسع عشر، أو حرية المرأة التي تحققت في عهد بورقيبة. 4. لا عجب إن قلنا بأن ما تعيشه تونس، وهي مقبلة على وضع الأسس الدستورية والقانونية والمؤسساتية لثورتها، هو تحديد معنى ما حدث باتجاه ما يجب أن يكون، بعد أن سمى التونسيون أنفسهم هذا الذي حدث باسم الثورة. فـ’الثورة’ هي الكلمة التي سمى بها التونسيون ما نزلوا من أجله إلى الشوارع، وما ضحوا به من دماء أبنائهم وأقربائهم. باختيار كلمة ‘الثورة’ دون سواها، يتحدد عـزّ ما حدث. ولا شأن لغير التونسيين بالتسمية إلا من داخل التسمية نفسها، التي اختارها أهل الثورة. ومن أسبق ما يستحق الملاحظة هو أن الشعب التونسي يعيش في حالة من الحركية المتواصلة، من أجل توضيح معنى تسمية الثورة. توضيحه بالتعبير عن الآراء وعن الاختيارات السياسية، من خلال الدستور الجديد، ومن خلال الانتخابات البرلمانية والرئاسية على السواء. وتقوم بهذه الحركية مجموع الأحزاب السياسية والنقابات، وكذلك مؤسسات المجتمع المدني والهيئات المتعددة التي انبثقت عن الثورة. وهو ما يفيد أن إنتاج خطاب الثورة التونسية يصدر عن هذه القوى الجماعية، بالدرجة الأولى. أطياف سياسية وإيديولوجية متعددة تبادر إلى أخذ موقعها في الساحة العمومية، في الكلام العمومي، حتى تقتطع للثورة معنى، وتدخل في صراع (ومنافسة) لفرضه. من اليسار إلى اليمين. الساحة العمومية مفتوحة بمنطق الثورة لكل من يريد التعبير عن الرأي ويريد الإعلان عن المعنى الذي يريد إعطاءه للثورة، عبر مشروعه لمستقبل الشعب التونسي. وباستطاعة كل مهتم أن يتتبع وسائل الإعلام أو مواقع الأنترنيت. فهي تطلعنا في كل حين على ما أصبح عليه الكلام في الساحة العمومية. نحن، هنا، نقف عند المعنى الأول للثورة. تغيير نظام مستبد، يستحوذ هو ومحيطه الاجتماعي والأمني على خيرات البلاد، بنظام ديمقراطي، يتقاسم فيه المجتمع كلا من السلطة والثروات بطريقة تتأسس على العدل والتكافؤ والتضامن. لكن الخطاب السياسي هو، قبل كل شيء، تأويل للكلمات وللخطابات في آن. ونحس اليوم أن قوى لا تحترم الثورة التونسية، إما بسبب جهلها لمعنى ما حدث وإما لتحديها معنى الذي حدث، تسعى إلى حمل ألويتها لقيادة الثورة. خشية تضاعف من الخشية الأولى. لذلك تستدعي الخشية، في الحالين معاً، مستوى آخر من الخطاب ومن التعبير عن معنى الثورة ومصيرها.4. أقصد هنا الخطاب الثقافي، أي الخطاب الفكري والإبداعي، جنباً إلى جنب. إن الخطاب الثقافي هو الذي يملك الأدوات والمناهج والأساليب التي تطلبها الثورة التونسية من نخبتها المثقفة، المفكرة والمبدعة، لتثبيت تسمية الثورة وتعيين معناها. تطلبها بإلحاح. سبب هذا الإلحاح في الطلب هو تاريخ تونس العريق، قديماً وحديثاً، وتاريخ الثورات الحديثة في العالم. إن تونس جوهرة صنعتها الثقافة وصقلتها، منذ العهود السحيقة حتى اليوم. شعراء، موسيقيون، مفكرون، مؤرخون، معماريون، علماء، موسوعيون، متصوفة، أدباء، روائيون، مسرحيون، رسامون، مصورون، سينمائيون. هذا التاريخ كان حاضراً في الثورة عبر النشيد، عبر مشاهد الجسد، فردياً يشع في الجماعي، وجماعياً يضيء الفردي، عبر الصرخة، الغضب، الانفجار، الدم، عبر أعمال فنية مجدت وسط الحشود مسيرة الأحلام، عبر إبداع طرق تنظيم الشعب لنفسه بنفسه. لم يكن قليلا ما حضر في أيام الثورة من الثقافة التونسية عبر التاريخ، ومن الثقافة البشرية التي بلورت العقد الاجتماعي بين النظام السياسي والشعب، ورسخت قيم حرية الرأي والتعبير، ووضعت مواثيق الحريات الجماعية والفردية في آن لكل من المرأة والرجل. حقاً، كانت المرأة وردة الثورة، وكانت شمسها التي لا تغيب. وما حضر من الثقافة كان بمبادرة من شبان الثورة أنفسهم. الثورة، بما هي نقد شمولي وإبداع مستمر لصيغة جديدة وحرة بين أفراد الشعب التونسي أو بينهم وبين ما يحيط بهم، هو المهدد اليوم، وهو، بالتالي، ما لا يجب التهاون معه والتفريط فيه. إن ما أكد عليه الشعب التونسي هو أن الثورة لا تنحصر في تغيير رئيس دولة برئيس دولة سواه. وهي لا تقتصر على جوانب ظرفية أو جزئية، مثل البطالة. إشارتان للثورة توضحان أن الشعب يدرك، بحكم عذاباته وبالنظر إلى حسه التاريخي والحضاري، أن النقد الشمولي والإبداع المستمر هو ما يعطي ثورته معناها المطلوب. وهذا الفهم الموسع يأتي من تاريخ شارك فيه مثقفون، وهو اليوم يحتاج إلى مثقفين، مفكرين ومبدعين، أدباء وفنانين ليبدعوه من جديد. 5. معنى جديد للثورة، له من التاريخ بقدر ما له من الحاضر، له من الذاتي بقدر ما له من الكوني. له من الفلسفي والتاريخي والأنثربولوجي واللساني بقدر ما له من الأدبي و الفني. معنى جديد للثورة هو استعادة ما كاد أن يضيع، والاستفادة من الأوضاع والمعارف العالمية. صعب كل هذا، صعب، في زمن عولمة المال والإعلام، زمن ثقافة الاستهلاك. قبل ذلك، نعلم أن المثقفين التونسيين في العصر الحديث، أي منذ القرن التاسع عشر، كانوا أصحاب حلم ثوري، يهدف إلى إدماج الشعب التونسي في حركة حداثة، تقوم على مبادئ الحرية والديمقراطية والعدل والتسامح. وتملك تونس ذخيرة تكشف عن جوانب من الماضي بقدر ما تكشف عن بعض من احتمالات المستقبل. إضافة إلى أن خصوصية عهد ما بعد الاستقلال حتى إسقاط نظام بن علي هي أن مثقفين حافظوا على شخصيتهم، مهما كانت هيمنة السياسي وضغوطاته. بل إن النظام السياسي لم يكن يعنيه المثقفون إلا في حدود أمنية أو دعائية حزبية. لهذا ظل مثقفون يحتفظون بحريتهم التي عرفوا كيف يصنعون ثنياتها. ولم يجد النظام السياسي بداً من الاعتراف بأعمالهم وعدم المساس بمجالهم الذي تعذر عليه تبديد مقاومته. معنى جديد للثورة التونسية. إنه إما أن يكون من عمل المثقفين المنصهرين في الثورة أو لا يكون. معنى النقد الذي يعيد النظر في مسلمات واعتقادات بكل حرية وجرأة، أكانت سياسية أم قانونية أم اجتماعية أم تاريخية أم ثقافية. وهو معنى إبداع قيم تضيفها الثورة التونسية إلى تاريخ الفكر التحرري فيها كما في العالم العربي. إذا كانت الثورة التونسية بحاجة إلى مثقفيها، فليس من أجل المشاركة فقط في ترويج خطاب حزبي أو نقابي، محصور في فئة أو جهة. الحاجة إلى المثقفين أوسع من هذا كله. فهُمْ لتونس كلها، لجميع من يرغبون في التشبث بالثورة في معناها النقدي والمبدع. بهذا أنظر إلى المثقفين التونسيين، من بين الذين كان عملهم منصبّاً لعقود على أسئلة المعرفة والإبداع والحرية، أو من بين الشبان، الذين اعتمدوا ثقافة رقمية في صياغة الثورة. باستطاعة هؤلاء وأولئك أن يساهموا، جماعياً، في حماية الثورة التونسية من كل من يريد سرقتها من الشعب، وكل من يعود، من وراء الأقنعة، ليبدل معاني النقد والإبداع بمعاني الخوف والخضوع. حماية الثورة بإبداع معناها. هذا الفعل الثقافي هو باعتقادي الثورة الموالية، التي ستسمح باستمرار معنى الثورة في تونس وفي عموم العالم العربي. ولكنها هي ما سيعطي الثورة التونسية بعداً جديداً لرجتها الكونية. إن للمثقفين التونسيين، من جميع الأجيال، كل ما تتطلبه منهم الثورة. لهم المعرفة والكفاءة والخبرة والجرأة. لهم التاريخ ولهم التضامن العالمي. لحظتهم تاريخية. ولهم ما يريدون من أجل ثورة ثقافية، هي ثقافة الحرية، ثقافة تخرج بتونس إلى كونيتها، بصيغة مبدعة لما كانت قرطاج وكانت الدولة الفاطمية. ثقافة تبدع معنى الثورة من ابن خلدون إلى خير الدين باشا ومحمد الشرفي، وثقافة تبدع لغة الثورة من الشيخ عبد العزيز المهدوي إلى أبي القاسم الشابي ومحمود المسعدي. هي أمانة المثقفين ليحافظوا على الثورة بإبداعهم معنى الثورة. *نص الكلمة التي ألقيت في مهرجان المنستير عن مرحلة الثورات العربية، يومي 10 و11 يونيو 2011.