الثقافي ـ السياسي ولعبة الوظائف الماكرة

العلاقة المتلبسة والحذرة ما بين السياسي والثقافي تظل محفوفة بإشكالات التوصيف، وعُقد الهيمنة، وبتنوع واختلاف الوظائف التي يؤديانها، إذ يملك السياسي شرعنة القوة المادية، والثقافي يناور عند عتبة القوة الرمزية، وبين القوتين، ولعبة الامتلاك والمناورة هناك الكثير من الفخاخ، والكثير من السجون والرقابات القاسية، فمتى يثق السياسي بالثقافي؟ وهل يمكن أن يشاطره لعبة صناعة النظام والسياق، أو حتى يبادله بعض الأسرار، حتى لو كانت أمنية؟
هذه الأسئلة تخالجني وتطاردني منذ زمن، ليس بحثا عن صياغة عقد أخلاقي افتراضي بين الاثنين، بل لكي يدرك السياسي أن فرادته في اتخاذ القرار، وفي حيازة الأسرار، وربما في ترسيم حدود حركة الجميع لم تعد نافعة للزمن الجديد، الذي تزحزحت فيه الثوابت ومفاهيم القوة، ولكي يدرك الثقافي أن أوهامه الثقيلة أو الخفيفة، وحتى غروره وتعاليه لا تمنحه صلاحية عبور أي حاجز أمني، أو تكسير غلظة أي زعيم سياسي أو رجل مخابرات يقف في المطار أو عند الحدود، أو حتى الوقوف عند عتبة مشتركة مع أي جنرال أو سياسي يمكن أن يضع الديمقراطية في جرابه..
محنة الثقة بين السياسي والثقافي هي محنة تاريخية، ومن الصعب الحديث عن فكِّ اشتباك عقلاني ووظائفي بينهما، لكن تغوّل ظاهرة السياسي «غير المحترف» في حياتنا، ووسط عالم انهارت فيه كثير من «الدول الكبرى» و«الأدلجات الكبرى» استدعى مراجعة كثير من الأفكار والقيم، التي بات وجودها رهينا بأزمة الصراع، وقرينا بلعبة التموضع «الاضطراري» داخل فضاء عمومي مُلتبس، تسلل إليه اللصوص، والدوغمائيون والانقلابيون، وجماعات الحروب الأهلية والأصوليات واليسار الطفيلي، وهو ما جعل الحديث مدعاة للتوضيح وللمراجعة أو للنقد، أو حتى للبحث عن سياق توصيفي أقل ضررا بينهما، رغم صعوبة تجاوز حاكمية هذا السياق الدوغمائي المقفل، والمحكوم بصلاحيات تجعل الاطمئنان السياسي للثقافي أو بالعكس نوعا من السذاجة.
دول ما بعد «الربيع العربي» بدت خالية من السرديات الكبرى، وأن رهانها على «سرديات مضادة» لا يشفع لها في أن تصطنع تصورا سهلا للعلاقة بين الثقافي والسياسي، ولا القبول بالمعايير المفترضة، لتوصيف فعل السياسي في إدارة وتدبير شؤون الناس، وحتى في صناعة أشكالٍ أكثر حداثة لمشروع الدولة، بوصفها الإطار المؤسسي الذي يمكن أنْ يُحصّن السياسي من الأخطاء التاريخية، ويضع الثقافي في إطار المشارك العقلاني والداعم لفكرة تلك الدولة..

النخب وسرديات الأوهام

إذ كان الحديث عن «أوهام النخب الثقافية» كما طرحه علي حرب مثيرا للجدل، والخلاف، فإن الحديث عن «أوهام النخب السياسية» سيكون أكثر مرارة وبشاعة، لأن الدول العربية، بدءا من حركات التحرير في الخمسينيات والستينيات، التي تحولت إلى ديكتاتوريات، إلى طبائع الحاكميات المعاصرة ذات الأقنعة الأيديولوجية أو الدينية أو العسكرية، لم تستطع للأسف أن تصنع نُخباً يمكن توصيفها سسيولوجيا أو إطاريا كما في نخب العهود «الملكية»، فتلك النخب ذات المزاج الارستقراطي كانت جزءا من النظم القديمة الملكية، حتى بدا الأمر وكأن» الثورات» العربية كانت في جزءٍ منها تهدف ثأريا إلى تفكيك النخب لصالح جماعات سرية، وتحت يافطات غامضة كالضباط الأحرار، أو أولاد المعسكرات، وهكذا ظل الحديث عن مفهوم النخبة رهينا بظاهرة أوهام المثقفين، الذين تتسلطن جماعاتها في المقاهي، أو في البيوتات، أو في الحانات، وكل ما هو خارج هذه الأمكنة سيكون عدميا، أو مُهددا بالرقابة والسجن والتغييب.

إذ كان الحديث عن «أوهام النخب الثقافية» كما طرحه علي حرب مثيرا للجدل، والخلاف، فإن الحديث عن «أوهام النخب السياسية» سيكون أكثر مرارة وبشاعة، لأن الدول العربية، بدءا من حركات التحرير في الخمسينيات والستينيات

سرديات الأوهام هي الخطاب الأكثر تداولا في لعبة الإشهار الثقافي، إذ سيكون الإشهار عنصرا للأدلجة وللاستهلاك، وأحيانا للعزلة، وهو ما اتهم به «المثقف العربي» المعزول والمكروه من النخب السياسية، بسبب تاريخ التُهم والإشاعات التي يحملها، فهو اليساري والشيوعي تارة، والملحد تارة أخرى.
هذا التاريخ التوصيف للمثقف جعله بعيدا عن صناعة الشارع، والشعارات، وحتى المؤسسات، وأحسب أن «نهاية الدولة العسكرية» مع موسم الربيع العربي أثارت أسئلة جديدة حول الوظائف والأدوار الثقافية، لاسيما بعد غلو الحديث عن «الخطاب المدني» الذي يجاهر بفكرة الحرية المسؤولة وبقيم الديمقراطية والحق والعدل والاختلاف، التي كشفت العيب والعطالة السياسية العربية، وبالتالي أفقدته عنصر السيطرة على المتغيرات، والقدرة على مواجهة «الجمهور الجديد»، وبدون أن يقوم هذا السياسي بالفعل النقيض، أي ممارسة فعل الطرد والإقصاء والتهميش، أو ربما الحبس والتغييب والموت، وحتى التبرير بالتهديد الوجودي، الذي يمكن أن يقوم الثقافي أزاء السياسي، وإخضاعه إلى ما يشبه الحكم التاريخي بارتكاب معصية الزندقة والكفر والمروق، وهي تُهم سياسية، بأقنعة شرعية، وتوجب إقرار الموت لصاحبها..

مركزيات السياسي وعشوائيات الثقافي

أي مقارنة بين مؤسسات السياسي المركزية وعشوائيات الثقافي، ستكشف لنا خطورة الرعب في هذه العلاقة، فالسياسي العربي يملك كلّ شيء، بدءا من الرصيف والحديقة والمطار والقاعة، وصولا إلى الفندق ذي الخمسة نجوم، فهذه الأمكنة تُعطيه شرعة عمله المؤسسي، وبدون استئذان من أحد، في الوقت الذي لا يملك الثقافي أي صلاحية لتأجير الرصيف/ التظاهر عليه، أو بيع الكتب المستعملة، أو تأجير الفندق، ولو بنجوم أقل، إلّا بعد استئذان السياسي، بوصفه المالك الشرعي، وصاحب القرار في إعطاء التصريح من عدمه. الثقافي العربي لا يملك في هذا السياق إلّا عشوائيات، أو أمكنة قلقة، خاضعة للرقابة من جانب، وقابلة للمحو من جانب آخر، والحديث عن مؤسساته – وزارات الثقافة والإعلام – النقابات- الاتحادات- يبدو مثيرا للسخرية، لأنها في الجوهر مؤسسات حكومية، أو خاضعة لها، وأنْ لا سياسة لها تعلو على سياسة الحكومة.
مؤسسات السياسي العربي المركزية – رغم رعبها- ليست عميقة الأثر أيضا، فهي بدون تقاليد واضحة، وبدون خبرات أو برامج يمكن الثقة بها، فأغلب مرجعيات هذا السياسي لها مرجعيات عسكرية، أو محكومة بها، وهذا ما يجعل المؤسسة السياسية شبيهة بالمعسكر الخاضع للضبط والربط، وأن حديث الديمقراطية، وإنْ حدث في أمكنة محددة، فهو بلا أغطية ثقافية أو حقوقية، وقابل للتهديد، وأن الثقافي وسط هذه اللعبة الماكرة لا يملك سوى وظيفة المتفرج، أو الناقد أو الساخر، أو المتقنّع بشعار «المفلس في القافلة أمين» وأحسب أن صورة المفلس هي المثال الواقعي والاضطراري لهذه الوظيفة، وهناك مثقفون يدركون خطورة هذه المواجهة، والقبول بالعشوائيات، فيذهبون إلى السياسي للعمل بشروطه وبخطابه، لكي يكونوا جزءا من المؤسسات، ومن أعطياتها ولمعانها وامتيازها، ومن البروباغندا التي نراها في الندوات والمؤتمرات، وعلى شاشات التلفزيون، والمثقف يلعب فيها دور الحمائي والصياني بصفة المحلل السياسي، أو المختص بالشؤون الفلانية والعلانية، وأن مهمته – تلك- تكتفي بهذه الفصاحة الدفاعية التي تجعله بعيدا عن العشوائيات وقريبا من المؤسسات.

المثقف الثوري والسياسي الإشهاري

هذه الثنائية ليست بريئة، ومن الصعب الجمع بينهما، رغم أن البعض، ومن كلا الطرفين يملك القدرة على تبادل الأدوار، وعلى المزاوجة بين الثوري والإشهاري والوظائفي، وممارسة هذه اللعبة بدون خجل، وتحت يافطات شتى، بدون استعادة التورط في حديث أوهام النخبة، الذي لم يعد مبررا في عالمنا العربي، لا سياسيا ولا ثقافيا، فالنخب صارت موضوعا عاما، وبتلاوين متعددة، ومنها من تحوّل إلى جماعات طارئة قد تتشكل، وقد تنحلّ بدون أثرٍ يُذكر، لأنها فاقدة للضرورة وللسياق، وللتغطية، فبعيدا عن رقابة السياسي من الصعب جدا للثقافي أن يمارس حقه في كونه ثوريا، لأنّ هذه الثورية ستكلفه كثيرا، أو ربما ستُسرق منه، وهو ما حدث حينما سًرقت حركات الربيع العربي لصالح جماعات الإسلام السياسي، أو للتجار أو للعسكر الذين فرضوا وجود مؤسسة المعسكر، على عشوائية الثورة والثقافة..
السياسي الإشهاري هو الأسرع جاهزية الآن في أن يكون الأكثر مكرا، والأكثر انتهازية في التعبير عن المصالح، وعن التخادم، والتغالب، وفي سحق أيِّ تمظهر خارج السياق والقبول للثقافي، فلا مجال للحديث السهل عن الحداثة وعن المدنية، وعن النقد، بدون الاعتراف أولا بحق الدولة/ السلطة في العنف والرقابة، وفي الثروة وفي المؤسسة، وعلى الثقافي أن يكون واقعيا بهذا القبول، وفي الرضا ببعض الامتيازات التي تُعطيه فرصا مقبولة للحديث الصاخب والمُجرد عن الحب والحرية والجسد والفلسفة، بدون المساس طبعا بـ»الجوهر» و»المقدّس» الذي يصعب الإشهار الثقافي فيه، لأنه يتقاطع مع الأصولي القديم الذي يحرص السياسي على بقائه كعنصر حمائي، على الرغم من رفض الثقافي له، والذي سيظل في نوبة اللاطمئنان هذه على الدوام.

٭ كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية