الثمن الذي تدفعه السعودية لإطفاء حريق النفط الذي أشعلته

إبراهيم نوار
حجم الخط
1

ظنت السعودية أن حرب النفط مزحة، فأشعلت حريقا اكتوت به هي وكل الدول المصدرة للنفط، والاقتصاد العالمي بأكمله، ثم وجدت نفسها تحت ضغط شديد حتى من حلفائها، خصوصا الولايات المتحدة، من أجل أن تطفئ الحريق، وبعد عشرة أيام من مكالمة غاضبة بين ترامب وبن سلمان في الشهر الماضي، تم إعلان تفاصيل اتفاق لتخفيض الإنتاج العالمي للنفط بنسبة 10 في المئة، تتحمل فيه السعودية النصيب الأوفر من التخفيضات، بما في ذلك تخفيضات طوعية خارج الاتفاق. وبعد أيام من بدء تطبيق الاتفاق أعلنت السعودية من جديد تخفيض إنتاجها مرة أخرى بعد أن صوتت السوق بعدم الثقة على الاتفاق واستمر تراجع الأسعار.

خسائر الإنتاج والإيرادات

أول خسائر السعودية هي أن إنتاجها من النفط تراجع بنحو 5 ملايين برميل يوميا عما كان عليه في ذروة الحريق، عندما وصل إلى أكثر من 12 مليون برميل يوميا، أي بنسبة انخفاض تبلغ 40 في المئة تقريبا. ومن المتوقع أن يبقى في حدود 7.5 مليون برميل يوميا خلال شهر حزيران/يونيو المقبل، تصدر السعودية من هذه الكمية في حدود 6 ملايين برميل يوميا، وهو المستوى الذي بلغته في ذروة الحريق الذي كان يستهدف زيادة الصادرات على حساب غيرها.

ومع انخفاض الصادرات وهبوط الأسعار، فإن السعودية خسرت أكثر من نصف إيراداتها النفطية في شهري اذار/مارس ونيسان/ابريل بسبب انخفاض كمية الصادرات بنسبة 30 في المئة تقريبا، وانخفاض الأسعار لكل الخامات خصوصا العربي الثقيل، بنسبة تزيد على 65 في المئة. ومع أن السعودية لم تعلن أرقام الصادرات وأسعار التعاقدات الفورية، فإنها منحت لأصحاب العقود الطويلة الأمد خصومات كبيرة جدا تحت سعر خام برنت بالنسبة للنفط الخفيف، بمن في ذلك العملاء في آسيا، وعرضت خصومات خرافية على النفط العائم المعروض للبيع في أوروبا والولايات المتحدة.

وللتدليل على مدى خسارة الإيرادات، نستعين بمثال الصادرات النفطية العراقية في شهر اذار/مارس الماضي، اذ باع العراق 105 ملايين برميل، حصل منها على إيرادات تقل عن ثلاثة مليارات دولار، مقارنة بكمية بلغت 98 مليون برميل في شهر شباط/فبراير، بلغت إيرادات بيعها 5.5 مليار دولار. علما بأن متوسط الأسعار لشهر نيسان/أبريل سجل انهيارا تاريخيا في أسعار النفط، وبيع النفط السعودي في بعض الصفقات بأقل من 10 دولارات للبرميل.

وفي سياق انخفاض الإنتاج والإيرادات، فإن نتائج أعمال شركة أرامكو أظهرت انخفاضا في الإيرادات بنسبة 25 في المئة في الربع الأول من العام الحالي. وجاءت الإيرادات دون التوقعات بقيمة 16.6 مليار دولار، بينما كانت مؤسسات التمويل وبيوت الاستثمار تتوقع أن يبلغ الرقم 17.8 مليار دولار. وللمحافظة على التزامها بتوزيع الأرباح على الأسهم بالقيمة التي وعدت بها أرامكو عند طرح نسبة 1.5 في المئة من أسهمها للبيع، فإنها ستضطر إلى تخفيض مدفوعاتها للحكومة. وكانت الشركة قد تعهدت بتوزيع أرباح على الأسهم بقيمة 75 مليار دولار. وسيترك تخفيض نصيب الدولة في الأرباح تأثيرا سلبيا على الميزانية التي تسهم العائدات النفطية بأكثر من ثلثي إيراداتها.

تقليص المرتبات

ولا تتوقف تكلفة إطفاء حريق النفط عند مجرد تخفيض الإنتاج من أجل إعادة قدر من الاستقرار إلى السوق، ولكنها تمتد لتحرق دخول المواطنين والعاملين في الدولة والقطاع الخاص على السواء. ومع أن هؤلاء ليسوا هم من أشعل حريق النفط، إلا انهم أصبحوا من ضحاياه وأصبح لزاما عليهم أن يشاركوا في دفع ثمن إطفائه.

وزير المالية السعودي أعلن في اذار/مارس تخفيض الإنفاق العام بنسبة 5 في المئة، ثم طلب بعد ذلك بأسبوعين تقريبا من كل مؤسسات الدولة تخفيض الإنفاق بنسب تتراوح بين 20 في المئة إلى 30 في المئة، ثم قرر أن تتخذ وزارته زمام المبادرة في تحصيل إيرادات إضافية تعين الموازنة على الصمود وسط الخسائر المتلاحقة بسبب حريق النفط والحرب على فيروس كورونا واستمرار الحرب في اليمن، وتعليق موسم العمرة.

وتضمنت الإجراءات التي أعلنها وزير المالية زيادة أسعار الوقود بنسبة 3 في المئة مع الإشارة إلى أنه سيتم مراجعة الأسعار شهريا. كذلك تقرر مضاعفة نسبة ضريبة القيمة المضافة ثلاث مرات من 5 في المئة إلى 15 في المئة ووقف صرف بدل غلاء المعيشة للعاملين اعتبارا من أول حزيران/يونيو، والسماح للقطاع الخاص بتخفيض أجور العاملين بنسبة 40 في المئة مع التصريح بإلغاء عقود العمل وإنهاء الخدمة عند الضرورة.

العجز المالي

عندما أعلنت السعودية ميزانيتها للعام الحالي كانت تتوقع عجزا ماليا بنسبة 6.4 في المئة من الناتج المحلي الاجمالي. وكانت وزارة المالية قد خفضت تقديراتها لسعر النفط إلى ما يتراوح بين 61 إلى 64 دولارا للبرميل. لكن وزير المالية أعلن مراجعة الميزانية في شهر اذار/مارس، وتوقع أن يتسع العجز إلى 9 في المئة من الناتج المحلي. لكن المعهد الدولي للتمويل يتوقع أن يقفز عجز الميزانية إلى 18.6 في المئة من الناتج إذا حقق النفط سعرا يبلغ 30 دولارا في المتوسط على مدار العام. هذا يعني عمليا أن العجز الفعلي في الميزانية يمكن أن يتضاعف ثلاث مرات عن العجز المقدر في بداية السنة المالية، أي يمكن أن يقفز في نهاية السنة المالية إلى ما يقرب من 150 مليار دولار مقارنة بـ 50 مليار دولار حسب التوقعات الأولية لوزارة المالية.

وقد رفعت الدولة سقف العجز في الميزانية هذا العام من 30 في المئة إلى 50 في المئة كما حددت سقف الاقتراض الخارجي بما يعادل 100 مليار ريال بما يعادل نحو 27 مليار دولار، على أن يتم تدبير بقية احتياجات تمويل العجز من مصادر أخرى مثل زيادة الضرائب والأسعار وتخفيض المرتبات.

وقد أدت تداعيات حريق النفط، وما ترافق معه من تطورات سلبية يشهدها العالم، إلى تخفيض التصنيف الائتماني للسعودية مع بقاء التصنيف السيادي بدون تغيير عند درجة A1 ولكن مع تغيير النظرة المستقبلية من “مستقر” إلى “سلبي” وهو ما يعني وضع قيود على التمويل الخارجي وزيادة أسعار الفائدة التي تطلبها البنوك من السعودية مقابل إتاحة تمويل لها. وقد تحقق ذلك بالفعل في إصدار السندات الدولية الذي عرضته السعودية على المستثمرين للاكتتاب بأسعار تزيد بنسب تتراوح بين 3.15 في المئة إلى 5.15 في المئة فوق سعر الأساس لسندات الخزانة الأمريكية.

ومن المتوقع أن تسهم عوامل أخرى في اتساع نطاق العجز المالي في ميزانية العام الحالي، مثل تكاليف حزمة التنشيط الاقتصادي للحد من آثار وباء كورونا والتي بلغت أكثر من 35 مليار دولار، إلى جانب خسارة الإيرادات التي كانت متوقعة لموسم الحج والعمرة. ومن المرجح حاليا أن يتم تعليق موسم الحج نظرا الخسائر الصحية الحادة التي يمكن أن تتعرض لها السعودية بسبب احتمالات العدوى، خصوصا مع طابع الزحام الذي يتميز به موسم الحج. وطالما لم يتوصل العالم بعد لإنتاج أدوية فعالة للعلاج والوقاية من الإصابة بالفيروس، فإن احتمال السماح بالحج هذا العام ضئيل جدا إن لم يكن منعدما.

ارتفاع البطالة

تعتبر البطالة واحدة من المشاكل المزمنة في الاقتصاد السعودي، إضافة إلى انخفاض نسبة المشاركين في سوق العمل. وبعد أن كانت السعودية تتوقع معدل نمو إيجابي هذا العام، بنسبة 1.9 في المئة فإن صندوق النقد الدولي عند مراجعته لتوقعات النمو في العالم في بداية الربع الثاني من العام الحالي، توقع ان ينكمش الاقتصاد السعودي خلال عام 2020 بنسبة (- 2.3 في المئة) كما أعاد الصندوق تقدير معدل النمو للعام الماضي 2019 ووضع النمو عند مستوى ضئيل جدا بلغ  0.3 في المئة فقط بدلا من تقدير الحكومة السعودية البالغ 1.9 في المئة. هذا يعني أن الاقتصاد السعودي دخل إلى العام الحالي وهو أضعف كثيرا مما كانت تعتقد الحكومة، وهو ما سيترك تأثيرا قويا على معدل البطالة أشد المؤشرات الاقتصادية حساسية من الناحية الاجتماعية.

وكان معدل البطالة قد بلغ 12 في المئة في الربع الأخير من العام الماضي، طبقا لأرقام الهيئة العامة للإحصاء في السعودية. وتتركز البطالة في أوساط الشباب بشكل خاص، بمن فيهم حملة الشهادات الجامعية، الذين يمثلون ما يقرب من 60 في المئة من العدد الكلي للعاطلين عن العمل، حيث أن نسبة 64 في المئة من العاطلين تتراوح أعمارهم بين 20 إلى 29 عاما، كما أن حملة الشهادات الجامعية يمثلون 56.4 في المئة من عدد العاطلين طبقا للإحصاءات الرسمية. ويقدر المعهد الدولي للتمويل أن معدل البطالة سيرتفع في العام الحالي إلى 13 في المئة. لكن هذا التوقع جاء قبل انهيار أسعار النفط في شهر نيسان/أبريل، ثم مراجعة الطلب العالمي بالانخفاض من جديد. وبأخذ تدهور أسعار النفط وتراجع صادرات السعودية في الاعتبار، فإن القطاع النفطي سينكمش بنسبة تفوق التوقعات السابقة، كما سينكمش حجم القطاع الخاص، وسيقل عدد فرص العمل المتاحة عن المستويات السابقة، ولن تنشأ مشروعات جديدة بالقدر الكافي لاستيعاب فائض العمالة الذي سينتج عن هذا الانكماش، أو لمقابلة أعداد الخريجين الجدد الذين سيدخلون سوق العمل لأول مرة بعد انتهاء موسم الدراسة للعام الحالي.

وبناء على ما تقدم فإن تكلفة إطفاء حريق النفط الذي أشعلته السعودية ستصيب اقتصادها بالكثير من الأضرار في الأجلين القصير والمتوسط، وستستمر في الضغط على الدولة والمجتمع لسنوات طويلة مقبلة. وسيؤدي ذلك في الأجل المتوسط إلى تراجع قدرة الدولة على تحقيق المشروعات التي تضمنتها برامج التنمية طبقا لرؤية 2030 خصوصا مع استمرار المفعول السلبي لآثار الحرب في اليمن وتباطؤ النمو العالمي، وزيادة اهتمام العالم بالطاقة النظيفة الذي يعني ضمنا التحول عن النفط إلى مصادر الطاقة المتجددة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية